آراء ومقالات

الصادق إسماعيل علي يكتب.. نَكزة: التعليم في وضع أليم!

الصادق إسماعيل علي يكتب.. نَكزة: التعليم في وضع أليم!

الصادق إسماعيل علي يكتب..

نَكزة: التعليم في وضع أليم!

* من «لا تعليم في وضع أليم» إلى تعليمٍ أليم في وطنٍ جريح!
من المفارقات التي تستحق أن تُدرَّس في مناهج السخرية السياسية، أن ترفع ثورةٌ شعار «لا تعليم في وضع أليم»، ثم ينتهي التعليم في عهدها إلى وضعٍ لو رآه أصحاب الشعار لاستعانوا عليه بشعار آخر، وربما احتاجوا إلى ثورة جديدة لإنقاذه! فقد يبدو أن بعض الشعارات عندنا لا تُرفع لتصف واقعاً يراد تغييره، وإنما لتمنح أصحابها براءةً مسبقة من النتائج التي سيصنعونها بأيديهم. وهكذا، بدلاً من أن يصبح التعليم أقل إيلاماً، أصبح الشعار نفسه وثيقة إدانة لأصحابه!
* أولاً: حين كان التعليم يتقدم، وكان الوطن يحصد الثمار
يعلم غالب أهل السودان كيف كان حال التعليم قبل ثورة ديسمبر 2019، بكل ما سبقها من إخفاقات وتحديات. فقد شهدت العملية التعليمية توسعاً ملحوظاً في أعداد الطلاب بمختلف المراحل، وفي مؤسسات التعليم قبل المدرسي والأساسي والثانوي والجامعي، إلى جانب تطور المناهج وانتشار المؤسسات التعليمية واتساع فرص الالتحاق بها.
لم يكن ذلك يعني أن التعليم كان جنةً بلا مشكلات، أو أن كل شيء كان يسير على ما يرام؛ فكل تجربة بشرية لها عيوبها ونواقصها، وكان لدينا من أوجه القصور ما يستحق الإصلاح والمراجعة. لكن الإنصاف يقتضي أن نزن التجربة بميزان محصلتها العامة، لا أن نمحو كل ما تحقق لأننا نختلف مع النظام الذي كان قائماً آنذاك.
كانت المحصلة أجيالاً من الخريجين السودانيين الذين أسهموا بفاعلية في بناء مؤسسات الدولة وتطويرها، وفي دفع عجلة الاقتصاد والإنتاج والخدمات. حمل هؤلاء الشباب ما تعلموه إلى قطاعات النفط والاتصالات والتصنيع الحربي والتجارة الخارجية والمشروعات الاقتصادية الصغيرة وغيرها من دروب الحياة، فكانوا دليلاً عملياً على أن الاستثمار في التعليم ليس بنداً في الموازنة فحسب، وإنما استثمار في قدرة الوطن على النهوض بأيدي أبنائه.
وكان من أبرز عناصر تلك التجربة قدرٌ من الاستقرار الأكاديمي، ومناهج قابلة للتطوير، وأطر تعليمية تواصل عملها جيلاً بعد جيل. لم تكن التجربة كاملة، لكنها كانت تنتج كوادر تستطيع أن تتعلم وتعمل وتشارك في إدارة شؤون بلادها.
وهنا السؤال الذي ينبغي أن يواجه كل من يتصدى لتقييم تلك المرحلة: إذا كانت هناك عيوب، فلماذا لا تُعالَج مع المحافظة على المكتسبات؟ ولماذا نخلع الباب من مفاصله لأن قفله معطوب؟ وهل الإصلاح أن نهدم المبنى كله، ثم نقف فوق أنقاضه لنلقي محاضرةً عن ضرورة توفير السكن؟
* ثانياً: ثورة السنبرية… حين صار الهدم إنجازاً!
نجحت ثورة السنبرية، كما يسميها الأستاذ القامة عبد الماجد عبد الحميد؛ والسنبرية، للناطقين بغيرها، تعني القحط والجدب والعدم، في تحويل التعليم إلى واحد من أبرز ضحايا مرحلةٍ اختلطت فيها الشعارات بالارتجال، والقرارات بالتجارب، والهدم بادعاء البناء.
