حين تتعانق الطبول والناي الثقافة بوابة السلام بقلم/ نوراني محمد عبدالرحمن
حين تتعانق الطبول والناي الثقافة بوابة السلام بقلم/ نوراني محمد عبدالرحمن

حين تتعانق الطبول والناي الثقافة بوابة السلام
بقلم/ نوراني محمد عبدالرحمن
ليست الحروب رصاصًا وداناتٍ وخرابًا ماديًا فحسب؛ فالأشد خطورة هو ذلك الخراب الصامت الذي تتركه داخل النفوس، حين تهتز الثقة بين الناس، وتتسع مساحات الشك، وتعلو أصوات الكراهية، وتنكمش المشتركات التي ظلت تجمع المجتمعات لسنوات طويلة.
ومن هنا، فإن الحديث عن التعافي الوطني والسلم الاجتماعي بعد الحرب لا يمكن اختزاله في إعادة إعمار الطرق والجسور والمباني. فقبل إعمار الدور والجدران، هناك وجدان يحتاج إلى الإعمار، وعلاقات اجتماعية تحتاج إلى الترميم، وثقة ينبغي أن تعود بين الناس. وهنا تحديدًا يأتي دور الثقافة والفنون.
تمثل الثقافة بشقيها المادي والمعنوي مدخلًا أساسيًا لتعزيز السلم الاجتماعي، لأنها التعبير الأكثر صدقًا عن ذاكرة المجتمعات وهويتها ووجدانها.
والثقافة ليست مجرد غناء ورقص ومهرجانات، كما يتصور البعض، وإنما هي منظومة من القيم والعادات والتقاليد واللغات والآداب والفنون والموروثات التي تشكل شخصية المجتمع.
والسودان، بما يملكه من تنوع ثقافي هائل، يمتلك ثروة لا تقل قيمة عن موارده الطبيعية.
المشكلة لم تكن يومًا في تعدد ثقافاتنا، وإنما في فشل النخب في إدارة الثراء الثقافي. فالتنوع ليس مصدر ضعف، ولا ينبغي أن يتحول إلى متاريس ثقافية واجتماعية تفصل بين الناس؛ بل هو مصدر قوة متى ما أحسنا إدارته، وتحول من تنافس للهويات إلى تكامل بينها داخل هوية وطنية جامعة.
نحتاج إلى «سلم ثقافي»
حين نتحدث عن السلم الاجتماعي، ينبغي أن نتحدث بالتوازي عن السلم الثقافي.
فلا يمكن بناء مجتمع متصالح بينما يشعر بعض أبنائه بأن ثقافتهم مهمشة، أو لغاتهم غير محترمة، أو موروثاتهم أقل قيمة من موروثات الآخرين.
السلم الثقافي يعني أن نعترف ببعضنا بعضًا، وأن نحترم اختلافاتنا، وأن نتيح لكل مكونات المجتمع فرصة التعبير عن نفسها دون استعلاء أو إقصاء. فالاعتراف بالآخر ثقافيًا هو الخطوة الأولى نحو التصالح معه اجتماعيًا.
حين تعلو أصوات الطبول وتتداخل معها أنغام الناي، فإنها لا تقدم مجرد موسيقى؛ بل تعزف سمفونية للتلاقي تتجاوز القبيلة والجهة واللغة.
وحين تلتقي النقارة بالطمبور، وتتجاور الرقصات الشعبية، وتتعانق الأغنيات القادمة من الجبال والسهول والبوادي وضفاف النيل، فإن السودان الحقيقي يظهر أمامنا بكل ألوانه. ذلك السودان الذي لا يحتاج أحد فيه إلى إلغاء الآخر حتى يكون موجودًا.
الفن يستطيع الوصول إلى أماكن تعجز السياسة عن الوصول إليها. فالأغنية تستطيع أن تهدم جدارًا من الكراهية، والمسرح يستطيع أن يكشف سخافة التعصب، والشعر يستطيع أن يستعيد ذاكرة المحبة، والدراما تستطيع أن تصحح الصور النمطية التي صنعتها سنوات من الاستقطاب.
