آراء ومقالات

القضية أبقى من التنظيم لماذا تنفصل بعض الحركات المطلبية عن قواعدها، ولماذا لا يُبطل ذلك عدالة المظلمة؟ بقلم: حسين تبري

القضية أبقى من التنظيم لماذا تنفصل بعض الحركات المطلبية عن قواعدها، ولماذا لا يُبطل ذلك عدالة المظلمة؟ بقلم: حسين تبري

القضية أبقى من التنظيم

لماذا تنفصل بعض الحركات المطلبية عن قواعدها، ولماذا لا يُبطل ذلك عدالة المظلمة؟

بقلم: حسين تبري

تبدأ بعض الحركات المطلبية من مظالم واضحة في التعبير عن مناطق تعاني ضعف الخدمات وفرص التنمية ومجتمعات تجد نفسها بعيدة عن مراكز اتخاذ القرار وثروات تُستخرج من أطراف البلاد بينما تظل آثارها محدودة على حياة السكان وعندما تعجز الوسائل السياسية عن تغيير هذا الواقع، قد يتجه أصحاب المطالب إلى تنظيم أنفسهم وقد يصل الأمر إلى حمل السلاح.
لكن المفارقة تظهر عندما تنجح القيادة في الوصول إلى طاولة السلطة ثم تتسع المسافة بينها وبين الذين منحتها مظالمهم شرعية التحدث باسمهم.

في مثل هذه الحالات يميل الخطاب السياسي إلى حكمين متعاكسين يرى أحدهما أن انحراف القيادة دليل على بطلان القضية التي رفعتها، بينما يتعامل الآخر مع عدالة القضية كأنها تمنح القيادة حصانة من النقد وكلاهما يخلط بين الحق الذي يطالب به الناس والتنظيم الذي يتبنى المطالبة به والأشخاص الذين يتولون قيادته لكن فساد الممثل لا يبطل المظلمة كما أن عدالة المظلمة لا تجعل الممثل فوق المساءلة فالقضية قد تظل مشروعة حتى عندما يعجز التنظيم عن تحقيقها أو تتحول قيادته إلى طرف تحكمه مصالح لم تعد متطابقة مع مصالح قاعدته.

لفهم هذه المفارقة ينبغي النظر إلى الحركات المطلبية باعتبارها تنظيمات تنشأ داخل واقع اجتماعي وسياسي محدد وتتأثر بالتناقضات التي تسعى إلى تغييرها ففي السودان لم ينشأ التفاوت بين المناطق من اختلاف الموارد الطبيعية وحده، بل ارتبط تاريخياً بكيفية توزيع السلطة والاستثمار والخدمات وبقدرة جماعات ومراكز نفوذ على التأثير في أولويات الدولة وقد أسهم تمركز مؤسسات الحكم والفرص الاقتصادية في أجزاء من البلاد مقابل ضعف الاستثمار والخدمات في مناطق أخرى في تعميق الشعور بالتهميش وإضعاف الثقة في عدالة الدولة.

وفي اقتصاد يعتمد بدرجات متفاوتة على استخراج الموارد وتوزيع عائداتها عبر مؤسسات السلطة وشبكات النفوذ، لا تتعلق المشكلة بحجم الثروة وحده بل بمن يقرر كيفية استخدامها وبمن يستفيد منها وبمدى خضوع القرارات للرقابة العامة وحين يشعر سكان منطقة ما بأن أرضهم ومواردهم لا تنعكس على أمنهم وخدماتهم وفرص أبنائهم تصبح المطالب التنموية والسياسية جزءاً من نزاع أوسع على المشاركة في إدارة الدولة وتوزيع مواردها و غير أن الحركة التي تنشأ لمقاومة هذا الاختلال قد تعيد إنتاج بعض أنماطه داخلها إذا تركز القرار في دائرة ضيقة (شلليه) تتيح للقيادة الإفلات عن الرقابة التي يفترض أن يمارسها أصحاب القضية.

هنا تبرز أهمية ما طرحه عالم الاجتماع روبرت ميشيلز بشأن ميل التنظيمات السياسية إلى تركيز السلطة في أيدي نخبة قيادية فالتنظيم يحتاج إلى أشخاص يتفرغون للإدارة والتفاوض وتنسيق العمل لكن هذا التخصص يمنحهم بمرور الوقت، معرفة ومعلومات وقنوات اتصال لا تتوافر بالقدر نفسه لبقية الأعضاء وقد تتحول هذه الأفضلية إلى سلطة يصعب تحديها خصوصاً عندما تضعف المؤسسات الداخلية وتصبح القرارات الكبرى حكراً على القيادة، بينما يقتصر دور القاعدة على التأييد أو التعبئة.

لا يعني ذلك أن كل حركة مطلبية محكومة بالانتهاء إلى احتكار القرار، وإنما أن غياب الضوابط يجعل هذا الاحتمال أكثر حضوراً فالقيادة التي تبدأ مفوضةً للدفاع عن مطالب محددة قد تصبح لاحقاً صاحبة سلطة في تحديد تلك المطالب وتفسير ما تحقق منها، والتفاوض بشأن ما تبقى، من دون أن يمتلك أصحاب المصلحة وسائل فعالة لمراجعة قراراتها وعندما تجتمع سلطة تحديد المطالب والتفاوض عليها وتقييم نتائجها في يد الجهة نفسها، يصبح من الصعب التمييز بين ما يخدم القضية وما يحافظ على مصالح التنظيم وقيادته.

وتزداد هذه المعضلة تعقيداً عندما تنتقل الحركة من المعارضة إلى التفاوض مع الدولة أو المشاركة في مؤسساتها فالتفاوض ليس خيانة في ذاته، والمشاركة في السلطة قد تتيح انتزاع اعتراف بحقوق ظلت منكرة أو وقف العنف أو فتح الطريق أمام إعادة الإعمار والمشاركة السياسية لكن التسوية تفقد جزءاً من قيمتها عندما تصبح المناصب التي يحصل عليها المفاوضون بديلاً عن الحقوق التي يفترض أن تعود إلى المجتمعات التي يمثلونها وقد تتغير الوجوه التي تشغل المواقع الرسمية من دون أن تتغير آليات توزيع الموارد أو تحديد الأولويات، فيجد المواطن نفسه أمام نخبة جديدة داخل البنية القديمة.

وهنا تساعد أفكار فرانز فانون في نقده للبرجوازية الوطنية في كتابه «معذبو الأرض»، على فهم احتمال أن تتحول النخبة التي تتولى القيادة بعد التحرر إلى وسيط يستفيد من موقعه الجديد بدلاً من إعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع على أسس أكثر عدلاً ولا يعني استحضار فانون أن التجربة السودانية تطابق الحالات التي تناولها، بل إن تحليله يلفت النظر إلى فارق جوهري بين تغيير الأشخاص الذين يشغلون مواقع السلطة وتغيير القواعد التي تحدد من يملكها وكيف يستخدمها ولصالح من.

وتوفر التجارب السودانية مجالاً مهماً لفحص هذا الفارق فالاتفاقات التي شهدتها البلاد من أبوجا إلى الدوحة وجوبا نشأت في سياقات مختلفة وتضمنت ترتيبات والتزامات متباينة ولذلك لا يصح التعامل معها باعتبارها تجربة واحدة أو دليلاً جاهزاً على نجاح الحركات أو فشلها إنما تكمن أهمية دراستها في مقارنة ما نصت عليه من التزامات بما نُفذ منها ومدى انعكاس ذلك على الأمن وعودة النازحين والتعويض والخدمات والمشاركة في الحكم كما ينبغي التمييز بين إخفاقات ترتبط بتصميم الاتفاقات وأخرى تتصل بضعف التنفيذ أو استمرار الصراع أو تعارض مصالح الأطراف فالحكم على تجربة سياسية لا يستقيم بمجرد النظر إلى المناصب التي حصل عليها الموقعون، ولا بمجال رد الاستشهاد بالوعود التي لم تتحقق بل يحتاج إلى تتبع القرارات والموارد والنتائج والمسؤوليات.

وتساعد هذه المقاربة أيضاً على تجاوز اختزال المجتمعات المتأثرة بالنزاع في كتلة واحدة فالنازحون قد يضعون الأمن والعودة والتعويض في مقدمة أولوياتهم، بينما ترتبط مطالب المزارعين والرعاة بالأرض وسبل العيش وينظر الشباب والنساء إلى المشاركة والحماية والتعليم والعمل بوصفها جوانب أساسية من مستقبلهم وقد تتقاطع هذه المطالب، لكنها لا تتطابق بالضرورة في كل التفاصيل ومن ثم فإن ادعاء تمثيل مجتمع كامل لا يستمد شرعيته من التاريخ النضالي وحده أو من القدرة على حمل السلاح أو من الحضور في المفاوضات بل يحتاج إلى تشاور حقيقي وآليات تسمح بتعدد الأصوات ومراجعة القرارات.