بدأت الحكاية بمحاولات إعادة تشكيل التعليم ومناهجه، ومن أشهر محطاتها ما ارتبط بما عُرف بمشروع القراي، الذي أثار جدلاً واسعاً حول المناهج ومضامينها ومرجعياتها. وكان المطلوب، كما قيل لنا، أن ننتقل إلى تعليم جديد يواكب العصر؛ لكن السؤال الذي ظل معلقاً: أي عصر هذا الذي نواكبه ونحن لا نتفق على قاعدة إنطلاقنا وجهتنا، ولا نستقر على منهج، ولا نترك للمدارس والجامعات فرصةً كافية لالتقاط أنفاسها بين قرار وقرار؟
كانت المراجعة مطلوبة، نعم؛ لكن المراجعة التي لا تستند إلى رؤية مستقرة، ولا إلى تقييم علمي متأنٍّ، ولا إلى توافق مجتمعي واسع، قد تتحول من أداة للإصلاح إلى وصفة لإرباك العملية التعليمية. فالمنهج ليس سبورةً نمسحها كلما جاء مسؤول جديد، ولا الطلاب فئران تجارب نختبر عليها عبقرية القرارات الطارئة.
ثم جاءت الحرب، لتضيف إلى ما أصاب التعليم من اضطراب وانقطاع كارثةً مادية وإنسانية هائلة. فقد تعرضت مؤسسات تعليمية للتدمير والنهب، واستُخدمت مدارس ومرافق تعليمية في بعض المناطق لأغراض عسكرية، وتحولت أماكن يفترض أن تحتضن الكتب والأقلام إلى مواقع للنزاع والاحتجاز، بل تضررت منشآت ومرافق خدمية بسبب استخدامات لا تمت إلى رسالتها بصلة.
وهكذا انتقل التعليم من معركة المناهج والقرارات المرتبكة إلى معركة البقاء نفسها: مدارس بلا مقاعد، وفصول بلا طلاب، وطلاب بلا مدارس، ومعلمون شردتهم الحرب، وأسر لا تعرف أين تجد لقمة العيش قبل أن تبحث عن رسوم الدراسة.
يا لها من رحلة إصلاح عظيمة! بدأنا بشعار إنقاذ التعليم، وانتهينا نبحث عن تعليمٍ يحتاج إلى الإنقاذ. ويبدو أن بعضهم فهم عبارة «تغيير الواقع» على أنها ضرورة تغيير الواقع إلى الأسوأ، حتى لا يُتَّهم بالتمسك بالماضي!
* ثالثاً: الحصاد المر… تعليمٌ لمن استطاع إليه سبيلاً!
ما آل إليه حال التعليم اليوم لا يسر إلا من لا يرى في انهيار مؤسسات البلاد خسارةً تستحق الحزن، أو من يعتقد أن خراب ما بناه الآخرون دليل على عبقريته في التغيير.
أما أهل السودان، فقد دفعوا ثمناً يفوق ما توقعه أكثر المتشائمين. ملايين الأطفال والشباب تأثر تعليمهم بالنزوح والحرب وإغلاق المؤسسات، وأعداد كبيرة من الطلاب واجهت الانقطاع والتسرب وتعذر الوصول إلى المدارس والجامعات. وتضررت مؤسسات تعليمية كثيرة، وتشتت المعلمون، وتراجعت قدرة الدولة على توفير التعليم العام، فيما ظلت الأسر تحاول انتزاع مستقبل أبنائها من بين أنياب الفقر والنزوح وانعدام الاستقرار.
إنه فاقد تربوي لا يظهر كله في جداول الإحصاء؛ لأن بعض خسائره مؤجل إلى الغد. فالطفل الذي يفقد سنوات من الدراسة اليوم قد يصبح غداً شاباً محدود الفرص، والأسرة التي تعجز عن تعليم أبنائها قد تجد نفسها أمام دائرة جديدة من الفقر، والدولة التي تخسر جيلاً من المتعلمين تخسر معه جزءاً من قدرتها على إدارة مؤسساتها وإعادة بناء اقتصادها.
أما التعليم الحكومي، فقد بات في مناطق كثيرة عاجزاً عن أداء رسالته بالصورة المطلوبة، بينما أصبح التعليم الخاص، بالنسبة إلى أسر عديدة، الملاذ المتاح لمن يستطيع دفع تكلفته، والباب المغلق في وجه من لا يملك ثمن المفتاح.
وهنا تتجلى المفارقة في أبهى صورها: التعليم حق، لكنه يتحول شيئاً فشيئاً إلى امتياز طبقي؛ والفرصة التي يفترض أن تمنح أبناء الفقراء سُلّماً للصعود، باتت في بعض الحالات سلّماً لا يُسمح لهم بلمسه!
لقد كان التعليم العام، رغم نواقصه، يمثل إحدى أهم أدوات الحراك الاجتماعي، إذ يستطيع ابن الفقير أن يتعلم وينافس ويتقدم بجهده وكفاءته. أما حين تتراجع المدرسة الحكومية ويصبح البديل الخاص مكلفاً، فإننا لا نخسر مقاعد دراسية فقط، بل نخاطر بتحويل الفقر من ظرفٍ مؤقت إلى ميراث تتناقله الأجيال.
* رابعاً: من ينقذ التعليم؟ الحكومة أم المجتمع أم أصحاب الشعارات؟
إن إعادة بناء العملية التعليمية لا تتحقق ببيانٍ صحفي، ولا باجتماع مطوّل، ولا بتشكيل لجنة جديدة تحمل اسماً براقاً ثم تدخل في غيبوبة إدارية حتى إشعار آخر.
نحتاج إلى حكومة جادة ومسؤولة تبدأ بتشخيص حقيقي لحجم الكارثة، وتحديد مواطن الخلل والضعف، ووضع خطة واضحة لإعادة فتح المدارس والجامعات، وتأهيل المنشآت المتضررة، واستعادة المعلمين، ومعالجة أوضاع الطلاب المتأثرين بالحرب والنزوح، وتوفير الحد الأدنى من متطلبات التعليم في المناطق الأكثر تضرراً.
ونحتاج كذلك إلى مجتمع يدرك أن التعليم قضية وطنية لا تخص وزارة التعليم وحدها، ولا تخص الأسر التي لديها أطفال في المدارس اليوم فقط. إنه قضية كل مواطن يريد لبلاده أن تجد من يدير مستشفياتها، ويشغّل مصانعها، ويطوّر زراعتها، ويحمي مواردها، ويعيد بناء ما دمرته الحرب.
لكن المسؤولية المجتمعية لا تعني أن نلقي فاتورة عجز الدولة على ظهور المواطنين، ثم نصف ذلك بأنه شراكة مجتمعية. فالدولة مسؤولة عن ضمان الحق في التعليم، والمجتمع شريك في دعمه ومراقبة جودته، لا بديلٌ مجاني عن مؤسسات الدولة وواجباتها.
* خامساً: لماذا كان التعليم أقوى؟ لأننا كنا نعرف إلى أين نريد الوصول!
من العناصر التي أسهمت في تعزيز العملية التعليمية في مراحل سابقة وضوح الرؤية العامة، وتحديد الأهداف، واستمرار العمل على تقييم الوسائل والآليات ومراجعتها بما يخدم تلك الأهداف. فالسلم التعليمي والمناهج ووسائل التدريس والتكنولوجيا وآليات التقييم والقياس، ليست مقدسات لا تُمس، لكنها أيضاً ليست ألعاباً إدارية يبدّلها كل مسؤول لإثبات أنه جاء بفكرة لم تخطر على بال من سبقه.
التطوير الحقيقي يبدأ بتحديد ما نريده من التعليم، ثم اختيار الوسائل المناسبة، وتجريبها بصورة مدروسة، وقياس نتائجها، وتصحيح أخطائها. أما أن نغير السلم التعليمي، ونراجع المناهج، ونبدل السياسات، ثم نكتشف بعد سنوات أننا لم نحقق هدفاً واضحاً، فذلك يشبه من يغيّر اتجاه السيارة كل خمس دقائق، ثم يتساءل لماذا لم يصل إلى وجهته!
ولا بد هنا من إعادة الاعتبار إلى مجالس الآباء، التي أدت في مدارس كثيرة دوراً مهماً في استقطاب الدعم الشعبي، ومساندة البيئة المدرسية، والمساهمة في معالجة بعض أوجه القصور، خاصة حين كانت الموازنات الحكومية محدودة. فقد جسدت هذه المجالس صورةً من صور المشاركة المجتمعية العملية، حين كان ولي الأمر لا يكتفي بالسؤال عن درجات ابنه، بل يسأل أيضاً عما يحتاج إليه الفصل والمدرسة.
لكن ينبغي ألا تتحول هذه المشاركة إلى وسيلة لإعفاء الدولة من مسؤولياتها. فالمساهمة الشعبية تسند التعليم ولا تحل محل تمويله العام، ولا يصح أن تصبح جودة المدرسة رهينة قدرة أولياء أمورها على جمع التبرعات.
ولو استطاع المجتمع أن يوجّه جزءاً من مساهماته إلى دعم المدارس الحكومية ضمن آلية شفافة وعادلة، مع التزام الدولة بواجباتها، لأمكن أن يكون لذلك أثر مهم في تحسين البيئة التعليمية. فالمسألة ليست أن يدفع المواطن مرتين، مرةً عبر ما تفرضه الدولة من رسوم والتزامات، ومرةً أخرى لإنقاذ خدمة يفترض أنها من صميم مسؤوليتها؛ وإنما أن تتكامل الجهود دون أن تضيع المسؤوليات في زحام المجاملات.
* سادساً: التعليم الخاص… ليس متهماً لأنه نجح، ولا معفى لأنه استثمر!
لا يُلام القطاع الخاص لمجرد أنه وجد مساحةً للعمل في ظل عجز التعليم الحكومي؛ فمن حق المؤسسات الخاصة أن تقدم خدمة تعليمية جيدة، وأن تحقق عائداً مشروعاً من استثماراتها. كما أن كثيراً من المدارس الخاصة قدّمت خدمات يحتاج إليها الطلاب والأسر في ظروف بالغة الصعوبة.
لكن المشكلة تبدأ حين يتراجع التعليم العام حتى يبدو وكأنه ينافس من موقع العجز، لا من موقع الشراكة والتكامل، وحين تصبح قدرة الأسرة المالية العامل الحاسم في تحديد نوعية الفرصة التعليمية التي يحصل عليها أبناؤها.
وقد أثارت نتائج الشهادة السودانية، بما تعكسه من تفاوت في فرص الاستعداد والتدريس والبيئة التعليمية بين المؤسسات، أسئلةً مهمة عن عدالة الفرص وجودة التعليم. وإذا كانت النتائج في عام معين تميل بقوة إلى جانب المدارس الخاصة ( مثل هذا العام )، فإن ذلك يستدعي قراءةً دقيقة للأرقام وأسبابها، لا الاكتفاء بالتصفيق لطرفٍ أو اتهام طرف آخر.
فهل تعكس النتائج تفاوتاً في جودة التدريس؟ أم اختلافاً في البيئة التعليمية والاستقرار والموارد؟ أم أن هناك عوامل أخرى تتعلق بظروف الامتحانات والطلاب؟ لا بد من بيانات واضحة حتى نعرف أين تكمن المشكلة وكيف نعالجها.
أما أن يتحول التعليم إلى سوقٍ مفتوحة لا تحكمها سوى القدرة على جذب العملاء، أقصد الطلاب، فهنا يصبح السؤال مشروعاً عن الضوابط والرقابة والجودة والأخلاقيات المهنية.
فالمدرسة ليست مصنعاً لإنتاج نسب النجاح، والطالب ليس سلعةً تُعرض في واجهة تسويقية، والشهادة ليست إعلاناً تجارياً يُعلَّق على باب المؤسسة. وإذا دخلت المنافسة غير المنضبطة إلى ميدان التعليم، فقد يصبح همّ بعض المؤسسات تحسين صورتها في السوق أكثر من تحسين ما يتعلمه الطالب فعلاً.
ولا يجوز التعميم على المؤسسات الخاصة أو اتهامها بممارسات غير نزيهة دون أدلة؛ لكن من واجب الدولة أن تراقب جودة التعليم في القطاعين العام والخاص، وأن تتصدى لأي تلاعب أو تجاوز يثبت وقوعه، وأن تضمن أن تكون الشهادة تعبيراً حقيقياً عن المعرفة والكفاءة، لا مجرد ورقة تحمل نسبةً مئوية أنيقة.
