العقل يعرف.. والقلب ينتظر د. ياسر محجوب الحسين
العقل يعرف.. والقلب ينتظر د. ياسر محجوب الحسين

العقل يعرف.. والقلب ينتظر
د. ياسر محجوب الحسين
بعيدا عن السياسة وصخبها الذي لا ينتهي، ثمة معارك أخرى أهدأ وأخطر. لا يسمع ضجيجها أحد، لكنها أشد وطأة على النفس وأعمق أثرا في الروح. إنها المعارك التي تدور في أعماق الإنسان بين عقل يعرف ما ينبغي فعله، وقلب يجد صعوبة بالغة في الامتثال له.
في التجربة العاطفية يبدو الأمر واضحا من الناحية العقلية: تمهل. لا تستبق الأحداث. لا تبن القصور على الاحتمالات. لا تعلق حياتك على باب لم تعرف بعد إن كان سيفتح. اترك للأيام فرصة أن تخفي ما تخفيه النفوس، واحتفظ لنفسك بمساحة من الحرية، ولا تغلق أبواب الحياة الأخرى انتظارا لباب واحد.
كل ذلك صحيح، وربما كان أقرب الطرق إلى الحكمة. لكن المشكلة أن القلب لا يقرأ نصائح العقل، أو يقرأها ثم يمضي في الاتجاه المعاكس، كأنما له منطقه الخاص الذي لا تنفذ إليه الحجج بسهولة.
فحين يلوح للإنسان، بعد سنوات من الوحدة، احتمال رفقة يأنس إليها، لا يرى في الأمر مجرد تعارف عابر أو إعجاب عابر. إنه يرى، في لحظة خاطفة، احتمال حياة مختلفة: أحاديث لا تنتهي عند حدود المجاملة، واهتماما متبادلا بتفاصيل الأيام، وشخصا يشاركه أفراحه الصغيرة وهمومه الثقيلة، ويجد عنده شيئا من السكينة التي افتقدها طويلا. ربما لا تكون الصورة مكتملة، وربما أضاف الأمل إلى ملامحها ما لم تكشف عنه التجربة بعد، لكن القلب حين يتعب من طول الانتظار قد يرى في الاحتمال حياة كاملة.
وهنا يبدأ المأزق.. تأتي ابتسامة عابرة، أو نظرة تبدو أكثر دفئا من المعتاد، أو مبادرة صغيرة لم تكن متوقعة، فيجد الإنسان نفسه يعيد المشهد في ذاكرته مرات. يتساءل: هل كان في تلك النظرة شيء يتجاوز المجاملة؟ هل كان ذلك الدفء عفويا أم يحمل معنى آخر؟ وهل التقط القلب إشارة حقيقية، أم أنه منح لحظة عادية المعنى الذي كان يتمنى أن يجدها فيه؟
والأشد إيلاما أن الإنسان قد يكون واعيا باحتمال أن تخدعه أمنياته، ومع ذلك يعجز عن إقناع نفسه بأن ما شعر به لا يستحق الالتفات. فهو لا يريد أن يسيء قراءة الآخر، لكنه لا يريد، في المقابل، أن يطفئ أملا ربما كان حقيقيا لمجرد الخوف من الخيبة.
ليس القلب ساذجا بالضرورة، كما أن العقل ليس دائما محايدا تماما. فالعقل قد يبالغ في التحذير حين يخشى الألم، والقلب قد يبالغ في التأويل حين يتوق إلى الأنس. وبين الخوف والرجاء تتسع المنطقة الرمادية، تلك التي لا تمنح الإنسان يقينا يطمئن إليه، ولا تسمح له بالانصراف مرتاح البال.
ولعل أصعب ما في الانتظار العاطفي أنه لا يستهلك الوقت وحده، بل يستولي على جزء من الحاضر. يمضي الإنسان في عمله، ويتحدث إلى الناس، ويؤدي واجباته، بينما يظل جانب منه مشدودا إلى احتمال لم يتضح. يريد أن يمضي في حياته، لكنه يخشى أن يكون المضي تفريطا في فرصة نادرة؛ ويريد أن يمنح العلاقة وقتها، لكنه يخشى أن يتحول الوقت إلى استنزاف طويل لمشاعره.
ومع ذلك، فليس الحل أن ينتصر العقل انتصارا كاملا فيقمع القلب، ولا أن يستأثر القلب بالقرار فيترك الإنسان اسيرا لأمنياته. الحكمة أن يتعلم المرء كيف يحمل مشاعره دون أن يجعلها تقوده إلى حيث لا يريد. أن يسمح لنفسه بالأمل من غير أن يحوله إلى يقين؛ وأن يفرح بلحظة جميلة من غير أن يحملها وعدا بالمستقبل؛ وأن يمنح الآخر فرصة حقيقية من غير أن يمنحه مفاتيح حياته كلها قبل أن يعرف إن كان مستعدا لمشاركته إياها.
فصدق المشاعر لا يضمن تبادلها، كما أن غموض البدايات لا يعني بالضرورة أن الأمل وهم. وليس مطلوبا من الإنسان أن يصبح أقل إحساسا كي يكون أكثر حكمة، بل أن يكون أرحم بنفسه، وأقل استعجالا للأجوبة، وأكثر قدرة على التمييز بين ما يشعر به وما يعرفه بالفعل.
بعيدا عن السياسة، إذن، تبقى هذه واحدة من أصعب معارك الإنسان مع نفسه: أن يعرف ما ينبغي فعله، ثم يكتشف أن المعرفة وحدها لا تكفي. فالعقل يستطيع أن يرسم الطريق، لكنه لا يستطيع أن يأمر القلب ألا يتعلق، أو أن يحدد له موعدا للكف عن الرجاء.
وربما كانت الحكمة الحقيقية ألا نطلب من القلب أن يصمت، بل أن نعلمه كيف يتكلم من دون أن يستولي على كل شيء؛ وألا نطلب منه أن يتخلى عن الأمل، بل أن نذكره بأن الحياة أوسع من احتمال واحد، وأن كرامة الإنسان لا تتوقف على أن تبادله كل نفس يحبها الشعور نفسه.
فما أصعب أن يكون المرء عاقلا بما يكفي ليرى المخاطر، ورقيقا بما يكفي ليتألم منها قبل أن تقع. وما أصدق تلك المفارقة التي تجعلنا، أحيانا، نعرف الطريق إلى الطمأنينة، ثم نعجز عن سلوكه، لأن القلب لا يزال واقففا عند نافذة الأمل، ينتظر أن تلوح له إشارة أخرى.
وربما كان هذا المأزق، بصورة محدودة، يشبه ما يحدث في السياسة. فليست المقاربة العاطفية تنطبق على السياسة تماما، إذ تختلف الدوافع والنتائج والمسؤوليات اختلافا جوهريا. لكنها تشبهها في جانب واحد: الصراع بين ما يعرفه العقل وما تدفع إليه النزوة. فالسياسي العاقل يدرك ما ينبغي فعله: يزن المصالح، يحسب العواقب، ويبتعد عن المغامرات التي تستنزف الأمة. غير أن الطموح الشخصي أو الانفعال اللحظي قد يدفعانه إلى قرارات يعرف في قرارة نفسه أنها غير حكيمة. وبين عقل يرى الطريق الطويل الصعب، ونزوة تبحث عن انتصار سريع، تتكرر المفارقة ذاتها: معرفة ما يجب، وعجز عن الالتزام به. وهكذا يعود الكاتب، رغم نفيه، إلى السياسة من بابها الخلفي، ليذكر بأن معركة العقل والنزوة ليست حكرا على القلوب.