وهنا يظهر الفرق بين عدالة القضية وشرعية التمثيل فقد تكون المطالب عادلة لكن الجهة التي تتبناها لا تصبح الممثل الوحيد لها إلى الأبد فالشرعية ليست ملكية دائمة تمنحها تضحيات الماضي وإنما علاقة تتجدد بقدر استجابة القيادة لمطالب من تمثلهم وشفافية قراراتها وقبولها بالمحاسبة وإذا فقد تنظيم ثقة قطاعات من قاعدته، فإن حقوق تلك القطاعات لا تسقط معه بل تظل قائمة ويظل لأصحابها الحق في إصلاح التنظيم أو إنشاء قنوات أخرى للتعبير عن مصالحهم.

وقد تستفيد السلطة بدورها من هذا الخلل عبر استيعاب بعض خصومها في مؤسساتها ومنحهم مواقع أو موارد تجعل مصالحهم الجديدة أقل ارتباطاً بمطالب قواعدهم الأصلية ولا يعني ذلك أن كل مشاركة في السلطة عملية احتواء إذ قد تكون المشاركة جزءاً مشروعاً من تسوية سياسية ضرورية لكن الفارق يظهر في شروطها ونتائجها هل تؤدي إلى توسيع المشاركة وتغيير السياسات أم تكتفي بإضافة ممثلين جدد إلى دوائر النفوذ؟ وهل يحتفظ أصحاب المطالب بحق معرفة ما يجري ومراجعة ممثليهم أم تتحول التسوية إلى علاقة مغلقة بين أطراف تتحدث باسمهم من دون مساءلة فعالة؟

لهذا لا تكفي الدعوة إلى قيادة أكثر نزاهة مهما كانت النزاهة ضرورية فالمشكلة تتصل أيضاً بالقواعد التي توزع السلطة داخل التنظيم وتحدد العلاقة بين القيادة والقاعدة وتحتاج المعالجة إلى شفافية في إدارة الموارد والاتفاقات، وإجراءات واضحة لتجديد التفويض ومشاركة فعلية للفئات المتأثرة بالقرارات وآليات مستقلة لمراجعة الأداء ومساحة آمنة للاعتراض والنقد كما ينبغي ربط المساءلة بنتائج يمكن فحصها ما الذي تحقق في الأمن والخدمات والعودة والتعويض؟ وما الذي تعثر؟ ومن يملك المعلومات اللازمة لتفسير الفجوة بين الالتزامات والواقع؟

بهذا تنتقل المحاسبة من الحكم على النيات والشعارات إلى فحص القرارات وآثارها فلا يكون السؤال الوحيد ما إذا كانت القيادة ما تزال وفية للقضية بل ما إذا كانت قد حافظت على حقوق أصحابها وما إذا كانوا يملكون الوسائل التي تمكنهم من تصحيح مسارها عندما تنحرف عنه.

في النهاية، لا تكمن المشكلة في أن بعض القيادات قد تبتعد عن مطالب الذين أوصلوها إلى مواقع النفوذ فحسب بل في أن التنظيم قد يتحول إلى صاحب سلطة على القضية التي نشأ لخدمتها وعندما تغيب آليات المراجعة، تصبح تضحيات الماضي رصيداً تستند إليه القيادة لتبرير استمرارها بدلاً من أن تكون أساساً لالتزام متجدد تجاه أصحاب المظلمة.

فالأرض التي حُرمت من التنمية لا تستعيد حقها بمجرد تغيير من يجلس في مقعد السلطة والمجتمع الذي دفع ثمن النزاع لا يسترد صوته بمجرد أن يتحدث باسمه شخص جديد إن استعادة الحقوق تتطلب أن يظل أصحابها قادرين على تحديد مطالبهم ومراقبة من يمثلهم ومحاسبته إذا حوّل التفويض إلى امتياز دائم فالقضية العادلة لا يحميها إعلان الولاء لها وإنما تحميها المؤسسات التي تمنع احتكارها وتضمن أن يظل القرار متصلاً بمصالح الناس الذين نشأت من أجلهم.

https://www.facebook.com/share/19Gniue8Rq/?mibextid=wwXIfr

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى