آراء ومقالات

المعلم السوداني على حافة الرحيل.. وعودٌ تتكرر وتعليمٌ يدفع الثمن بقلم: علي محمد طاهر علام

المعلم السوداني على حافة الرحيل.. وعودٌ تتكرر وتعليمٌ يدفع الثمن بقلم: علي محمد طاهر علام

المعلم السوداني على حافة الرحيل.. وعودٌ تتكرر وتعليمٌ يدفع الثمن

بقلم: علي محمد طاهر علام

لم تعد قضية المعلم السوداني مجرد مطالبات بزيادة المرتبات أو صرف متأخرات مالية، بل أصبحت قضية تتصل بمستقبل التعليم العام، وقدرة الدولة على الاحتفاظ بالكوادر التي يحتاج إليها أي مشروع للتعافي وإعادة البناء. فحين يعجز المعلم عن توفير الحد الأدنى من احتياجات أسرته، يصبح الاستمرار في المهنة معركة يومية، وحين تتأخر الاستحقاقات وتتكرر الوعود دون تنفيذ، تتآكل الثقة في جدوى الانتظار.

المفارقة أن الحديث عن حقوق المعلمين وتحسين أوضاعهم يتجدد كلما اقترب موعد امتحانات الشهادة الثانوية، أو انطلقت أعمال التصحيح، أو إقترب العام الدراسي من بدايته. تصدر التصريحات، وتُعلن التوجيهات، وتُطلق الوعود بالإسراع في صرف المستحقات ومراجعة هيكل الأجور، ثم ينتهي الحدث، وتعود القضية إلى دائرة الانتظار. مما عزز لدى قطاعات كبيرة من المعلمين شعوراً بأن قضيتهم تحضر بقوة عندما تحتاج إليهم الدولة لإنجاز استحقاق تعليمي عاجل، ثم تتراجع الأولوية بعد انتهاء المهمة. وهذه فجوة لا تعالجها التصريحات، بقدر ما يردمها التنفيذ الفعلي والفوري للقرارات.

يواجه المعلمون اليوم أزمة معيشية تتجاوز حدود تأخر المرتبات. فتراجع قيمة الجنيه السوداني، والارتفاع المتواصل في أسعار السلع والخدمات، جعلا المرتبات الحالية عاجزة عن مواكبة أبسط متطلبات الحياة. وحتى إذا سُددت المتأخرات المستحقة عن الأعوام السابقة، فإن قيمتها الشرائية تكون قد تآكلت بفعل التضخم، ما يجعل تسويتها ضرورة، لكنها لا تمثل وحدها حلاً للأزمة.

المطلوب إذن مساران متلازمان: الوفاء بالحقوق المالية المتراكمة، وإصلاح هيكل الأجور بما يتناسب مع الواقع الاقتصادي الراهن. أما الاكتفاء بسداد المستحقات القديمة، دون معالجة الخلل في الراتب الأساسي والبدلات، فيعني أن المعلم قد يتلقى حقاً تأخر طويلاً في الحصول عليه، لكنه يظل عاجزاً عن مواجهة تكاليف معيشته اليومية.

وتزداد خطورة المشهد مع تعدد المطالبات وتنوع مساراتها. فالهيئة النقابية لعمال التعليم العام بولاية الخرطوم أعلنت، في بيانها الصادر في 6 أكتوبر 2026، وقف أعمال امتحانات الشهادة المتوسطة، بما فيها أعمال الكنترول والتصحيح، إلى حين الاستجابة لمطالب العاملين، وفي مقدمتها متأخرات المرتبات ومنح الأعياد والبدلات وتعديل الأجور.

وفي مسار آخر، دفعت لجنة المعلمين السودانيين بمذكرة تطالب برفع الحد الأدنى للأجور إلى 500 ألف جنيه، وإصلاح هيكل الرواتب، وانتظام صرف المرتبات، وتسوية الفروقات بين الولايات، مع إنصاف معلمي دارفور وكردفان.

هذه التحركات، على اختلاف الجهات التي تقودها، تعكس اتساع نطاق الأزمة، وتؤكد أن المسألة لم تعد مطلباً عابراً يمكن احتواؤه بوعود جديدة. إنها قضية حقوق واستقرار وظيفي ومستقبل مؤسسة التعليم العام.

أخطر ما في الأزمة ليس انخفاض دخل المعلم وحده، بل ما يترتب عليه من تغيرات في سوق العمل التعليمي. فقد اتجه بعض المعلمين إلى طلب إجازات دون مرتب، بينما غادر آخرون المهنة أو انتقلوا إلى مؤسسات التعليم الخاص بحثاً عن دخل أكثر قدرة على تلبية احتياجاتهم.

ومع تزايد طلبات الإجازات، برزت مخاوف لدى بعض الإدارات التعليمية من فقدان أعداد مؤثرة من المعلمين، وما قد يترتب على ذلك من نقص في الكوادر وتعطل الدراسة. وفي هذا السياق، جاء توجيه رئيس مجلس الوزراء بشأن عدم تعارض العودة إلى مواقع العمل مع الحقوق القانونية والإدارية للعاملين في الحصول على إجازاتهم المستحقة، ليؤكد أن هذه الحقوق لا يجوز تعطيلها لمجرد الحاجة إلى استمرار العمل.

