صحيفة تركية: معادلة جديدة في السودان.. التفوق الجوي يكسر شوكة التمرد ويزلزل حلفاء الميليشيا

بعد مرور أكثر من ثلاث سنوات على اندلاع الحرب المدمرة في أبريل 2023، لم يعد الصراع في السودان يُؤطَر وفق السردية القديمة التي تصفه بأنه “صراع على السلطة بين جنرالين”، كما روجت لذلك وسائل الإعلام العالمية بشكل مضلل.
فعلى مدار أكثر من 30 شهراً، اتخذ هذا الصراع شكل تمرد غادر شنته قوات الدعم السريع، وهي مجموعة شبه عسكرية، ضد الدولة الشرعية. وخلال هذه المسيرة، خاضت القوات المسلحة السودانية دفاعاً شاملاً عن الوطن في مواجهة هذه الشبكة الإرهابية غير المتناظرة، ليس فقط باعتبارها جهة عسكرية، بل بوصفها الممثل الشرعي للشعب السوداني والحارس الوحيد للنظام الدستوري وبقاء الدولة.
مع ذلك، أحدث الشهرين الماضيْين تحولاً هيكلياً وجذرياً في هذا الوضع المستعصي، مدفوعاً بدمج الدولة الشرعية لتقنيات عسكرية ثورية في الخطوط الأمامية، وتغير التحالفات الإقليمية، وإعطاء الأولوية المطلقة لسيادتها في مواجهة الهياكل الموازية.
ولتقييم المسار الحالي للأزمة السودانية بدقة، يجب تحليل الشبكة العالمية التي تربط بين التطورات العسكرية التقنية المسجلة خلال الشهرين الماضيين، وفشل الأطر الدبلوماسية المجزأة التي سعت إلى المساواة بين الدولة الشرعية والميليشيات غير الشرعية، والضرورات الاستراتيجية لحماية آليات الدولة على الجبهة الداخلية.
الطائرات المسيرة تعيد توزيع موازين القوة
طوال عامي 2024 و2025، احتفظت ميليشيات الدعم السريع بمزايا تكتيكية معينة بفضل قدرتها التنقلية الجغرافية الواسعة وتكتيكاتها في حرب العصابات. وقد تغذت هذه الميزة بفضل أطراف إقليمية خارجية زودتها بشتى أنواع الذخائر الحديثة، بما في ذلك طائرات تكتيكية بدون طيار (مسيّرات) صينية الصنع. ومع ذلك، شهد المشهد العسكري في مايو ويوفر (يونيو) 2026 ثورة تقنية حطمت هيمنة الدعم السريع غير المتناظرة في الأجواء.
وكان المحفز الأبرز لهذا التحول هو الاندماج الكامل لتقنيات الصناعات الدفاعية التركية، لا سيما مسيّرة “بيرقدار أقنجي” (Bayraktar Akıncı)، ضمن العقيدة العملياتية للجيش السوداني. فقد أدت سلسلة من الاشتباكات التاريخية في المجال الجوي السوداني خلال الشهرين الماضيين إلى تحويل مسيّرة “أقنجي” إلى آلية لتحييد الأصول الجوية للعناصر المتمردة.
ففي مايو 2026، حقق الجيش السوداني إنجازاً سيخلده التاريخ العسكري: حيث نفذ أول عملية اعتراض مؤكدة أسقطت فيها طائرة مسيّرة تابعة له طائرة مسيّرة استراتيجية معادية أخرى باستخدام صاروخ جو-جو. لم تكن هذه الحادثة نجاحاً معزولاً؛ فبعد أسابيع، وفي منطقة تندلتي بولاية النيل الأبيض، اعترضت طائرة “أقنجي” تابعة للجيش السوداني طائرة استطلاع استراتيجية صينية الصنع من طراز CH-95 (FH-95) كانت تستخدمها قوات الدعم السريع في الجو، ودمرتها إصابة مباشرة باستخدام ذخائر جو-جو من إنتاج شركة “روكيستان” (Roketsan). وفي الوقت ذاته، تم تحييد طائرة ثانية من طراز CH-95 على الأرض قبل أن تتمكن حتى من الإقلاع.
