الصادق إسماعيل علي يكتب.. نَكْزة : الحوار نعم… ولكن ليس على طريقة «الخماسية»
الصادق إسماعيل علي يكتب.. نَكْزة : الحوار نعم... ولكن ليس على طريقة «الخماسية»

الصادق إسماعيل علي يكتب..
نَكْزة : الحوار نعم… ولكن ليس على طريقة «الخماسية»
* منذ الاستقلال، والسودان يخوض رحلة شاقة بحثاً عن نفسه: مرة بالبندقية، ومرة بالسياسة، ومرة بالانقلابات، ومرة بالشعارات التي تبدأ باسم الوطن وتنتهي بتقسيمه. وبين كل جولة وأخرى كان الوطن يدفع الفاتورة، بينما يتقدم بعض الساسة إلى الصفوف الأمامية لالتقاط صور النصر الذي لا ينهي المشكل .
* نعم، خاضت البلاد صراعات دموية وسياسية واجتماعية طويلة، وهي تتشكل وتتلمس طريقها نحو التجانس والاستقرار والازدهار. وهذه الحرب التي يخوضها الشعب السوداني اليوم خلف جيشه، وقد فُرضت عليه دفاعاً عن دمه وعرضه وأرضه وكرامته واستقلاله ومقدراته، ليست إلا جولة جديدة في هذه المسيرة الطويلة والقاسية.
* ورغم قسوة يوميات الحرب وفداحة مآلاتها، إلا أن لها حسنة لا يمكن إنكارها: لقد أسقطت كثيراً من الأقنعة. عرف السودانيون من أطلق الطلقة الأولي على الوطن ، ومن وقف مع وطنه حين اشتدت المحنة، ومن اختار الوطن حين كان الاختيار مكلفاً، ومن اختار مصالحه حين كان الوطن ينزف. وعرفوا كذلك أن بعض الذين صدّعوا رؤوسنا طويلاً بالوطنية والديمقراطية وحقوق الإنسان، كانوا أول من غادرها عندما جاءت ساعة الامتحان.
* لكن الحروب، مهما طال أمدها، لا يمكن أن تكون وسيلة دائمة لبناء الدولة. والتجارب السودانية المتراكمة تقول بوضوح إن البندقية ليست الطريق الأمثل للمطالبة بالحقوق أو أداء الواجبات؛ فقد عجزت عن حل مشكلاتنا، ونجحت فقط في تعميق الجراح وتوسيع الهوة بين مكونات المجتمع وتأخير قيام الدولة المستقرة.
* كما أثبتت التجربة أن التعالي العرقي والجهوي، والدونية الاجتماعية، وكل تلك الأمراض التي جرى النفخ فيها سياسياً، ليست هي الحقيقة السودانية. فما يجمع أهل السودان أكبر بكثير مما حاول تجار الأزمات أن يجعلوه سبباً للاقتتال والاحتراب.
* وأثبتت التجربة كذلك أن الحوار، مهما كان صعباً ومتباعداً، يظل الوسيلة الأقل كلفة والأكثر إنتاجاً لبناء الدولة.
ولهذا فإن كل مبادرة جادة لإشاعة الحوار بديلاً عن الحوار بالبندقية تستحق الدعم. بل ينبغي أن تصبح القاعدة التي يؤمن بها الجميع:
* لا بديل عن الحوار… إلا الحوار.
لكن، وهنا تبدأ النكزة، ليس كل من رفع لافتة «الحوار» صار بالضرورة رجل حوار، وليس كل لجنة اجتمعت حول طاولة أصبحت تلقائياً ممثلة لأهل السودان!
الحوار الحقيقي يحتاج إلى أسس واضحة: مشاركة واسعة لا تقوم على العزل والإقصاء، وحرية كاملة في طرح الرؤى والأفكار، وقبول بنتائجه حتى عندما لا تأتي على هوى المشاركين. والأهم أن يتوافق السودانيون على ثوابت لا تخضع للمساومة السياسية، من بينها التداول السلمي للسلطة، وقومية القوات المسلحة ومسؤوليتها عن حماية البلاد والعباد، والمساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات، وعدالة المشاركة السياسية، والتنمية والخدمات المتوازنة، واستقلال القرار الوطني، وحماية السودان من التدخلات الأجنبية.
هذه ثوابت دولة، وليست بنوداً في «منيو» سياسي؛ نختار منها ما يعجبنا ونترك ما لا يناسبنا!
* ثم هناك شرط آخر لا يقل أهمية: الثقة.
فالحوار لا ينجح إذا كان من يدعو إليه أو يديره لا يحظى بثقة أصحاب المصلحة الحقيقيين، وهم غالب أهل السودان. وفي عرف السودانيين: «الأجواد عدل مأتمن». فإذا شك الناس في عدالة من يدير الجودية وأمانته، فمن الطبيعي أن يشكوا في الجودية نفسها، وأن يسألوا: من اختار هؤلاء؟ ومن يمثلون؟ ومن أين جاء تفويضهم؟ ومن يمول نشاطهم؟ وهل هم لجنة وطنية مستقلة فعلاً، أم أن هناك من يقف خلف الستار ويحرك الخيوط؟
أسئلة مشروعة، لا تحتاج إلى غضب ولا إلى تخوين، وإنما تحتاج إلى إجابات واضحة.
ثم جاءت «الخماسية» لتضيف ملحاً كثيراً إلى الجرح!
تأتي الخماسية فتتبنى سردية بعينها، ثم تقول لنا إن «لا حل عسكرياً لمشكلة السودان». وهذه العبارة يعرفها السودانيون جيداً، فقد سمعوها منذ محادثات جدة، ثم خرجت إلينا بأشكال متعددة، مرة «لا للحرب»، ومرة «لا حل عسكري»، وكأن المشكلة في السودان هي أن الجيش يحمل بندقية، وليس أن هناك تمرداً مسلحاً احتل المدن والبيوت والمؤسسات وشرّد المواطنين.
حسناً… إذا كان لا حل عسكرياً، فهناك حل بسيط جداً لا يحتاج إلى مؤتمرات دولية ولا إلى خماسية ولا سباعية:
ليتفضلوا بإلزام المليشيا بتنفيذ ما وقعت عليه في جدة.
تتجمع في المكان المتفق عليه، تسلم أسلحتها، تنتهي الحرب، ويعود الناس إلى بيوتهم، ونبدأ الحوار.
أم أن اتفاق جدة كان للاحتفاظ به في الأرشيف فقط؟
ثم يحدثوننا عن «حماية المدنيين»، وكأنهم اكتشفوا السودان بالأمس ولم يسمعوا بما حدث في الجنينة، وود النورة، ونيالا، والفاشر، والخرطوم، وفي غيرها من المدن والقرى التي وطأتها المليشيا.
من الذي هاجم المدنيين؟
من الذي سفك الدماء؟
من الذي انتهك الأعراض؟
من الذي نهب الممتلكات؟
من الذي شرّد الناس وأخرجهم من ديارهم؟
ثم يأتينا من يقول: «احموا المدنيين»!
يا جماعة الخير… ابدأوا بمن يقتل المدنيين، وبعدها تعالوا حدثونا عن حمايتهم!
أما أن يصبح الجيش مطالباً بالتوقف كلما تقدم لاستعادة مدينة، بينما لا يُطلب من المليشيا إلا «ضبط النفس»، فهذه ليست وساطة؛ هذه محاولة لإعادة تعريف الجاني والمجني عليه بطريقة جديدة.
والأغرب من ذلك أن بعض القوى التي عجزت عن تحقيق ما أرادته بالبندقية، ثم عجز غطاؤها السياسي عن تحقيقه بالسياسة، تبدو وكأنها تبحث الآن عن طريق ثالث: لجنة حوار!
يا سلام!
فشل السلاح، فليجربوا الطاولة.
فشل المشروع السياسي، فليجربوا اللجنة.
رفضهم الناس، فليبحثوا عن لجنة تعيد تقديمهم إليهم في ثياب جديدة!
لكن السودانيين، رغم كل ما أصابهم، ليسوا بهذا القدر من النسيان.
يعرفون من كان معهم ومن كان عليهم، ويعرفون أن بعض الوجوه التي تظهر اليوم في ثوب «الوسيط الوطني» لها مواقفها المعروفة، وأن بعض المبادرات قد تحمل عنواناً سودانياً جميلاً، بينما تقف وراءها أجندات ليست سودانية بالضرورة.
ولذلك فإن الحوار الذي يريده السودانيون ليس حواراً لاستبقاء التمرد في حاضر البلاد ومستقبلها، ولا منصة لإعادة إنتاج القوى التي فشلت، ولا جسراً للقفز فوق الواقع.
الحوار نعم… ولكن بعد أن يكون واضحاً: من يتحاور مع من؟ وبأي تفويض؟ وعلى أي أرضية؟ وإلى أي هدف؟
أهل السودان يؤمنون بالحوار، ويعرفون ضرورته لبناء سودان معافى ومستقر. لكنهم يريدون أن يتقدم هذا الحوار من يثقون في ولائه المطلق للسودان، ومن يمثل إنسانه الحقيقي، لا من اختارته عواصم الخارج أو غرف السياسة المغلقة.
وسيأتي الحوار في أوانه، وسيشارك فيه السودانيون، وسيختلفون ويتفقون، ثم يضعون قواعد دولتهم الجديدة على أسس حقيقية تفضي إلى سلام مستدام.
أما الأولوية الآن، في نظر غالب أهل السودان، فهي حسم التمرد وغطائه المسلح والسياسي، ثم الانتقال إلى المرحلة التالية.
فالذي يحاول القفز فوق هذه الحقيقة، سواء أتى من الداخل أو عبر الخماسية أو لجنة الحوار أو غيرها، إنما يحاول أن يبدأ الصفحة الثانية قبل أن ينتهي من الصفحة الأولى.
والسودانيون، لمن يهمه الأمر، قرأوا الصفحة الأولى جيداً… ولم يعودوا مستعدين لشراء الكتاب نفسه بغلاف جديد.
دمتم .. سالمين … آمنين … تآمين …. لآمين .


