الأخبار

​نحو بناء الدولة الحديثة في الصومال: قراءة نقدية في البنية الاجتماعية ونظام المحاصصة (4.5) — بقلم/ محمود محمد محمود جمالي، رئيس حزب الرفاه الصومالي.

​يُعرف المجتمع بأنه تجمع عدد من البشر ذوي الولاءات والمعتقدات المختلفة في بيئة معينة أو بلد ما، ويشير إلى مجموعة من الناس يعيشون معاً بشكل منظم وتحت حكم منظم.
​يُعتبر المجتمع الصومالي مجتمعاً واحداً بناءً على الدراسات السابقة التي أُجريت حول الهوية الصومالية. فبعد إجراء دراسة اجتماعية على السلوك الصومالي، وجد أن السمات الشخصية في السلوك البشري متطابقة في الشخصية الصومالية من أقصى البلاد إلى أقصى طرافها. وهي تجمعات قبلية تحالفت حول مصالح مشتركة في الاستقرار والترحال. لذلك، زعم بعض الباحثين السابقين أن الصوماليين هم مجتمع رعوي فقط، وهذا غير صحيح؛ فهناك مجموعات مختلفة من أصحاب الحرف والمهن ممن يتقنون الزراعة، الصيد، التجارة، والحدادة، حيث تسود فيهم روح التمدن البشري والتعايش وقبول الآخر، وتتوزع أدوارهم في استضافة وفود الرعاة أثناء موسم الجفاف. لكن في الفترات اللاحقة، طغت الطبيعة الرعوية على طبائع المجموعات الأخرى حتى تمكنت من تصدر القيادة والإمساك بزمام الأمور والانفرد بحكم رعاة الغنم.
​الخلفية التاريخية لنظام المحاصصة القبلية (4.5):
يعود تاريخ السياسة والاستقلال الصومالي إلى ما بعد عام 1960. فبعد استقلال شمال الصومال في 26 يونيو عن الاستعمار البريطاني واستقلال الجنوب عن الاستعمار الإيطالي في 1 يوليو من العام نفسه، وُلدت الجمهورية الصومالية واتحد الشطران الشمالي والجنوبي بانتخاب آدم عبد الله أول رئيس للصومال. وشهدت تلك المرحلة تطوراً تدريجياً نحو الديمقراطية عبر انتخابات سياسية نزيهة تشكلت خلالها أكثر من 100 حزب سياسي، ثم انخفض عددها ليكون التنافس سياسياً وليس قبلياً.
​كانت هذه الأحزاب ترتدي رداء الوطنية بينما تخفي تحتها قمصان القبلية، لا سيما تلك القبائل التي غلب عليها طابع الجفاف البدوي والترحال. ولم تشهد البلاد أي نشاط سياسي حقيقي باستثناء بعض الممالك الصغيرة على شكل سلاطين وأمراء يتحكمون في المدن القديمة، وخاصة المدن الساحلية مثل مقديشو، مركا، زيلع، وبوصاصو، التي اتسم أهلها بالسلام والانسجام وقبول الآخر.
​لم تشهد الصومال طوال تاريخها انتخابات نزيهة وحقيقية تُنهي النزاعات القبلية المتجذرة في المجتمع الصومالي، وخاصة بين الرعاة. وقد أُجري أول نظام انتخابي في الصومال عام 1956 بنكهة قبلية، حيث وُزعت المناصب والدوائر السياسية توزيعاً غير عادل. ويظهر جلياً في جدول التوزيع الانتخابي ذلك الظلم الاجتماعي؛ حيث سجلت مقديشو 14,252 صوتاً لمقعد واحد، بينما سجل أهالي بورحابا 3,204 أصوات لخمسة مقاعد، والسبب سياسي بحت يتمثل في استبعاد النخبة المثقفة عن السياسة، نظراً لأن أهالي بورحابا مجتمع زراعي مسالم بطبيعته.
​وفي وقت لاحق، شهد المشهد السياسي في الصومال توترات ذات أسس قبلية بحتة ومغلفة بأيديولوجيات سياسية، استهدفت قمع المجموعات غير المسلحة التي تسودها طبيعة السلام والهدوء النفسي، إلى أن أُطاحت الديمقراطية بانقلاب عسكري قاده اللواء محمد سياد بري -رحمه الله-. ونتيجة لتغيرات محلية وإقليمية، أصبحت الصومال لاعباً سياسياً رئيسياً في السياسات الإقليمية والاستراتيجية للقرن الإفريقي وإفريقيا عموماً، بعد تبني وتصدير النهج الشيوعي الذي حول الرؤية الوطنية للنظام السابق نحو تضييق نطاق المصالح القبلية. وأدى ذلك إلى انتفاض قبائل أخرى وتحالفها مع الدولة الإثيوبية (العدو اللدود للصومال في ذلك الوقت) للإطاحة بالنظام عام 1991، لتغرق البلاد في أتون صاعات دموية مستمرة حتى يومنا هذا.
​وكانت جبهات المعارضة المسلحة تُمثلها القبائل الأربع الكبرى التي تحتكر الحصص السياسية حتى اليوم:
​جبهة (SNM) الخاصة بقبيلة إسحاق في صوماليلاند حالياً.
​جبهة (SSDF) الخاصة بقبيلة ماجرتين في بونتلاند حالياً.
​جبهة (USC) الخاصة بقبيلة هـاوي في جنوب ووسط الصومال.
​جبهة (SDM) الخاصة بقبيلة رهنويين في جنوب غرب الصومال.
