وخز اليراع حماد حمد محمد يكتب أصالة التراث الكردفاني – أغنيات المطرب العرَّاك أنموذجاً!! 2-3
وخز اليراع حماد حمد محمد يكتب أصالة التراث الكردفاني - أغنيات المطرب العرَّاك أنموذجاً!! 2-3

وخز اليراع
حماد حمد محمد يكتب
أصالة التراث الكردفاني – أغنيات المطرب العرَّاك أنموذجاً!! 2-3
تناولنا في المقال الفائت نموذجاً لغناء الفراسة الذي يؤدى في ما يُعرف ب(القيدومة)، وهي إحدى الطقوس التي تؤدى يوم حِنة العريس حيث تجتمع الفتيات والحبوبات والصبية والشباب حول العريس بعد يفرقوا من (خت) الحِنة وممارسة كل الألعاب عند منتصف الليل، حيث توضع النقارة وسطهم ويضربون عليها بأعواد صغيرة مرددين أغاني القيدومة ويستمرون فيها إلى تنبيه الصبح الأول ويختمون بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.
الغرض من هذا الفعل شيئين الأول مؤانسة العريس وتسليته، والثاني لكي يبقى صاحياً لأن النعاس إذا تملكه يرمي الحناء من أياديه ورجليه.
وعند الصباح وبعد تناول وجبة الفطور يذهبون به إلى ما يُعرف بالقيلة وتكون عند أحد أقاربه أو أصدقائه او حتى مكان شجر ظليل، فيقضون نهارهم في اللعب، حتى إذا جاء المساء ذهبوا به إلى منزل العروس عند المغرب ممتطياً فرسه والناس يهرولون خلفه فيقوم بطرد فرسه (يجريها) أمامهم فتغني الحسان (الغالي غالينا أقلب الخيل فينا) فينقلب صاداً إليهم ويبشِّر فيهم والنساء يغمرنه بالشبال (وهو تحريك الشعر يُمنة ويُسرى)، حتى اذا وصلوا منزل العروس ويكون مصنوعاً من البروش خارج بيت الأسرة فيحمله الشباب على الأعناق ويطوفون به البيت ثم يدخلونه على عروسته وينصرفون إلى تناول وجبة العشاء. فيمكث العريس في بيته أسبوعاً كاملاً لا يخرج إلا لقضاء الحاجة يأكل ما لذَّ وطاب ويشرب أطيب الشراب.
أغنيات (الرفَّة) عادة تُمجِّد القبيلة أو شخص مُعين، ومن أمثلتها (بلدي ليْ بِنيَّة بَِلبسا المرجان، بديها لي كنانة تِرْكة الدِيدان الدم في صدورهم محلب الصُبيان)..
مفردات الأغنية بلدي أي بنجب بِنية وهو تصغير لبنت المرجان وهو نوع من الجواهر النفيسة تُخرج من قاع البحار، وقد ورد ذكره في سورة الرحمن “يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان” بديها أي بزوجها لي أحد أبناء قبيلة كنانة تركة الديدان جمع دود وهو الأسد أي تصف نسلهم بأنه من الشجعان كالأسود. ويرددها البعض ب(تِركة النُبيان) أي أصلهم متسلسل من نسل الأنبياء وهم سيدنا إبراهيم الخليل وابنه إسماعيل عليهما السلام ثم رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم.حيث ورد في الحديث الذي رواه واثلة بن الأسقع وأخرجه الإمام مسلم في صحيحه(إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى قريشاً من كنانة واصطفى بني هاشم من قريش واصطفاني من بني هاشم).. وفي رواية (فأنا خيارٌ من خيارٍ)..ومفردة الدم في صدورهم محلب الصبيان، أي حينما يأتون من المعركة صدورهم ملطخة بدم أعدائهم ولكن رائحته على صدورهم كأنها رائحة المحلب.
وقصة هذه الأغنية أن أهلنا البديرية سرق منهم لصوص قطيع أبقار فتفازعت القبائل خلف اللصوص، وكان من ضمن الفزع أربعة أشقاء ومعهم خالهم من قبيلة كنانة وهم من آل حمدوك الذين ينتمي إليهم رئيس الوزراء السابق، فانطلق الفزع في أثر الأبقار المسروقة إلى قُرب حرم قريتهم. وكان من العُرف المتعارف عليه، إذا دخل اللصوص بالمسروقات حرم قريتهم لا يلاحقوا. وهم يقومون بربط بهيمة من المسروقات على شجرة فيجدها الفزع فيعلم أنهم قد حظوا بمسروقاتهم، فيقوم الفزع بذبح البهيمة وأكلها ومن ثمَّ يرجعوا.
أما في فزعنا الذي نحن بصدده، فقد انطبق عليهم الحال فربطوا لهم عجلاً فذبحوه وأكلوه ورجعوا، إلا أن الإخوان الأربعة مع خالهم وهم من كنانة، رفضوا الرجوع وأصروا على اللحاق باللصوص، وفعلاً لحقوا بهم وتقاتلوا معهم وكان اللصوص أيضاً خمسة فكل واحد من الإخوان الأربعة أجهز على صاحبه، أما خالهم فكان لا يريد قتل مبارزه ولكنه ضربه حتى أسقطه أرضاً وقال له تماثل أنك ميت. فقال له أبناؤه أقتله يا خال؟ فقال لهم نعم. وتظاهر صاحبنا بالميت. فأخذوا البهائم وأرجعوها إلى أصحابها. فتغنت فيهم الفتيات الأغنية آنفة الذكر.
وفي؛ نفس سياق سيرة العريس، فها هي إحداهن تُمجِّد جدها قائلة:( الشِّدرة الضليلة الما نقرها السوس في راسا النِمِر وفي ضُلها الجاموس والدود المِربعِن من قديم محبوس). يا له من فخر وعز!!
مفردات الأغنية الشِّدرة أي الشجرة ذات الظل الوارف التي لم يدخلها سوس وعلى رأسها نمر كاسر وتحت ظلها يرابط ثور جاموس ومعه دود أي أسد مِربعن سريع الحركة اذا انطلق يسرع في الجري لأنه كان محبوس.
وخزة أخيرة:
مطربو القوز كُثر ولكن نجد أن الفنان سليمان أحمد عمر قد ساهم بصورة كبيرة في التعريف بالتراث الكردفاني عبر الوسائط الإسفيرية ووسائل الإعلام المختلفة، والمنتديات الثقافية. ولم يكن وحده من مطربي القوز، بل كان معه بُلبُل القوز المغرِّد حسون العنود ذو الحنجرة الذهبية الذي تغنى لكردفان وردد أغاني بُلبُل الغرب المرحوم عبد الرحمن عبد الله لتشابُّه صوتيهما..



