آراء ومقالات

الدولة فوق الجميع.. والانتماء عقيدة بقلم / أسامة الصادق أبو مهند

الدولة فوق الجميع.. والانتماء عقيدة بقلم / أسامة الصادق أبو مهند

الدولة فوق الجميع.. والانتماء عقيدة

بقلم / أسامة الصادق أبو مهند

لقد آن الأوان لأن نقولها بملء الفم وبوضوح لا لبس فيه، أن الدولة هي الكيان الأسمى الذي يعلو ولا يُعلى عليه وأن هيبتها خط أحمر، وسيادتها غير قابلة للمساومة أو المزايدة أو الابتزاز.
فالدولة ليست شعاراً نرفعه عند الحاجة، وليست كياناً هلامياً نستدعيه عند المصلحة، إنها عقد اجتماعي مقدس، ونظام محكم، وبنيان شامخ لا يستقيم إلا إذا عرف كل ذي دور دوره، ووقف كل صاحب سلطة عند حدود سلطته، والتزم كل جهاز بمهامه واختصاصاته التي رسمها القانون وحددتها النظم واللوائح.
إن ترسيخ منظومة العمل المتكامل وتجويد الأداء المؤسسي هو السبيل الأوحد لبلوغ الدولة مراتب القوة والمنعة، فلا استقامة لأمر الدولة إلا بتكامل أدوارها وتناغم مؤسساتها وانسجام سلطاتها في إطار من التخصص الدقيق والتنسيق الرشيد، حيث تؤدي كل مؤسسة واجبها المنوط بها دون تمدد أو تغول، في ظل ميزان العدالة الذي لا يميل، وسيادة القانون الذي يسري على الجميع بلا استثناء، فلا أحد فوق الدولة، ولا كيان أكبر من الوطن، ولا يجوز لأحد أن يتكسب باسم الدولة أو يتاجر بشعار الوطن.
وعندما نكثر الحديث عن الولاء، فإننا في حقيقة الأمر نخلط بين مفهومين لا بد من فصلهما بوعي عميق ..
فالولاء بمعناه المطلق والمجرد هو لله وحده جل في علاه، ولاء حي خالص لا يشاركه فيه أحد، ولا يملك كائن من كان أن يمنحه أو يمنعه أو يفسره أو يشرعه، فتلك مسألة محسومة عقدياً ولا جدال فيها.
أما ما يجب أن نتحدث عنه ونتمسك به ونغرسه في نفوس الأجيال فهو الانتماء، الانتماء الخالص الصادق للوطن .. أرضاً وتاريخاً وإنساناً ونظاماً.
فالإنتماء هو الذي تعارفت عليه كل أمم الأرض واصطلحت على تسميته بالسيادة الوطنية بأركانها الثلاثة الخالدة: الأرض، والشعب، والنظام الحاكم لها بالقيم والعدل.
فإذا استقام هذا الفهم في أذهاننا، وإذا صححنا هذا المفهوم في وعينا، فإن الانتماء يصبح تلقائياً وفطرياً لهذا الوطن الذي نستمد منه وجودنا وهويتنا وكرامتنا، قيادة وشعباً ونظاماً.
وليست التحديات التي تعصف بالأوطان دليل وهن أو علامة انكسار، بل هي برهان ساطع على أن الوطن حي نابض، يتحرك في مواجهة العواصف، ويتفاعل مع المتغيرات، ويصارع من أجل البقاء والنماء.
والسودان اليوم وهو يقف في مفترق طرق تاريخي وفاصل استثنائي من تاريخه المجيد، لا يواجه مجرد تحولات إقليمية عابرة، بل يواجه مشروعاً وجودياً يستهدف الإنسان السوداني في هويته وأرضه وكرامته، مشروع تقوده مليشيا آل دقلو الإرهابية ومن شايعها ومن ناصرها ومن تواطأ معها لتفتيت وحدة هذا الوطن وتمزيق نسيجه.
إن الخطر الحقيقي الذي يتهددنا في هذه اللحظة الفارقة ليس في بندقية العدو وحدها، بل في معركة الوعي، في حالة التشويش المقصود التي تضرب العقول حين تتكاثر الأبواق وتتضارب الرسائل ويختلط الحابل بالنابل، فلا يعود المواطن قادراً على التمييز بين من ينتقد ليصلح ومن ينتقد ليهدم، بين من يراجع ليبني ومن يراجع ليشعل الفوضى.
فالوطن ليس مجرد حدود مرسومة على خريطة، الوطن مشروع حضاري متكامل، والمشروع الحضاري يحتاج إلى نقد بناء، ومراجعة شجاعة، وحوار حر مسؤول، حوار لا يعرف التجريح ولا التخوين ولا المزايدة الرخيصة.
والدولة القوية بحق هي التي تصغي بعناية، وتحلل بحكمة، وتستثمر النقد البناء وتفتح صدرها وقلبها لأصوات العقلاء والمصلحين الذين يريدون تقويم الاعوجاج لا هدم البنيان.
وما يحسب للسودان في هذا الظرف الدقيق أنه يمضي في مسارين متوازيين بثبات يحسد عليه، المسار الأول هو حماية أمنه القومي وصون وحدته في وجه مؤامرة داخلية خسيسة تحاول النيل من تماسكه، وتقلبات إقليمية شديدة التعقيد، والمسار الثاني هو معركة البناء والتعمير، فتح ملفات إعادة ما دمرته الحرب الغادرة في الصحة والتعليم والخدمات والبنى التحتية، وحتى الوعي الثقافي والوطني بات اليوم في أمس الحاجة إلى استنهاض شامل وإيقاظ لروح الأمة في هذا المنعطف المفصلي.
وإذا كنا جادين حقاً في حماية وطننا وبناء إنساننا، فعلينا أن نؤمن إيماناً راسخاً بأن قوة الدولة تبدأ من احترام عقل مواطنها، وأن الأمن لا ينفصل عن الكرامة، وأن التنمية لا تكتمل إلا بالعدالة، وأن الحوار الوطني لا يمكن أن يعوضه الصمت أو التلقين أو الإقصاء.
إن الوطن ماض إلى الأمام شاء من شاء وأبى من أبى، وقدرنا نحن أن نكون معه، لا خلفه مترددين، ولا ضده متآمرين، بل إلى جواره، كتف بكتف، نحمله بقلوبنا وعقولنا وإرادتنا الوطنية التي لا تلين.
فالحلم بوطن قوي آمن ومستقر لا يبقى حبيس الخيال والأمنيات، الإيمان بالوطن هو أن نعيش فيه قبل أن نسكنه، أن نحمله فكرة وعقيدة وسلوكاً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى