علي محمد طاهر علام يكتب.. التفاهة في زمن الحرب: كيف يسرق الابتذال وعي السودانيين؟
علي محمد طاهر علام يكتب.. التفاهة في زمن الحرب: كيف يسرق الابتذال وعي السودانيين؟

علي محمد طاهر علام يكتب.. التفاهة في زمن الحرب: كيف يسرق الابتذال وعي السودانيين؟
لم تعد التفاهة على المنصات الرقمية مجرد عبث عابر نبتسم له ونمضي، بل تحولت إلى صناعة لها جمهورها وأدواتها وتأثيرها. وفي السودان، ومع قسوة الحرب والظروف الاقتصادية والاجتماعية، انتشر عدد من المؤثرين الذين يقدمون محتوى سطحياً ومبتذلاً، مليئاً بالسباب والألفاظ المسيئة، وخطابات الكراهية والتحريض، والحديث في قضايا عامة بلا معرفة أو مسؤولية.
والمشكلة لا تكمن في الترفيه أو الضحك؛ فالمجتمع المأزوم عادة ما يحتاج إلى لحظات من الترويح. ولكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الإسفاف هو المحتوى، والاستفزاز وسيلة للشهرة، وعدد المتابعين معياراً للقيمة.
خطورة هذا المحتوى لا تتوقف عند إفساد الذوق العام فحسب، وإنما تمتد إلى تشكيل وعي جديد، خصوصاً لدى الشباب والمراهقين.
فعندما يحصل شخص يقدم محتوى مبتذلاً على مئات الآلاف من المشاهدات، بينما يتوارى الباحث والمعلم والطبيب وصاحب المبادرة الرائدة، تصل رسالة خطيرة إلى الجيل الجديد:
“لا تحتاج إلى المعرفة أو الإنجاز كي تنجح، يكفي أن تثير الضجيج”
ومع تكرار المشهد يصبح المرفوض مألوف، والمألوف مقبول، حتى تصبح الشهرة أهم من القيمة، وعدد المتابعين أهم من جودة الإنسان.
بالطبع لا يمكن تحميل صناع المحتوى وحدهم مسؤولية صناعة هذه الظاهرة، فالجمهور المتلقي يظل شريك أصيل في صناعة المشهد.
فكل مشاهدة أو تعليق أو مشاركة لمحتوى مسيء تمنحه فرصة أكبر للانتشار، حتى لو كان التفاعل بهدف السخرية أو الإنتقاد. المنصات لا تعرف أنك تشاهد المحتوى رفضاً له، هي تعرف فقط أنك شاهدته وتفاعلت معه. لذلك فإن تجاهل المحتوى التافه أحياناً أكثر فاعلية من الغضب منه، بينما دعم المحتوى الجيد بالمشاهدة والمشاركة يمكن أن يصنع بديلاً حقيقياً.
في الظروف العادية قد يبدو المحتوى المبتذل مجرد مشكلة ذوق، أما في زمن الحرب والأزمات، فالأمر مختلف تماما. لأن المحتوى الذي يتحول إلى خطاب للتحريض والكراهية والتعميم، فإنه يساهم بشكل كبير في تمزيق النسيج المجتمعي وتعميق الانقسام.
ولهذا فإن مواجهة المحتوي التافه ليست قضية إعلامية فقط، بل جزء من حماية المجتمع وتهيئة الطريق للتعافي والسلام.
في الحقيقة هذه الظاهرة لها أسباب متعددة: الفراغ، البطالة، آثار الحرب النفسية، ضعف البدائل الثقافية، وربما الحاجة إلى الهروب من واقع مؤلم. كما أن خوارزميات المنصات تكافئ المحتوى الذي يثير الانتباه والتفاعل، وليس بالضرورة المحتوى الأكثر قيمة. ولكن الخوارزمية وحدها ليست المسؤولة عن انتشار هذه الظاهرة.
ولمواجهة خطر انتشار المحتوي التافه نحتاج الي بناء وعي ومناعة مجتمعية عبر مختلف المسارات:
تربية الأبناء على التفكير النقدي، وتعليمهم ألا يصدقوا كل ما يشاهدونه، وأن يميزوا بين الرأي والحقيقة، وبين الجرأة والإساءة.
إدخال التربية الإعلامية والرقمية ضمن الأنشطة التعليمية، وتعليم الطلاب كيفية التعامل الواعي مع المنصات، ورفض التنمر والكراهية والتحريض وضرورة التمحيص والتدقيق.
ممارسة العزل الاجتماعي الأخلاقي للمحتوى المؤذي: لا متابعة، لا مشاركة، ولا ترويج، مع دعم أصحاب المحتوى الهادف.
وفي المقابل، لا بد من تشريع القوانين اللازمة وتطبيقها بحزم تجاه خطاب الكراهية والتحريض على العنف والتشهير والمحتوى الذي يهدد السلم المجتمعي، مع حماية حرية التعبير وعدم تحويل مكافحة المحتوى الضار إلى ذريعة لقمع الآراء أو إسكات المخالفين.
مع العلم أن التفاهة لا تحارب بالمنع والمصادرة، وإنما بصناعة البدائل المشرقة.
فلا يستقيم أن نقول للشباب: “لا تشاهدوا التفاهة” ثم لا نقدم لهم بديلاً جذاباً وممتعاً.
الشباب يبحثون عن المحتوى الذي يخاطب اهتماماتهم، وإذا لم يجدوا المحتوى الهادف، ستملأ التفاهة هذا الفراغ.
نحن حقيقة بحاجة إلى محتوى سوداني جذاب في التعليم والثقافة والرياضة والفنون والتاريخ، وفي المبادرات المجتمعية وقصص النجاح والتجارب الملهمة.
وهنا يأتي دور المستنيرين وأصحاب المبادرات والرؤى في اقتحام فضاء الميديا، لا بالوعظ والوصاية، وإنما بصناعة محتوى ذكي، بسيط، ممتع وذو قيمة، يتناسب مع واقع السودان وما تمر به البلاد.
ولتكن معركتنا ليست فقط ضد التفاهة، بل من أجل صناعة بديل أقوى وأكثر تأثيراً. فحينما نقدم للشباب ما يستحق المشاهدة، يصبح الاختيار أسهل.
نحتاج أن نملأ الفضاء بالمحتوى الذي يبني الوعي، لا أن نكتفي بالشكوى من المحتوى الذي يهدمه.
لابد أن نشير الي أن المؤثر الحقيقي ليس من يمتلك أكبر عدد من المتابعين. المؤثر الحقيقي هو من يقود الناس إلي أفضل مما كانوا عليه. ولذلك يجب علينا أن نعيد الاعتبار للمعلم، والباحث، والطبيب، والمبدع، والرياضي، وكل صاحب مبادرة ملهمة تفيد المجتمع.
قد تبدو معركة المحتوى التافه صغيرة أمام حجم الحرب، لكنها في جوهرها جزء من معركة أكبر: معركة استعادة الإنسان السوداني.
نحن بحاجة إلى سوداني يختلف ولكن دون أن يكره، وينتقد دون أن يهين أو يشتم، ويتحدث دون أن يحرض، ويبحث عن الشهرة من خلال القيمة لا من خلال الابتذال والإسفاف.
فالسودان الذي نريده بعد كل هذا الدمار لن يستمد عافيته من تعبيد الطرق وإعادة ترميم الأبنية والمؤسسات وحدها، بل سيتعافي حينما نرمم وعينا ونوقظ ضميرنا.
وبما أن كل متابعة هي تصويت، وكل مشاركة هي دعم، وكل نقرة تسهم في تحديد من يستحق أن يبقى في المشهد.
فلنسأل أنفسنا قبل كل تفاعل:
هل نحن نصنع وعياً جديداً.. أم نمنح التفاهة فرصة أخرى لسرقة وعينا؟