
أزمة الليبرالية الجديدة وصعود «المخادع»: تشريح هيكلي للظاهرة الترامبية
بقلم: سعود المولى
التاريخ: 29 تموز/يوليو 2026
خلاصة: يظهر جلياً أن «الترامبية» في عهدتها الثانية لم تعد مجرد ظاهرة استثنائية عابرة أو مجرد عَرَض مرتبط بشخصية رئيس نيويوركي مشاكس، بل هي الانعكاس السياسي الصارخ لأزمة هيكلية وعضوية عميقة يعاني منها نموذج الليبرالية الجديدة الذي ساد أميركا والعالم منذ نهاية القرن العشرين. إن مواجهة الترامبية ومستقبل النظام العالمي لا يكمنان في البكاء على أطلال نظام قديم أثبتت التحولات الواقعية تهافته وعدم قدرته على الاستمرار، بل في صياغة برنامج سياسي واقتصادي جديد وجريء يرسخ توازناً حقيقياً بين التنمية والعدالة الاجتماعية، ويؤسس لنموذج ملموس من «الديمقراطية الاقتصادية».
شهد مطلع عام 2025 حدثاً مفصلياً في التاريخ الحديث بإعادة انتخاب الملياردير النيويوركي دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة الأميركية. وعلى الرغم من أن القراءات الأولية اختزلت هذا الحدث في سياق المداولة السياسية التقليدية أو نظروا إليه كمجرّد «عودة إلى السلطة» لزعيم مثير للجدل، كشفت التحولات اللاحقة عن زلزال أيديولوجي وجيو-سياسي غير مسبوق تجاوز كل التوقعات، ليكون إيذاناً بـ«تسونامي» أعاد ترتيب رقعة الشطرنج العالمية.
لقد دشّن «ترامب الثاني» قطيعة جذرية ليس مع عقائد السياسة الخارجية الأميركية المستقرة فقط، بل حتى مع نمطية ولايته الأولى، منتقلاً بـ«الدولة الأعظم» من مربّع إدارة المنافسة التقليدية وحماية التحالفات التاريخية تحت مظلة القوانين، إلى عهد جديد يقوم على الواقعية القاسية والبراغماتية النفعية العارية التي لا تعترف إلا بموازين القوى.
ومن خلال تفكيك الالتزامات الاستراتيجية تجاه حلف الناتو، والمقاربة النفعية القسرية لملف الحرب الأوكرانية، وإعادة رسم خريطة النفوذ في الشرق الأوسط وفق صفقات أمنية واقتصادية مباشرة؛ يطرح ترامب في عهدته الجديدة نموذجاً للحكم يتجاوز القواعد والمؤسسات الثابتة. ولم تكن عودة ترامب مجرد تبدّل عابر في هوية ساكن البيت الأبيض، بل أصبحت بمنزلة العَرَض الأبرز للتصدّع العضوي في بنية النظام الدولي الليبرالي، ومرحلة انتقالية حاسمة نحو عالم فوضوي متعدد الأقطاب، تحكمه الحسابات المادية وتصادم الإرادات الصلبة للقوى الكبرى.
الجذور التاريخية والصراع بين العولمة والمحافظين
لتفكيك ظاهرة الترامبية وفهم أبعادها العميقة، لا يمكن الاكتفاء بقرائتها كحدث عابر، بل يجب رصد التحولات البنيوية الكبرى التي طرأت على النظام الدولي والسياسة الداخلية للولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، والتي تبلورت عبر مرحلتين تاريخيتين أساسيتين مهدتا الطريق للوضع الراهن:
أولاً، مرحلة القطبية الثنائية وتوازن القوى (1947–1991): تأسست عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية، وتميزت بوجود نظام قطبي متوازن ومحكم تقاسمته الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي كقوتين عظميين قادتا دفة الصراع الأيديولوجي والسياسي والعسكري في العالم. خلال هذه المرحلة، صيغت السياسة الخارجية الأميركية ضمن أطر مؤسسية وتحالفات دولية واضحة تهدف إلى احتواء الخصم الأيديولوجي، ما فرض على واشنطن التزاماً صارماً بالقواعد الدبلوماسية التقليدية ودعم المنظومة الدولية متعددة الأطراف كأداة لشرعنة نفوذها وإدارته.
ثانياً، مرحلة التفرد والهيمنة أحادية القطب (1991–2024): شهدت انهيار المعسكر الاشتراكي وتفكك الاتحاد السوفياتي، ما أفسح المجال للولايات المتحدة للتفرد بالهيمنة العالمية المطلقة. ومع مطلع التسعينيات، بدأت هذه السيطرة تكتسي صبغة أيديولوجية جديدة عُرفت بـ«الليبرالية اليسارية التقدّمية»، وهي استراتيجية قائمة على تحالف وثيق وزواج مصلحي بين رأس المال الدولي العابر للحدود وبين ثقافة فردية عالمية تدعو للحقوق والحريات الفردية وتجاوز الهويات الوطنية. ولم تكن هذه الرؤية حكراً على الحزب الديمقراطي، بل تبنّاها بحماس تيار «المحافظين الجدد» داخل الحزب الجمهوري. واشترك الطرفان في إيمان راسخ بحتمية النمو الخطي المستمر للاقتصاد المعولم، وتعميم النموذج الأميركي كنموذج إنساني أوحد. وظلت هذه الاستراتيجية الموجه الأساسي لعهود الرؤساء المتعاقبين من كلينتون، مروراً ببوش الابن، ووصولاً إلى أوباما ثم بايدن.
”وضعت التحولات الجيوسياسية المتسارعة «الدولة العميقة» والنخب المعولمة في واشنطن أمام مأزق تاريخي حقيقي: فإما مواصلة الضغط لفرض الأحادية القطبية بالقوة والمحاصرة السياسية، وإما الاعتراف بحدود القوة الأميركية.”
على الرغم من رواج أطروحة «نهاية التاريخ» لفوكوياما، إلا أن أصواتاً مثل صامويل هانتنغتون حذرت مبكراً من وهم هذه المقاربة، متوقعاً حتمية الدخول في طور «صدام الحضارات». ومع دخول القرن الحادي والعشرين، تحولت هذه التوقعات إلى واقع ملموس، فخرجت روسيا تدريجياً من عباءة التبعية لتعيد تعزيز سيادتها (مؤتمر ميونيخ 2007، جورجيا 2008، القرم 2014، وحرب أوكرانيا 2022). يضاف إلى ذلك الصعود الصيني المستقل والذكي الذي وظف العولمة اقتصادياً ووضع خطوطاً حمراء أمام التمدد الليبرالي، فضلاً عن صعود الهند البراغماتي.
أيضاً، أثبت الواقع الميداني لتكتل «بريكس» حدوده، فهو لا يمثل قطباً سياسياً موحداً بل تجمعاً هجيناً تحكمه التناقضات، ويعجز عن اتخاذ تموضع مشترك إزاء حروب أوكرانيا وغزة ولبنان بسبب الحذر الصيني من الانجرار لصدام مع الغرب وتفضيلها حماية مصالحها التجارية، خاصة في ظل تلويح ترامب بحرب تجارية خانقة.
هذه التحولات الجيوسياسية وضعت واشنطن أمام مأزق، وهي البيئة التي استثمرها ترامب ليقدم رؤيته القائمة على الصفقات بدلاً من الشعارات الفضفاضة.
بنية السلطة وآليات إدارة الدولة: الخروج عن النمط التقليدي
لا يمكن اختزال «الترامبية» في مجرد شعارات انتخابية؛ بل يتعين فحص الهيكل الفعلي لإدارة مؤسسات الدولة تحت قيادة ترامب عبر مفهومين:
استقلالية السلطة التنفيذية في ظروف الأزمات: حيث يضيق الهامش البرلماني، ما يمنح الرئيس مساحة للتحرك الفردي لتفكيك القواعد القديمة.
الإدارة القائمة على الولاء الشخصي والشبكات الخاصة: وهو استبدال «السلطة القانونية العقلانية» بالولاءات الشخصية (النموذج التراثي الفيبري)، حيث تُمنح الوظائف بناءً على الولاء المطلق وليس الكفاءة.
في ولاية ترامب الأولى، واجه هذا الأسلوب ممانعة من مؤسسات الدولة العميقة و«العقلاء في الغرفة». لكن في الولاية الثانية، تلاشت هذه الكوابح، ونجحت الإدارة في تفكيك مراكز الممانعة البيروقراطية لبناء طاقم تنفيذي يدين بالولاء المطلق، ما مهد لحكم يتسم بتركيز شديد للسلطة الرئاسية وتسييس القوانين.
”يبتعد الأسلوب القائم على «المنفعة المتبادلة» عن القواعد والاتفاقيات الدولية المستقرة، ما يسبّب تصدعات مستمرة مع الشركات العابرة للحدود وقطاعات التكنولوجيا والمال العالمية التي تفضل بيئة قانونية عامة ومتوقعة على الصفقات المخصصة والمتقلبة.”
الأبعاد النفسية والأنثروبولوجية لشخصية ترامب القيادية
يمثل ترامب تجسيداً سياسياً لنمط «المخادع» (The Trickster) أو «المشاكس» في الأنثروبولوجيا؛ الفاعل الذي يستمد قوته من كسر القواعد وخلق فوضى منظمة لإعادة صياغة اللعبة. يُنظر إليه شعبياً كـ«متمرد محارب» يقف وحيداً ضد المنظومة.
”لا يتجنب ترامب الفضائح السياسية أو الجدل الإعلامي بل يتغذّى عليهما؛ إذ يستغل كل هجوم ضده لتعزيز سردية «المستهدف من قبل النخبة المتآمرة»، ما يوثق روابط الانتماء العاطفي والولاء الأعمى بينه وبين قاعدته.”
ويشكل هجومه الممنهج على سياسات التنوع والدمج (DEI) أو «الووك» مرتكزا أساسياً، إذ يصورها كـ «هندسة اجتماعية قسرية»، مقدماً بديلاً يدمج البراغماتية الشعبية بالواقعية السياسية كدفاع مشروع عن القيم التقليدية.
تفكيك النظام الدولي والسياسة الخارجية لـ «ترامب الثاني»
حدث انتقال جذري ومفصلي في السياسة الخارجية الأميركية؛ من إدارة التزامات دولية إلى عملية تفكيك ممنهج لهذا الإرث المؤسساتي لصالح العودة إلى منطق «الواقعية السياسية للقرن التاسع عشر». تم إحلال «الروافع الاقتصادية الجمركية» محل المبادئ الأمنية كأدوات ضغط لانتزاع تنازلات.
في الملف الأوكراني، تضغط الإدارة لإنهاء الحرب من منظور “تجاري نفعي” يهدف لتجميد الواقع الميداني والمقايضة، وهو ما يصطدم برفض بوتين لأي تجميد لا يضمن أهدافه الاستراتيجية كاملة.
في الشرق الأوسط، تتبنى واشنطن انحيازاً لحكومة نتنياهو لكن بخلاف تكتيكي حاد؛ فبينما تسعى أميركا لكبح التصعيد مع إيران ولبنان لتأمين الملاحة الدولية ومنع حرب شاملة، يصر نتنياهو على استغلال اللحظة لضرب العمق الإيراني وفرض شروط أمنية في لبنان، محرجاً الإدارة الأميركية.
أما حلف الناتو، فقد حوّلته إدارة ترامب إلى ما يشبه «شركة تأمين تجارية» تقايض الحماية العسكرية بالإنفاق المالي، ما يفرض على أوروبا مواجهة أزمة وجودية تدفعها للبحث عن «سيادة استراتيجية» حقيقية.
آليات الاستجابة السياسية والمجتمعية البديلة
أمام هذا التحول، شهد الشارع الأميركي حراكاً معارضاً، لكنه يعاني من ثغرات استراتيجية تتطلب إعادة التفكير وفق محورين:
تجاوز حماية «الوضع القائم» نحو بناء بدائل: إن المراهنة على التحالف مع الحزب الديمقراطي وصلت لطريق مسدود، فالسياسات التقشفية التي تبنتها النخبة الديمقراطية هي التي غذت صعود الترامبية.
من الاحتجاجات الموسمية إلى العمل التنظيمي المستدام: يجب مأسسة الحراك في نقابات وروابط تلبي المصالح المادية المباشرة، كما ظهر في تجارب سياسية واعدة مثل حملة زهران ممداني في نيويورك.
”السياسات الاقتصادية والخدمية التي تبنتها النخبة الديمقراطية لعقود، واتسمت بالتقشف وإهمال القطاعات الخدمية والصناعية المحلية، هي التي أوجدت بالأساس حالة التهميش الاقتصادي والاجتماعي التي غذّت الصعود الشعبي للترامبية.”
ما بعد الترامبية والبحث عن بدائل تاريخية
في التحليل الأخير، الترامبية هي الانعكاس الصارخ لأزمة نموذج الليبرالية الجديدة. وعلى الصعيد الدولي، يفتح هدم القواعد المشتركة الباب لعصر القوة الصلبة والصفقات الفردية. لكن مواجهة هذا المد لن تتحقق بالمراهنة على إنعاش الخطاب الليبرالي القديم، بل بمهمة تاريخية تتمثل في بناء تنظيمات تمثيلية مستقلة ترتبط بالعمل القاعدي وقطاعات الخدمات الاستراتيجية، لصياغة برنامج سياسي واقتصادي جديد يؤسس لـ«الديمقراطية الاقتصادية» ويضع تطلعات الفئات الشعبية في صدارة صناعة القرار.