* سابعاً: إذا استمر الحال، فمن سيدفع الفاتورة؟
إذا استمر تراجع التعليم العام، وظلت الحرب والفاقة والنزوح تحاصر فرص التعلم، فإننا نواجه خطراً يتجاوز الحاضر إلى مستقبل البلاد كله.
سيخرج أطفال من دائرة التعليم، وسيتعثر آخرون في منتصف الطريق، وستضطر أسر إلى تقديم الطعام والعلاج على الدراسة، وهو اختيار قاسٍ لا يجوز أن نلومها عليه. وسيتخرج بعض الطلاب في بيئات تفتقر إلى الاستقرار والإمكانات الضرورية، بما يفرض تحديات حقيقية على جودة المخرجات التعليمية.
وفي المقابل، قد تتمكن الأسر الميسورة من شراء فرص أفضل لأبنائها، فتزداد الفجوة بين من يملكون المال ومن لا يملكونه. وحين تتسع هذه الفجوة، لا يعود التعليم جسراً للعبور من الفقر إلى الفرص، بل قد يتحول إلى سورٍ يحرس الفوارق الاجتماعية ويمنع تجاوزها.
ثم نأتي بعد سنوات لنسأل: أين المعلم الكفء؟ وأين الطبيب والمهندس والفني والباحث؟ ولماذا ضعفت المؤسسات؟ ولماذا أصبح بناء الدولة أكثر صعوبة؟
عندها قد نكتشف أن بعض الأسئلة التي نطرحها عن المستقبل كانت إجاباتها تضيع أمام أعيننا في فصولٍ مغلقة، ومدارس مدمرة، وجامعات معطلة، وأطفال حُرموا من حقهم في التعلم.
* الخاتمة: يا أصحاب «لا تعليم في وضع أليم»… هل من إجابة؟
التعليم ليس ترفاً يمكن تأجيله حتى تنتهي بقية أزمات البلاد، وليس ملفاً ثانوياً نتركه على هامش الحرب حتى نتفرغ له في أيام الرخاء. بل هو من شروط الخروج من الأزمة نفسها؛ فلا إعادة إعمار بلا كفاءات، ولا نهوض اقتصادي بلا معرفة، ولا دولة قوية بلا أجيال تتعلم وتفكر وتعمل.
ومن أراد إصلاح التعليم فليبدأ من الاعتراف بما تحقق وما أخفق، وليحافظ على المكتسبات، ويعالج العيوب، ويعيد بناء ما دمرته الحرب، ويضع مصلحة الطالب فوق صراعات السياسة ومكايدات الأيديولوجيا والكسب المادي . وليعلم أن المدارس لا تُبنى بالشعارات، وأن المناهج لا تتطور بالارتجال، وأن مستقبل الأمم لا يُصان بتجريب القرارات على رؤوس أبنائها.
أما الذين رفعوا شعار «لا تعليم في وضع أليم»، فليسألوا أنفسهم اليوم: ماذا بقي من الشعار؟ وأين صار التعليم؟ ومن سيدفع ثمن السنوات التي ضاعت؟
لقد كان الشعار وعداً بالخروج من الوضع الأليم، فإذا بالوضع الأليم يتسع حتى صار التعليم نفسه عنواناً له.
يا لها من مفارقة تستحق أن تُدرَّس!
لكن يبدو أننا، قبل أن نُدرّسها للأجيال، علينا أولاً أن نضمن وجود مدارس تستقبلهم، ومعلمين يعلّمونهم، ومناهج تمنحهم المعرفة، ودولة تفهم أن بناء العقول أهم من تزيين الشعارات.
فالوطن الذي يضيّع تعليمه اليوم، سيبحث غداً عن كوادر تعيد بناءه، وربما لن يجد العدد الكافي منها. وحينها لن تنفعه كثرة اللجان، ولا فصاحة البيانات، ولا عبقرية الذين اكتشفوا متأخرين أن التعليم مهم!
نَكزة أخيرة (وبالحتة الفيها الحديدة ): رفعوا شعار «لا تعليم في وضع أليم»، فصار التعليم في وضع أليم، وأصبح المطلوب اليوم ليس تغيير الشعار، بل إنقاذ ما تبقى من التعليم، حتى لا يأتي يوم نرفع فيه شعاراً جديداً يقول: «لا وطن في غياب التعليم»!
دمتم .. سالمين … آمنين … تآمين …. لآمين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى