متلازمة الدولة المستحيلة.. إثيوبيا أمام شبح الحرب من جديد..

القاهرة: حمدي عبدالرحمن حسن
ما يحدث في إثيوبيا هذه الأيام يؤكد ماكتبناه من قبل عن أزمة بناء الدولة في إفريقيا بشكل عام وأنها أصل الداء. وقد عالج كتابنا عن الدولة المستحيلة مختلف أبعاد هذه الازمة المستعصية. وعليه فإن إرث منليك وفكرة الامبراطورية القائمة على الغزو يتجاوز اليوم مجرد جولة جديدة من القتال في إقليم تيغراي. فبعد أقل من أربع سنوات على اتفاق بريتوريا الذي أنهى الحرب الإثيوبية الكبرى، تبدو البلاد وكأنها تتهاوى تدريجيًا إلى آتون الحرب، ولكن هذه المرة في صورة أكثر تعقيدًا وأشد ارتباطًا بالتوازنات الإقليمية في القرن الأفريقي والبحر الأحمر.ولعل ذلك هو الذي يعنينا لارتباطه الوثيق بمصالحنا الوطنية لتي لا ينبغي اختصارها في مسألة مياه النيل.
لقد اتسعت رقعة المواجهات خلال الأيام الأخيرة لتشمل تيغراي وأمهرا وعفار، بينما استعادت الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي حضورها العسكري، وانضمت إليها قوى مسلحة أخرى، من بينها فانو في أمهرا وقوى من عفار وأوروميا. وفي 21 سبتمبر أعلنت سبع جماعات مسلحة تشكيل «تحالف قوى الشعب الإثيوبي من أجل البقاء»، وهو تطور مهم لأنه يجمع قوى كانت، حتى وقت قريب، على طرفي نقيض في الحرب السابقة.
وهنا تكمن خطورة هذا التطور في أن المشكلة لم تعد تيغراي وحدها، وإنما أزمة في بنية الدولة الإثيوبية نفسها كما ذكرنا.
معضلة اتفاق السلام الهش
أنهى اتفاق بريتوريا في نوفمبر 2022 الحرب بين الحكومة الفيدرالية والجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، لكنه لم يحسم جميع القضايا التي فجرت الصراع. ظلت قضايا الأراضي المتنازع عليها، ومستقبل الترتيبات السياسية في تيغراي، ودمج القوات، والعلاقة بين المركز والأقاليم، وكذلك مستقبل النظام الفيدرالي الإثني، دون تسوية نهائية.
والأهم أن السلام لم ينجح في إزالة انعدام الثقة بين أديس أبابا وقيادة تيغراي.
وخلال عام 2026 تصاعدت التوترات من جديد، قبل أن تتحول في سبتمبر إلى مواجهات واسعة. واستولت قوات مرتبطة بجبهة تحرير شعب تيغراي على مطارات رئيسية في تيغراي، بينما امتد القتال إلى الحدود مع أمهرا وعفار. كما أُغلقت مطارات في مناطق أخرى نتيجة اتساع المواجهات.
ومن ثم فإن السؤال لم يعد: هل عادت الحرب إلى تيغراي؟
السؤال الأخطر من وجهة نظري هو: هل تستطيع حكومة ابي احمد الذي يرى انه الملك السابع المرسل من الرب منع حرب تيغراي من التحول إلى حرب إثيوبية متعددة الجبهات؟
تحالف الخصوم السابقين
من أكثر التطورات دلالة أن القوى التي تواجه الحكومة الفيدرالية ليست متجانسة. فهناك تيغراي، وفانو في أمهرا، وقوى من عفار وأوروميا وغيرها. وهذه الجماعات لا تتبنى بالضرورة مشروعًا سياسيًا واحدًا، بل يجمعها في اللحظة الراهنة رفضها لمركزية السلطة في أديس أبابا ومصالح أمنية وسياسية متقاطعة.
وهذا التحالف قد يكون مصدر قوة مؤقتة للمعارضة المسلحة، لكنه في الوقت نفسه يحمل تناقضاته الداخلية. فالقضايا التي قسمت هذه القوى في الماضي لم تختفِ، وفي مقدمتها الأرض والحدود وتوزيع السلطة السياسية.
ولهذا فإن اتساع التحالف لا يعني بالضرورة قيام جبهة سياسية وعسكرية موحدة، وإنما قد يعني شيئًا آخر أكثر خطورة: تعدد مراكز القوة المسلحة داخل دولة واحدة. ولعل ذلك هو الذي يضرب مفهوم الدولة بمفهومها الحديث في مقتل . فالاصل هو ان تحتكر الدولة مؤسسات الاكراه المادي المشروع في سائر أراضيها.
وهذا هو السيناريو الذي يصعب على أي حكومة احتواؤه بالوسائل العسكرية وحدها.
إريتريا… العامل الذي قد يغيّر قواعد اللعبة
من جهة أخرى لا يمكن فهم التطورات الحالية بعيدًا عن إريتريا.
فالعلاقة بين أديس أبابا وأسمرا شهدت خلال السنوات الأخيرة انتقالًا من التقارب الذي أعقب اتفاق السلام الإثيوبي-الإريتري إلى توتر متزايد، خصوصًا حول قضية البحر الأحمر وموانئه ومستقبل العلاقة بين البلدين.
وتتهم الحكومة الإثيوبية إريتريا بدعم القوى المناوئة لها، بينما تنفي أسمرا هذه الاتهامات. وتشير تحليلات متعددة إلى أن التنافس الإثيوبي-الإريتري أصبح أحد العوامل الأساسية التي تجعل الأزمة الداخلية الإثيوبية قابلة للتحول إلى صراع إقليمي.
ولا ينبغي، مع ذلك، القفز إلى استنتاج أن حربًا مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا أصبحت حتمية. لكن مجرد وجود قوات ومصالح وتحالفات متداخلة على جانبي الحدود يجعل أي تصعيد في شمال إثيوبيا أكثر قابلية للانفلات.
السودان: الحدود التي يصعب أن تبقى محايدة
أما السودان، فإنه يمثل الحلقة الأخرى في هذه المعادلة.
فالحرب السودانية المستمرة منذ أبريل 2023 جعلت الحدود الشرقية للسودان مساحة شديدة الحساسية، تتقاطع فيها حركة اللاجئين والسلاح والقوات والمصالح الإقليمية. وفي الوقت نفسه، تتبادل الخرطوم وأديس أبابا الاتهامات بشأن دعم أطراف في الحرب السودانية، بينما تتزايد العلاقات بين السودان وإريتريا من جهة، وبين أطراف سودانية وإثيوبية مختلفة من جهة أخرى.
وهنا يصبح السؤال السوداني جزءًا لا يتجزأ من السؤال الإثيوبي.
فإذا توسعت الحرب داخل إثيوبيا، فإن شرق السودان يمكن أن يتحول من منطقة عازلة إلى امتداد للصراع، خصوصًا في ظل وجود روابط بين بعض القوى المسلحة الإثيوبية وأطراف داخل الساحة السودانية. وقد أشارت تحليلات حديثة إلى وجود عناصر من قوات تيغراي في شرق السودان، وإلى أهمية غرب تيغراي بالنسبة لخطوط الإمداد المتصلة بالسودان وإريتريا.
ومن هنا تصبح قدرة الخرطوم على إبقاء حدودها الشرقية خارج الحرب مسألة مرتبطة ليس فقط بقرار السودان، وإنما أيضًا بقدرة الدولة السودانية المنهكة على السيطرة على حدودها في ظل استمرار الحرب الداخلية.
البحر الأحمر حاضر في خلفية المشهد
ثمة بعد آخر لا ينبغي إغفاله وهو زالبحر الأحمر.
إثيوبيا دولة حبيسة منذ استقلال إريتريا، وتعتمد بصورة كبيرة على جيبوتي في تجارتها الخارجية. ولذلك فإن مسألة الوصول إلى البحر الأحمر ليست قضية اقتصادية محضة بالنسبة إلى أديس أبابا، وإنما ترتبط بصورة متزايدة بالأمن القومي والمكانة الجيوسياسية.
وفي المقابل، تنظر إريتريا إلى أي تحرك إثيوبي نحو البحر الأحمر باعتباره مسألة تمس أمنها الاستراتيجي مباشرة.
وهكذا أصبح الصراع الداخلي الإثيوبي مرتبطًا بمسألة أوسع: من يملك النفوذ على الممرات البرية المؤدية إلى البحر الأحمر؟ ومن يستطيع التأثير في البيئة الأمنية الممتدة من السودان إلى إريتريا وجيبوتي والصومال؟
إن الموقع الجغرافي الذي منح إثيوبيا وزنًا تاريخيًا في القرن الأفريقي قد يتحول، في لحظة الأزمة، إلى عامل يزيد من تكلفة الصراع.
وهنا ينبغي التوكيد على ان الخطر الحقيقي ليس سقوط مدينة… وإنما تفكك بنية الدولة
ربما يكون من الخطأ التركيز فقط على المكاسب والخسائر العسكرية اليومية.
فالأخطر هو احتمال تشكل أحزمة متصلة من عدم الاستقرار: تيغراي في الشمال، أمهرا في الوسط الشمالي، عفار على الممر المؤدي إلى جيبوتي، أوروميا في قلب الدولة، والحدود الغربية والشرقية المتأثرة بالحرب السودانية والتوترات الإقليمية.
وعندما تتزامن هذه الأزمات، فإن الدولة لا تواجه تمردًا واحدًا يمكن احتواؤه، وإنما تواجه مشكلة في إدارة الفضاء السياسي والأمني بأكمله.
وهذا تحديدًا ما يجعل المرحلة الحالية مختلفة عن حرب تيغراي الأولى.
فالحرب السابقة كانت، رغم اتساعها، تدور أساسًا حول صراع واضح بين الحكومة الفيدرالية وجبهة تيغراي وحلفائهما. أما اليوم، فإن المشهد أكثر تشظيًا، والتحالفات أكثر سيولة، والحدود الإقليمية أكثر حضورًا.
هل نحن أمام حرب جديدة؟
المؤشرات الحالية تجعل من الصعب وصف ما يحدث بأنه مجرد مناوشات عابرة. فالمواجهات توسعت جغرافيًا، وظهرت تحالفات مسلحة جديدة، وعادت الضربات الجوية والمدفعية، وتعطلت حركة الطيران في مناطق من الشمال. كما أعلنت الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي أن البلاد دخلت في حالة حرب شاملة، بينما تقول الحكومة الفيدرالية إنها تواجه هجمات من قوى مسلحة مدعومة من الخارج.
لكن وصف الوضع بأنه عودة كاملة إلى حرب 2020–2022 يحتاج إلى شيء من الحذر.
فالتحالفات الجديدة لم تختبر بعد قدرتها على العمل المشترك، ومصالح أطرافها ليست متطابقة، كما أن الحكومة الفيدرالية لا تزال تمتلك مؤسسات الدولة والجيش والقدرة على التحرك عبر مناطق واسعة.
لذلك، فإن المسألة الأكثر أهمية في هذه اللحظة ليست التنبؤ بمآل الحرب، وإنما تحديد نقطة التحول التي يمكن عندها أن يصبح احتواء الصراع أكثر صعوبة.
وهذه النقطة قد تكون دخول إريتريا بصورة مباشرة، أو توسع القتال باتجاه الممرات المؤدية إلى جيبوتي، أو انتقال المواجهات بصورة أكبر إلى الحدود السودانية، أو انضمام قوى إثيوبية جديدة إلى التحالف المناهض للحكومة.
القرن الأفريقي أمام اختبار جديد
ما يحدث في إثيوبيا لا ينبغي أن يُقرأ بمعزل عن التحولات التي يشهدها القرن الأفريقي.
فالسودان يعيش حربًا مفتوحة، والعلاقة الإثيوبية-الإريترية متوترة، والصومال يواجه تحديات أمنية وسياسية معقدة، بينما أصبحت منطقة البحر الأحمر ومضيق باب المندب جزءًا من تنافس دولي وإقليمي متزايد.
وفي مثل هذه البيئة، يمكن لصراع داخلي في دولة بحجم إثيوبيا أن يتحول بسرعة إلى أزمة تتجاوز حدودها.
ولهذا فإن الخطر الأكبر ليس فقط أن تعود إثيوبيا إلى الحرب، وإنما أن تتزامن حرب إثيوبية جديدة مع الحرب السودانية، فتتشكل جبهة اضطراب ممتدة من البحر الأحمر إلى داخل القرن الأفريقي.
ما العمل؟
الدرس الأهم من حرب تيغراي السابقة هو أن الحل العسكري قد يوقف المعركة، لكنه لا يعالج بالضرورة جذور الأزمة.
إثيوبيا تحتاج إلى تسوية سياسية أوسع من اتفاق بين طرفين. تسوية تعيد النظر في العلاقة بين المركز والأقاليم، وتعالج قضية الأراضي المتنازع عليها، وتضع ترتيبات واضحة بشأن القوات المسلحة الإقليمية، وتفتح المجال أمام حوار سياسي حقيقي بين القوى الإثيوبية المختلفة.
وفي الوقت نفسه، يحتاج القرن الأفريقي إلى مسار دبلوماسي موازٍ يمنع تدويل الصراع الإثيوبي عبر الحدود، ويحول دون استخدام السودان أو إريتريا أو أي دولة أخرى كساحة خلفية للصراع الإثيوبي.
إن أخطر ما في المشهد الراهن أن الحدود بين الحرب الأهلية والحرب الإقليمية أصبحت غير واضحة تماما.
وقد تكون إثيوبيا اليوم أمام لحظة مفصلية: إما أن تنجح في تحويل الصراع من ميدان السلاح إلى ميدان السياسة، أو أن تدخل في دورة جديدة من الحرب قد تكون أكثر اتساعًا من حرب تيغراي السابقة، ليس فقط لأن عدد الأطراف أصبح أكبر، وإنما لأن البيئة الإقليمية المحيطة بها أصبحت أكثر هشاشة أيضًا.
وفي القرن الأفريقي، لا تبقى الحروب داخل حدود الدول طويلًا.
فحين تضعف الدولة في مركز الإقليم، تبدأ الحدود في التحول من خطوط تفصل الصراعات إلى ممرات تنتقل عبرها هذه الحروب.