إن تداعيات هذا التطور على الاستراتيجية العسكرية العالمية هائلة. تاريخياً، كان تحييد تهديدات المسيّرات على الارتفاعات المتوسطة والعالية يتطلب استهلاك ساعات طيران لمقاتلات مأهولة تكلف ملايين الدولارات، أو نشر بطاريات صواريخ أرض-جو باهظة الثمن بشكل فاحش. ومن خلال استخدام منصة “أقنجي” المزودة بصواريخ جو-جو، نجح الجيش السوداني في إرساء طبقة فعالة من حيث التكلفة لمكافحة الطائرات بدون طيار (Counter-UAS) في الأدبيات العسكرية العالمية.
إن الاستهداف المنهجي لأصول الاستطلاع الجوي والضربات الرئيسية التابعة لقوات الدعم السريع بهذه الطريقة يعني أن خطوط إمدادها عبر إقليمي دارفور وكردفان الواسعين قد أصبحت مكشوفة بالكامل وغير محمية. وقد أدى تحقيق الجيش السوداني لهذه التفوق الجوي المطلق إلى شلل استراتيجي في الزخم الهجومي للممردين في ولايتي الخرطوم وولاية الجزيرة، عبر قطع دبر المرتزقة وقوافل الأسلحة الثقيلة التي تحاول التسلل من الحدود الغربية للسودان.
الدرس التاريخي لتركيا
بينما تُعاد صياغة ساحة المعركة بواسطة الابتكار التقني، كشفت التطورات على الساحة الدبلوماسية خلال الشهرين الماضيين مرة أخرى عن حدود وضُعف نماذج الوساطة الدولية التقليدية. فقد تعثرت مسارات السلام متعددة القنوات، بدءاً من منصة جدد وصولاً إلى أطر الاتحاد الإفريقي ومبادرات الوساطة المختلفة التي تركز على أوروبا، بسبب عيب منطقي أساسي واحد: إصرار الوسطاء الدوليين على معاملة جيش شرعي يمثل دولة سيادية راسخة ومجموعة إرهابية شبه عسكرية غير شرعية ككيانين متساويين أخلاقياً وقانونياً.
من منظور الهوية الوطنية للسودان ومستقبله، لا يمكن الاعتراف بقوات الدعم السريع كطرف سياسي شرعي. فالتقارير التي نشرتها منظمات حقوق الإنسان ولجان المقاومة المحلية على مدار الستين يوماً الماضية توثق أن ميليشيات الدعم السريع تورطت في عمليات نهب ممنهجة، وتخريب متعمد للبنية التحتية، وأعمال عنف ترقى إلى مستوى التطهير العرقي. إن قصف الجسور والمستشفيات ومحطات معالجة المياه في العاصمة والولايات المجاورة ليس أضراراً جانبية حتمية للحرب، بل هو استراتيجية متعمدة تهدف إلى تدمير النسيج الاجتماعي والمادي للدولة السودانية.
وفي هذه النقطة بالتحديد، يحمل الواقع الذي يفرضه السودان على العالم اليوم تشابهاً مخيفاً مع نضال تركيا المستمر في الماضي ضد هياكل الدولة الموازية الخبيثة المدعومة من الخارج، مثل تنظيم فتح الله غولن الإرهابي (FETÖ). إن الدرس الأساسي الذي تبرهنه عقيدة الدولة العادلة في أنقرة للعالم أجمع هو: لا يمكن أبداً التضحية بالأمن القومي وبقاء الدولة على طاولة المفاوضات عبر اتفاقيات تقاسم سلطة مصطنعة.
وكما تعلمت تركيا من تجربتها المريرة أن الدولة لا يمكنها البقاء في ظل وجود “آلية دولة موازية” تتغلغل في القضاء وإنفاذ القانون والجيش، وقامت باجتثاث هذا التهديد من جذوره، فقد أدرك السودان الآن، عبر إراقة دماء هائلة، أنه لا يمكن التعايش بين جيشين متوازيين داخل دولة واحدة. إن أي صيغة دبلوماسية تحاول إبقاء قوات الدعم السريع داخل النظام ككيان مسلح مستقل أو شبه مستقل لن تكون سوى ضمان لحرب أكبر وأكثر عنفاً في المستقبل. ولهذا السبب، فإن الإرادة السياسية في السودان واضحة جلية: السلام ممكن حصراً وبشروط تامة تقضي بحل قوات الدعم السريع بالكامل واستعادة احتكار الدولة الشرعي لاستخدام القوة.
تغير التحالفات الإقليمية
يُلاحظ أيضاً تحول كبير في المعادلة الجيوسياسية المحيطة بالسودان. ففي يوم الحرب الأول، قدمت قوى إقليمية معينة دعماً لوجستياً ومالياً ودبلوماسياً كبيراً لقوات الدعم السريع. غير أن الحقائق العسكرية لمنتصف عام 2026 أجبرت الأطراف الخارجية على إعادة تقييم هذه الاستثمارات. فعدم قدرة الدعم السريع على الاحتفاظ بمراكزها الاستراتيجية والخسائر الفادحة التي تكبدتها أمام أنظمة الدفاع الجوي المتقدمة تحولها إلى عبء سياسي يصعب تحمله بالنسبة لداعميها الخارجيين.
في الوقت ذاته، زادت الدول المجاورة مثل تركيا ومصر والسعودية بشكل ملحوظ من دعمها للقوات المسلحة السودانية. و مرد ذلك إدراك هذه الدول التام بأن السودان المجزأ والخاضع لسيطرة الميليشيات سيؤدي إلى زعزعة استقرار حوض البحر الأحمر بأكمله ومنطقة القرن الأفريقي، مما يضر بدوره بتجارة البحر الملاحية العالمية ويطلق العنان لموجات هجرة ضخمة.
وفي هذا السياق، تبرز الشراكة الاستراتيجية العميقة التي طوّرها السودان مع تركيا نموذجاً ناجحاً للتعاون الدفاعي الثنائي. فعلى عكس التدخلات التي تقودها الدول الغربية، تركز نهج أنقرة على تعزيز مؤسسات الدولة السودانية الشرعية ورفع قدرتها على الدفاع عن نفسها. لم تقتصر تركيا على بيع الأسلحة للسودان، بل نقلت التفوق التقني اللازم لكي يحمي السودان سيادته بنفسه. ويُعد هذا الدليل الأكثر تجسيداً على أن الاستقرار الإقليمي الحقيقي لا يتحقق عبر وصفات سياسية مفروضة من الخارج، بل عبر ترسيخ قدرات الدولة.
تطلعاً إلى المستقبل
بينما تواصل القوات المسلحة السودانية تقدمها على الأرض وتأمين خطوط الإمداد الحيوية، تتطلب الفترة القادمة استراتيجية ذات مسارين: الحفاظ على الجاهزية العسكرية من جهة، ورسم ملامح هيكلة عملية الانتقال المؤسسي ما بعد الحرب من جهة أخرى. وتتمثل الأولوية الأكثر إلحاحاً في الأشهر القادمة في تحقيق الاستقرار في المناطق المحررة، وضمان عودة آمنة للملايين من النازحين، وإعادة فتح الأحواض الزراعية في القضارف والجزيرة للإنتاج لمواجهة خطر المجاعة المصطنعة الناجمة عن حصار الميليشيات.
على الصعيد السياسي، يجب على الحكومة السودانية إطلاق مسار حوار وطني يستبعد شبكات الإجرام الملطخة بالدماء ويضم المجتمع المدني، والقيادات القبلية، وكافة الأطراف التي تؤمن بالديمقراطية الدستورية. لقد أعادت هذه الحرب صياغة العقد الاجتماعي للسودان. وقد أثبت الصمود الذي أبداه المواطنون العاديون والأطباء وشبكات التضامن المحلية طوال الأزمة أن مستقبل السودان ليس ملكاً لأمراء الحرب، بل للشعب السوداني نفسه.
لقد أعلنت العمليات العسكرية الحرجة التي نفذت في مايو ويوليو 2026 للعالم أجمع أنه لا يمكن تدمير الدولة السودانية. إن المزج بين التحديث التقني في ساحة المعركة والموقف الرافض للتنازل عن السيادة على طاولة المفاوضات قد كسر شوكة التمرّد. إن رسالة السودان إلى المجتمع الدولي واضحة للغاية: الدبلوماسية الحقيقية تتطلب حماية وحدة الدولة في مواجهة فظائع الميليشيات والإقرار بأن سيادة السودان غير قابلة للتفاوض.
ميادة كمال الدين
أستاذ مساعد في قسم العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة توقات غازي عثمان باشا – تركيا
المصدر صحيفة ديلي صباح التركية