ما بعد الحرب.. معركة الوجدان
لقد خلفت الحرب جراحًا اجتماعية عميقة، ودفعت بخطاب الكراهية والتصنيف القبلي والجهوي إلى مساحات خطيرة.
وإذا انتهت أصوات البنادق يومًا، فإن معركة أخرى ستظل قائمة: معركة إعادة بناء الإنسان السوداني وعلاقته بأخيه السوداني.
وهذه المعركة لا تكسبها القرارات الرسمية وحدها، إنها تحتاج إلى الفنان والمسرحي والشاعر والكاتب والموسيقي والمثقف والرياضي والإدارة الأهلية والمرأة والشباب، جنبًا إلى جنب مع مؤسسات الدولة والمجتمع.
ولهذا ينبغي ألا تبقى الثقافة هامشًا في مشروعات التعافي الوطني، بل يجب أن تصبح أحد أعمدتها الأساسية.
نحتاج إلى مهرجانات للتنوع الثقافي، ومسارح جوالة تنتقل بين المدن والقرى، ومنتديات داخل الأحياء، وليالٍ للفنون الشعبية، ومعارض للتراث، ومشروعات ثقافية مشتركة تجمع المجتمعات التي فرقتها الحرب.
نحتاج إلى أن يعود الناس إلى الغناء معًا، والفرح معًا، والجلوس في مساحة واحدة مرة أخرى.
إعمار المعاني أولًا
قد نستطيع إعادة بناء منزل هدمته الحرب خلال أشهر، لكن إعادة بناء الثقة التي تهدمت بين إنسان وإنسان قد تحتاج سنوات.
لذلك فإن إعمار المعاني أولى وأهم من إعمار المباني. فما قيمة مدينة أعيد تشييد طرقها وجدرانها بينما يسكنها مجتمع ممزق بالخوف والكراهية؟
وما قيمة الجسور الخرسانية إذا ظلت الجسور الإنسانية مقطوعة؟
لهذا فإن مشروع إعادة إعمار السودان يجب ألا يكون مشروعًا هندسيًا فقط، بل مشروعًا إنسانيًا وثقافيًا وأخلاقيًا يعيد بناء الإنسان بالتوازي مع بناء المكان.
دعوا الفنون تتقدم
لقد آن الأوان أن نخرج الثقافة من مقاعد المتفرجين، وأن ندفع بها إلى مقدمة مشروع السلم الاجتماعي والتعافي الوطني.
دعوا المسارح تفتح أبوابها.
دعوا الشعراء يكتبون للمحبة.
دعوا الفنانين يغنون للسلام.
دعوا النقارة والطمبور والناي والطبول تلتقي في ساحات واحدة، ولنجعل من تنوعنا مناسبةً للفرح بدلًا من أن يتحول إلى ذريعة للصراع.
فالسودان لن يعبر جراح الحرب بإعادة بناء ما تهدم من جدران فقط، وإنما بإعادة اكتشاف السودانيين لبعضهم بعضًا.
وحين تضرب الطبول إيقاعاتها المختلفة، ويرد عليها الناي، وتلتقي ألحان الجبال والسهول والبوادي والنيل، سنكتشف حقيقة بسيطة غابت وسط قعقعة الحرب:
أن اختلاف الإيقاعات لا يصنع نشازًا بالضرورة، بل قد يصنع أجمل الألحان.
وتلك هي معركتنا القادمة؛ أن نصنع من تعددنا لحنًا وطنيًا واحدًا، ومن الثقافة جسرًا للمصالحة، ومن الفنون طريقًا للتعافي، ومن اختلافنا مصدرًا للقوة.
فحين تتعانق الطبول والناي… يبدأ الوطن في التصالح مع نفسه.