لكن المشكلة أعمق من إجازة تُمنح أو طلب يُعطَّل. فالمعلم الذي يطلب إجازة دون مرتب قد لا يكون راغباً في مغادرة المدرسة بقدر ما يكون عاجزاً عن الاستمرار في ظل راتب لا يغطي احتياجاته. وإذا أصبح هذا الخيار واسع الانتشار، فإن الدولة قد تجد نفسها أمام أزمة نقص في المعلمين، تتجاوز آثارها حدود العام الدراسي الواحد. إن خسارة المعلم لا تعني فقدان موظف يمكن تعويضه بسهولة؛ فإعداد المعلم وتأهيله واكتسابه الخبرة داخل الفصل عملية تحتاج إلى وقت واستثمار. وقد تتمكن المدرسة من سد النقص مؤقتاً، لكن استعادة الكفاءة والخبرة بعد تسرب الكوادر ليست بالأمر الهين.

ثلاثة سيناريوهات.. والوقت ليس في صالح التعليم
أمام الجهات المسؤولة ثلاثة مسارات محتملة، تتحدد ملامحها بمدى جدية التعامل مع الأزمة.

السيناريو الأول: المعالجة الجادة والعاجلة.

وهو المسار الذي يبدأ بسداد المتأخرات والبدلات المستحقة وفق جدول زمني معلن، بالتزامن مع مراجعة هيكل الأجور، وتحسين المرتبات بما يتناسب مع الأوضاع الاقتصادية، وضمان انتظام صرفها. ويقتضي ذلك تحديد المسؤوليات، وتوفير الموارد، وإعلان ما نُفذ فعلياً بدلاً من الاكتفاء بتكرار الوعود. هذا المسار لا ينهي الأزمة دفعة واحدة، لكنه يعيد بناء الثقة، ويمنح المعلم سبباً عملياً للاستمرار، ويحد من تسرب الكفاءات.

السيناريو الثاني: اتساع الإجازات دون مرتب وهجرة المهنة.

إذا استمرت الأوضاع على حالها، فقد يتزايد اتجاه المعلمين إلى الإجازات غير مدفوعة الأجر أو مغادرة التعليم الحكومي إلى فرص أخرى. وعندها ستواجه المدارس نقصاً في الكوادر، ويتأثر بذلك استقرار العام الدراسي، خصوصاً في المناطق التي تعاني أصلاً من ضعف الإمكانات. وهنا تتحول الأزمة من مشكلة أجور إلى أزمة قدرة مؤسسية على توفير التعليم، وتصبح كلفة المعالجة لاحقاً أكبر من كلفة التدخل المبكر.

السيناريو الثالث: عودة الإضرابات واتساع المواجهة النقابية.

إذا استمرت المطالب دون استجابة عملية، وظلت الفجوة قائمة بين القرارات المعلنة والحقوق المنفذة، فقد تتجه التحركات النقابية إلى مزيد من التصعيد، بما في ذلك الإضرابات وتعليق بعض الأعمال التعليمية والامتحانية.
وقد بدأت مؤشرات هذا المسار بالفعل مع إعلان الهيئة النقابية بولاية الخرطوم وقف أعمال امتحانات الشهادة المتوسطة. واستمرار الأزمة دون تسوية جادة قد يوسع دائرة التعطيل، بما يضر بالطلاب وأسرهم والمعلمين والدولة معاً.

هذه السيناريوهات ليست نتائج حتمية، لكنها احتمالات تستدعي تحركاً مسؤولاً قبل أن تضيق مساحة الحلول المتاحة.

إن مسؤولية معالجة هذه الأزمة لا تقع على جهة واحدة. فالحكومة الاتحادية مطالبة بوضع سياسة عادلة ومستدامة للأجور، والوزارات والجهات المالية المختصة مطالبة بتحويل التوجيهات إلى إجراءات قابلة للتنفيذ، بينما تقع على حكومات الولايات مسؤولية معالجة المستحقات التي تدخل ضمن اختصاصاتها، بالتنسيق مع الجهات الاتحادية.

إن إنقاذ التعليم العام يبدأ من إنصاف المعلم، ولا يمكن الحديث عن استقرار العام الدراسي بينما يواجه من يقفون داخل الفصول عجزاً متزايداً عن توفير احتياجات أسرهم. وليس من الحكمة انتظار توقف العملية التعليمية حتى تتحرك المؤسسات، ولا ترك المعلمين بين خيار البقاء في ظروف لا تُحتمل أو مغادرة المهنة.

إن السؤال الذي ينبغي أن تواجهه الدولة اليوم ليس: كيف نضمن استمرار المعلمين في أداء واجبهم؟ بل: كيف نوفر لهم من الحقوق والظروف ما يجعل استمرارهم ممكناً وكريماً؟
وإذا كانت الدولة جادة في حماية التعليم العام، فإن اختبار هذه الجدية يبدأ الآن: بتنفيذ القرارات، وسداد الحقوق، وإصلاح الأجور. أما استمرار التأجيل، فقد يجعلها تواجه قريباً أزمة لا تتعلق بما يستحقه المعلم فحسب، بل بمن سيبقى داخل الفصل ليعلّم أبناء السودان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى