حصان طروادة أم مراجعات متأخرة: هل يعيد إبراهيم الشيخ تدوير أزمة النخبة عبر بوابة الحوار؟

متابعات أفرابيا برس
يشهد المشهد الرقمي السوداني تفاعلات حادة تعكس عمق الشرخ الحاصل بين النخب الحزبية الفاعلة وقواعد الشارع، ويتجلى ذلك بوضوح في الجدل الذي أثاره المنشور الأخير للسيد إبراهيم الشيخ، القيادي بحزب المؤتمر السوداني وزير الصناعة الأسبق. فعندما يعود سياسي مخضرم ليطرح شعارات قبول الآخر وضرورة رتق النسيج الاجتماعي بعد خراب البقعة السودانية، فإن هذا الطرح لا يقرأ في فراغ، بل يرتطم بموج عارم من الذاكرة المجروحة والاتهامات المتبادلة التي تفضح هشاشة الممارسة السياسية التقليدية.
يحمل نص إبراهيم الشيخ في طياته محاولة واضحة لتقديم قراءة نقدية للمشهد، ترتكز على الاعتراف بأن جذور الأزمة تعود إلى التأسيس الخاطئ للعمل السياسي منذ مقاعد الدراسة الجامعية وتصدير ثقافة الإقصاء الحزبي. يقر القيادي بمرارة أن سياسات إلغاء المغاير أفرزت أحقاداً تاريخية عميقة، ليدعو في نهاية المطاف إلى ضرورة التوافق، وتقديم التنازلات، وإعلاء مصلحة الوطن فوق الحسابات الضيقة، مقرراً أن وقف الحرب يمثل المدخل الإلزامي لأي حوار وطني جاد يفضي إلى دولة الديمقراطية والعدالة الانتقالية.
في المقابل، جاءت ردود الفعل لتكشف عن جدار كثيف من انعدام الثقة، وتجسد ذلك بأجلى مظاهره في الطرح النقدي الذي سلط الضوء على الإقصاء المتعمد والممارسات العنصرية البغيضة، وكيف أن النخبة السياسية حصرت إدارتها للدولة في ضيق جغرافيا معينة متجاهلة بقية مناطق السودان، فضلاً عن رفض الجلوس مع الشركاء وقادة الحركات وتوظيف اتفاقيات السلام لمصلحة النخبة الشمالية. هذا الرد الجذري فضح كيف أن فترة الحكم القصيرة كشفت عن ممارسات أقصت الآخرين تاريخياً وجهوياً، مما يطرح السؤال المشحون بقوة: هل يكون إبراهيم الشيخ “حصان طروادة” القادم إلى الحوار المرتقب؟ ويزداد هذا التساؤل إلحاحاً حين يرتبط بالذاكرة البصرية الحية وتلك الصورة الشهيرة التي تجمع القيادي بالمكون العسكري وهو خارج من القيادة العامة، مما يوحي بأن مثل هذه الخطابات قد لا تعدو كونها تمهيداً هندسياً لإعادة تدوير الوجوه والتحالفات عبر تسويات فوقية جديدة.
تكشف هذه المبارزة الفكرية عن مأزق حقيقي يواجه أي مشروع وطني مستقبلي في السودان، حيث تفصل مسافة شاسعة بين لغة العقل والواقعية السياسية التي تتحدث بها القيادات المأزومة، وبين لغة الثأر التاريخي والعدالة الغائبة التي ينطق بها الشارع. إن محاولات تبييض الصفحات أو القفز على محطات الفشل الهيكلي عبر مقالات فيسبوكية لن تنجح في ردم الهوة، ما لم ترتكز على مصارحة جماعية شاملة تسائل أخطاء الماضي وتضع أسسًا جديدة للمواطنة المتساوية بعيدًا عن احتكار القرار السياسي والمحاصصات النخبوية.


