كلمة أفرابيا برس: كيف تحول وعد “الحرية والتغيير” إلى حرب إبادة.. نموذج مثالي لانتحار الثورة في أصداء فلسفة ديل نوتشي

في ربيع 2019، بدا السودان على أعتاب ولادة جديدة. ثورة شعبية هائلة أطاحت بعمر البشير بعد 30 عاماً من الحكم الحديدي، وبدا أن حلم الحرية في متناول اليد. لكن بعد أربع سنوات، تحولت الخرطوم إلى ساحة حرب، وانقلب حلم الثورة إلى كابوس دموي. هذا المسار المأساوي، من الانتفاضة إلى الانتحار السياسي، يجد صدى مذهلاً في فلسفة أوغوستو ديل نوتشي عن “انتحار الثورة”.
◄ الثورة بين الهدم والتأسيس
يرى ديل نوتشي أن الثورة الحقيقية تمر بمرحلتين: الهدم (تخريب القديم) ثم التأسيس (بناء الجديد). المشكلة حين ينفصل الهدم عن التأسيس، فيكتمل التخريب ويتبدد وعد العالم الجديد. هذا هو بالضبط ما حدث في السودان.
تمت مرحلة الهدم باقتدار: أطاحت الثورة بالبشير في 11 أبريل 2019، ورفضت الاحتجاجات الشعبية أي حل عسكري منفرد، وفرضت شراكة مع العسكر عبر “وثيقة دستورية” نصت على فترة انتقالية 4 سنوات. لكن مرحلة التأسيس، بناء الدولة والديمقراطية، لم تكتمل أبداً.
◄ قوى “الحرية والتغيير”.. ثوار في المعارضة، فاشلون في الحكم
كان تحالف “قوى إعلان الحرية والتغيير” قادراً على حشد الملايين ضد البشير، لكنه لم يمتلك برنامجاً واقعياً لإدارة الدولة. انصب اهتمامه على تقاسم السلطة مع العسكر، بينما ظلت قضايا الانتقال الحقيقي كالانتخابات وإعادة هيكلة المؤسسات مؤجلة.
وفقاً لديل نوتشي، حين تكتفي الثورة بالهدم وتهمل التأسيس، تتحول إلى عدمية تفرغ القيم، وشمولية تنتج سلطة جديدة مقنعة. هذا ما جسده تحالف “الحرية والتغيير”: ظل ثورياً في خطابه، لكنه تحول عملياً إلى شريك في إدارة الفشل، فعجز عن فرض سلطة مدنية كاملة، وتصدع داخلياً بسبب خلافات بين مكوناته.
◄ التقارب مع حميدتي.. الخطيئة التي أوصلت إلى الحرب
لكن أخطر فصول “انتحار الثورة” كان موقف “الحرية والتغيير” من قائد مليشيا الدعم السريع، محمد حمدان دقلو “حميدتي”. فبدلاً من تصفية المليشيات، منحته هذه القوى شرعية سياسية، وجعلته نائباً لرئيس مجلس السيادة، وسلّمته رئاسة اللجنة الاقتصادية، ووافقته على الاتفاق الإطاري في ديسمبر 2022.
يقول ديل نوتشي إن انتحار الثورة يتم “باكتمالها” لا بهزيمتها. هنا، اكتملت الثورة السودانية في شكلها الشكلي (إسقاط البشير) لكنها انتحرت بتحالفها مع من يهدد وجودها. حميدتي، الذي كان مجرد أداة في يد البشير، تحول بمساعدة “الحرية والتغيير” إلى لاعب رئيسي يملك جيشاً موازياً للجيش النظامي. هذا التقارب شجع حميدتي على التمرد، وأشعل فتيل الحرب في 15 أبريل 2023.
◄ الحرب: النتيجة الطبيعية للانتحار السياسي
اليوم، يدفع السودانيون ثمن هذا “الانتحار” بدمائهم. الحرب لم تكن صدفة، بل كانت نتيجة حتمية لسوء إدارة الفترة الانتقالية وانعدام الثقة بين المكونات السياسية. عندما تصبح الثورة مجرد مشروع لتقاسم السلطة، وعندما يُمنح قاتل المليشيا شرعية سياسية واقتصادية، يصبح انفجار الحرب مسألة وقت.
◄ قراءة في المرآة
كتاب ديل نوتشي ليس مجرد فلسفة غربية بعيدة، بل مرآة تعكس مأساة السودان. الثورة السودانية لم تسقط بسبب فشلها في إسقاط البشير، بل بسبب نجاحها في ذلك، ثم تحولها إلى آلة لتكريس فوضى جديدة. لقد انتحرت الثورة حين استبدلت حلم الدولة المدنية بشراكة مع العسكر، وحين فضلت المكاسب السياسية الضيقة على بناء مؤسسات الدولة، وحين صنعت من “حميدتي” نداً للدولة، متناسية أن الثوار الحقيقيين لا يصنعون طغاة جدداً.