​وأخيراً، انقسمت هذه الجبهات إلى فصائل تقتتل فيما بينها، مما أدخل البلاد في مرحلة حرجة عجزت عن التوصل لأي تسوية سياسية، وباتت كل فصيل يحكم قراه ومناطقه بقوة السلاح (فوهة البندقية).
​في ظل هذه الموجات التي طغى عليها الطابع البدوي، نجت جميع القبائل غير المسلحة التي تسودها القيم الإنسانية، واختارت إدارة حياتها بالمهن والحرف التي تتقنها، بينما اختار بعضها الفرار واللجوء للخارج. وأصبحت هذه الفئة من المجتمع بمنأى عن الصراعات حتى أصبحت معروفة للعالم، لكن المجموعات المسلحة تغلبت عليها بعد أن فرضت “شريعة الغابة” على المشهد الصومالي.
​ومع استمرار هذه المرحلة الصعبة، أدرك المجتمع الدولي خطورة التفكك الاجتماعي الصومالي، فعقدت الأمم المتحدة جولات سياسية عديدة ومؤتمرات مصالحة بين الصوماليين لإنقاذ الوطن من المأزق. غير أن كل تلك الجهود باءت بالفشل حتى تم تبني سياسة تجمع كافة العشائر الصومالية لضمان مشاركة كل عشيرة في السياسة، وهو ما يُعرف اليوم بـ “المحاصصة القبلية 4.5”.
​من أين جاءت هذه النسَب (المحاصصة)؟
تنتمي القبائل الأربع إلى الفصائل المسلحة التي خاضت حروباً طاحنة أدت إلى تمزيق النسيج الاجتماعي الصومالي بفوهة البندقية وقادت جميع الجبهات المسلحة. في المقابل، تُمثل الفئة الكبرى الأخرى “ربيع” القلب الصومالي؛ وهم المهنيون، الحرفيون، الدعاة، العلماء، أصحاب السلاطين والحضارة، ومعظمهم مدنيون غير مسلحين وليسوا من البدو الرحل المسلحين الذين يسود فيهم طابع العنف. لقد تعرضت هذه الفئة للتهميش السياسي وإقصائها من صنع القرار والمناصب، على الرغم من الجهود التي بذلتها بعض الحكومات لتحقيق تسوية سياسية بين القبائل.
​جاءت نسب المحاصصة بناءً على القوة المسلحة وليس بناءً على الكفاءة السياسية، العلمية، المهنية، أو الكثرة العددية، وهو ما جعل الصومال يسن قانوناً لا يختلف عن شريعة الغابة.
​تضمن الصومال التمثيل السياسي في البرلمان لجميع العشائر الصومالية وفق توزيع (4.5):
​قبيلة هاوي: 61 مقعداً.
​قبيلة دارود: 61 مقعداً.
​قبيلة دير: 61 مقعداً.
​قبيلة ديجيل ميريفل: 61 مقعداً.
​مجتمع القبائل الصومالية الأقلية: 31 مقعداً.
(إجمالي مقاعد البرلمان القبلي)
​شخصية رئيس حزب الرفاه الصومالي:
محمود محمد محمود جمالي هو شخصية سياسية واجتماعية، ومستشار سابق بمكتب رئيس الوزراء الصومالي الأسبق. له بصمات اجتماعية بارزة تجاه الجالية الصومالية في بريطانيا. وهو ينتمي إلى مجتمع القبائل الصومالية الأقلية في الصومال، تلك القبائل التي جلب آباؤها الإسلام إلى الصومال قبل قرون ولها إسهامات ثقافية في احتواء الشتات الصومالي ببريطانيا بحكمة ورجاحة عقل ودون اللجوء إلى العنف.
​تُعد العشائر الصومالية المستضعفة من الأوساط التي تتمتع بسمعة أخلاقية وسلوك اجتماعي قائم على السلام والانسجام ورفض العنف وتحقيق المساواة بين المواطنين، حيث عملت تاريخياً كمرجعية قضائية للفصل بين المتنازعين وإحقاق الحق لمستحقيه.
​إن توجه الصومال نحو الديمقراطية السياسية وإرساء سياسة تساوي بين جميع القبائل الصومالية دون إقصاء والوقوف بجانب الفئات المهمشة بات ضرورة ملحة. والصومال اليوم لا يحتاج إلى القمصان القبلية الاستبدادية التي تسعى بعض القبائل المسلحة من خلالها للوصول إلى السلطة. فالواقع الصومالي يختلف عن سابقه، وأصبح هذا التغيير السياسي ضرورياً لتوجيه السياسة الصومالية نحو التحضر والحداثة بأسس ديمقراطية حديثة، تتبنى خلفية أيديولوجية وطنية تجمع ولا تفرق.
​يأمل رئيس حزب الرفاه الصومالي والمرشح الرئاسي لعام 2021 بولادة ربيع جديد للسياسة الصومالية، تُجرى فيه الانتخابات لأول مرة في الصومال عبر صناديق الاقتراع الحرة وبأغلبية أصوات الشعب الصومالي. وهذا يستدعي من المجتمع الدولي والدول المؤثرة في المشهد السياسي الصومالي الوقوف إلى جانب تلك الفئات التي تعرضت للتهميش طيلة العقود الماضية، مما سيخطو بالصومال خطوة نحو الاستقرار والتنمية بعد فشل كافة المبادرات السياسية السابقة التي انحازت لأطراف السلطة عبر الفترات المتعاقبة. ولذا، نأمل دعمكم لنجاح هذه المهمة التاريخية.
​مع خالص التحيات،
محمود محمد محمود جمالي
رئيس حزب الرفاه الصومالي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى