تقارير وحوارات

لقاء خاص مع رئيس الاتحاد الدولي لرواد الأعمال: السودان لا يحتاج إلى الشفقة… يحتاج إلى شراكة

​طاقات السودان في المهجر.. من رسائل الحنين إلى صناعة الفرص الاستثمارية

لقاء خاص مع رئيس الاتحاد الدولي لرواد الأعمال: السودان لا يحتاج إلى الشفقة… يحتاج إلى شراكة
محمد النور شريف نريد أن ننتقل من الحديث عن الاستثمار إلى تنفيذه

بين وطن يبحث عن خيط ضوء في نفق طويل، وجالية سودانية في الخارج تختزن خبرات وعلاقات وطاقات معطلة، يقف محمد النور شريف، رئيس الاتحاد الدولي لرواد الأعمال والمستثمرين السودانيين في الخارج، ليطرح السؤال الأصعب: لماذا ننتظر؟ ولماذا تبقى هذه الجالية ذاكرة حنين ورسائل دعم، بدلاً من أن تتحول إلى قوة اقتصادية منظمة، لها مشاريعها وحضورها وقدرتها على صناعة الفرص؟
هذا ليس حواراً عن شعارات، بل عن مشاريع. وليس حديثاً عن الأموال وحدها، بل عن الخبرات والعلاقات والثقة. وهنا نص اللقاء.
حاوره من بيرنقهام ناصر فراج

س: عرّفنا بنفسك وبالاتحاد الذي ترأسه؟

محمد النور شريف: أنا محمد النور شريف، رئيس الاتحاد الدولي لرواد الأعمال السودانيين والمستثمرين في الخارج.

الاتحاد ليس مجرد اسم أو كيان شكلي. هو محاولة جادة لجمع السودانيين الناجحين في مختلف دول العالم، وربطهم بالسودان ليس بالعاطفة فقط، بل بالفرص والمشاريع.

نريد منصة عملية: رأس المال يلتقي بالفرصة، والخبرة تلاقي المشروع، والمستثمر يجد السوق. باختصار: تحويل الجهود الفردية إلى قوة اقتصادية منظمة.

ثانياً: لماذا السودانيون في الخارج؟

س: ما الذي يجعل السودانيين في الخارج ورقة مهمة في الاقتصاد السوداني؟

محمد النور شريف: لأنهم طاقة اقتصادية هائلة. لدينا رجال أعمال، مهندسون، أطباء، مصرفيون، مستثمرون، وأصحاب شركات يمتلكون خبرات وعلاقات دولية واسعة.

المشكلة ليست في غياب الكفاءات، بل في عدم تنظيمها. عندما تتحول هذه الخبرات من جهود فردية إلى شبكة واحدة، تصبح قادرة على المشاركة في إعادة البناء والتنمية.

السودانيون في الخارج قوة اقتصادية وليست مجرد جالية.

ثالثاً: لماذا الاستثمار الآن؟

س: السودان مرّ بظروف صعبة جداً. لماذا تتحدثون عن الاستثمار في هذا الوقت؟

محمد النور شريف: لأن الأزمات، رغم قسوتها، تخلق احتياجات وفرصاً جديدة.

السودان يحتاج إلى إعادة بناء البنية التحتية، الطرق والجسور، الطاقة، الزراعة، الصناعة، النقل والخدمات. هذه ليست احتياجات إنسانية فقط، بل مشاريع اقتصادية قادرة على خلق فرص عمل وإعادة النشاط إلى السوق.

الفرصة لا تأتي عندما يصبح كل شيء مثالياً. الفرصة تُصنع عندما يقرر الناس أن يبنوا رغم الصعوبات.

رابعاً: أين الفرص؟

س: ما القطاعات الأكثر جاذبية للاستثمار؟

محمد النور شريف: القطاعات كثيرة، وأهمها:

· التعدين والموارد الطبيعية.
· الزراعة والصناعات الغذائية.
· الطاقة والكهرباء والطاقة الشمسية.
· الطرق والجسور والبنية التحتية.
· النقل والخدمات اللوجستية.
· الصناعة والتجارة.
· التكنولوجيا والخدمات الرقمية.

لكن ليس كل مشروع مناسباً لكل مستثمر. الاستثمار الصحيح يبدأ بدراسة جدوى حقيقية، ودراسة سوق، ومخاطر، وتمويل، وإطار قانوني واضح.

خامساً: سودانيون فقط أم الجميع؟

س: هل الاتحاد يبحث عن مستثمرين أجانب أم سودانيين فقط؟

محمد النور شريف: نرحب بالجميع.

السوداني في الخارج يمكن أن يكون مستثمراً، ويمكن أن يكون شريكاً لمستثمر أجنبي. هدفنا بناء شراكات بين السودان والأسواق العالمية، وليس إغلاق السوق على أحد.

السودان يحتاج إلى رأس المال، والخبرة، والتكنولوجيا، والأسواق. وهذه العناصر موجودة في دول كثيرة حول العالم.

سادساً: ما الذي يخيف المستثمر؟

س: ما أكبر مشكلة تواجه المستثمر في السودان؟

محمد النور شريف: المستثمر يريد ثلاثة أشياء أساسية:

1. وضوحاً في الإجراءات.
2. ضماناً قانونياً.
3. معلومات دقيقة.

عندما يعرف المستثمر ماذا سيستثمر، وكيف يحصل على التراخيص، وما حقوقه والتزاماته، وكيف يحوّل أرباحه، وكيف تُحمى استثماراته، تصبح الصورة أكثر وضوحاً.

لهذا نؤكد دائماً على أهمية البيئة الاستثمارية الجاذبة، والشفافية، والحوكمة.

سابعاً: كيف تُبنى الثقة؟

س كيف يمكن إعادة الثقة بين المستثمر والسوق السوداني؟

محمد النور شريف: الثقة لا تُبنى بالكلام.

الثقة تُبنى بمشاريع ناجحة، وعقود واضحة، ودراسات حقيقية، وشركاء موثوقين، ونظام قانوني واضح.

إذا نجحنا في تنفيذ عدد من المشاريع النموذجية بشفافية واحترافية، فستكون هذه المشاريع أفضل رسالة للمستثمرين من أي حملة إعلامية.

ثامناً: أفكار أم مشاريع؟

س: هل لديكم مشاريع محددة أم أن الحديث ما زال في إطار الأفكار؟

محمد النور شريف: لدينا اهتمام بعدد من القطاعات والمشاريع، ونعمل على ربط أصحاب المشاريع بالممولين والمستثمرين والشركات الدولية.

لكننا لا نريد الإعلان عن أي مشروع قبل اكتمال عناصره الأساسية. المشروع الجاد يحتاج إلى دراسة، وتمويل، وشريك واضح، وإطار قانوني، وخطة تنفيذ.

نحن نفضل مشروعاً واحداً ناجحاً على عشرات المشاريع التي تبقى مجرد تصريحات.

نريد الانتقال من الحديث عن الاستثمار إلى تنفيذ الاستثمار.

تاسعاً: دور الحكومة

س: ما دور الحكومة في جذب الاستثمار؟

محمد النور شريف: دورها أساسي في توفير البيئة القانونية والتنظيمية، وتسهيل الإجراءات، وحماية المستثمر، وتوفير المعلومات.

لكن إعادة بناء الاقتصاد ليست مسؤولية الحكومة وحدها. نحتاج إلى شراكة حقيقية بين الحكومة، والقطاع الخاص، والمستثمرين السودانيين في الخارج، والشركات الدولية.

عاشراً: دور الاتحاد في إنقاذ الاقتصاد من التدهور

س: البعض يقول إن الاقتصاد السوداني يتدهور، فما هو دور الاتحاد في الإنقاذ؟ وهل يستطيع وحده أن يوقف هذا التدهور؟

محمد النور شريف: أولاً، لا أحد يستطيع وحده أن ينقذ اقتصاداً مرّ بأزمات متراكمة. لا الاتحاد، ولا الحكومة، ولا القطاع الخاص. لكن الاتحاد يمكن أن يكون رافعة حقيقية في الإنقاذ، لا مجرد منصة للكلام.

دورنا العملي يمكن أن يختصر في ستة محاور:

1. تعبئة السودانيين في الخارج:
تحويل التحويلات من استهلاك فقط إلى استثمار، وربط الكفاءات والخبرات بالمشاريع داخل السودان.
2. بناء جسر بين رأس المال والفرصة:
قاعدة بيانات للفرص، دراسات جدوى، شفافية في المعلومات، وربط المستثمر بالمشروع المناسب.
3. إطلاق مشاريع سريعة الأثر:
الزراعة، الأمن الغذائي، الطاقة الشمسية، النقل والخدمات اللوجستية، والصناعات الصغيرة، والتصدير.
4. حماية المستثمر وبناء الثقة:
عقود واضحة، شركاء موثوقون، وساطة، وفض للنزاعات، وتقليل المخاطر غير الضرورية.
5. المناصرة وتسهيل الإجراءات:
تمثيل المستثمرين أمام الجهات الرسمية، واقتراح سياسات عملية، ودعم نماذج PPP وBOT في البنية التحتية.
6. دعم الاقتصاد الحقيقي:
الإنتاج بدل الاستيراد، تشغيل الشباب، نقل التكنولوجيا، وتوسيع القاعدة التصديرية.

لكن الأهم أن نقول بصراحة: الاتحاد لا يعد بمعجزة، ولا يحمل عصا سحرية.
الإنقاذ يبدأ بمشروع ناجح، ثم عشرة، ثم مئة. والثقة لا تعود ببيان، بل بمشروع يُنفذ، وعقد يُحترم، ومستثمر يرى نتيجة.

نحن نريد أن نكون جزءاً من هذا التحول:
من الشكوى إلى البناء، ومن الحديث عن الاستثمار إلى تنفيذه.

وهنا تبقى الرسالة الأساسية:
السودان لا يحتاج إلى الشفقة، السودان يحتاج إلى الشراكة.

حادي عشر: PPP وBOT

س: ماذا عن نظام PPP وBOT في إعادة إعمار السودان؟

محمد النور شريف: هذه من الأدوات المهمة جداً في المرحلة القادمة.

بدلاً من أن تتحمل الدولة وحدها تكلفة بعض مشاريع البنية التحتية، يمكن بناء شراكات مع القطاع الخاص وفق نماذج مدروسة مثل PPP وBOT.

لكن نجاح هذه النماذج يحتاج إلى عقود واضحة، وضمانات مناسبة، ودراسات جدوى، وتوزيع عادل للمخاطر بين الأطراف.

ثاني عشر: ماذا تقول لمن يخاف؟

س: ماذا تقول للمستثمر الذي يخاف من دخول السودان؟

محمد النور شريف: أقول له: لا تدخل بناءً على العاطفة، ولا تبتعد بسبب الخوف فقط.

ادرس المشروع. ادرس السوق. ادرس المخاطر. اختر الشريك الصحيح. وتأكد من الإطار القانوني والتمويلي.

إذا كانت الأرقام منطقية، والمخاطر مدارة بشكل صحيح، يمكن أن يكون هناك استثمار ناجح حتى في الأسواق التي تمر بمرحلة إعادة بناء.

ثالث عشر: هل يصبح السودان مركزاً إقليمياً؟

س: هل تعتقد أن السودان يمكن أن يتحول إلى مركز اقتصادي إقليمي؟

محمد النور شريف: نعم، ولدى السودان مقومات كبيرة لذلك.

الموقع الجغرافي، الأراضي الزراعية، الموارد الطبيعية، البحر الأحمر، والثروة البشرية… كلها عناصر مهمة.

لكن الإمكانيات وحدها لا تكفي. نحتاج إلى بنية تحتية، واستقرار، وتشريعات واضحة، ومؤسسات قوية، واستثمارات طويلة الأجل.

رابع عشر: رسالة إلى رجال الأعمال في الخارج

س: ما رسالتك لرجال الأعمال السودانيين في الخارج؟

محمد النور شريف: رسالتي بسيطة:

السودان يحتاج إلى خبراتكم قبل أموالكم، وإلى علاقاتكم قبل استثماراتكم.

لا تنتظروا أن يأتي شخص آخر ويبني المستقبل. نحن جميعاً لدينا مسؤولية.

من يريد الاستثمار فليأتِ بمشروع مدروس. ومن لديه خبرة فليشارك بها. ومن لديه علاقات فليفتح الأبواب. ومن لديه رأس مال فليبحث عن الشريك والمشروع المناسب.

خامس عشر: رسالة إلى المستثمر الأجنبي

س: وما رسالتك للمستثمر الأجنبي؟

محمد النور شريف: السودان بلد يمتلك فرصاً حقيقية، لكننا لا نريد مستثمراً يبحث فقط عن الربح السريع.

نريد شراكات طويلة الأجل تحقق الربح للمستثمر، وتخلق قيمة حقيقية للاقتصاد السوداني.

نريد أن يأتي المستثمر بالتكنولوجيا والخبرة ورأس المال، وأن يساهم المشروع في خلق فرص العمل، ونقل المعرفة، وتطوير الإنتاج.

سادس عشر: رؤية الاتحاد

س: ما رؤيتك الشخصية للاتحاد خلال السنوات القادمة؟

محمد النور شريف: رؤيتنا أن يصبح الاتحاد جسراً اقتصادياً حقيقياً بين السودان والعالم.

نريد منصة تجمع المستثمرين ورواد الأعمال، وقاعدة بيانات للفرص الاستثمارية، وشراكات مع مؤسسات اقتصادية دولية، ومشاريع قابلة للتنفيذ، ومؤتمرات ولقاءات استثمارية منظمة.

والأهم من ذلك كله: أن ننتقل من مرحلة “نتحدث عن الاستثمار” إلى مرحلة “ننفذ الاستثمار”.

السؤال الختامي: رسالة واحدة تختصر رؤيتك للسودان

س: لو أردنا منك رسالة واحدة تختصر رؤيتك للسودان، ماذا تقول؟

محمد النور شريف:

السودان لا يحتاج إلى الشفقة، السودان يحتاج إلى الشراكة.

لدينا موارد، وعقول، ورجال أعمال، وموقع استراتيجي، وفرص كبيرة.

ما نحتاجه هو أن نوحد الجهود، ونبني الثقة، ونخلق بيئة استثمارية واضحة، ونحول الفرص إلى مشاريع حقيقية.

وأنا أؤمن أن السودان في مرحلة إعادة البناء القادمة يمكن أن يكون أمام فرصة تاريخية، إذا استطعنا أن نحول التحديات إلى فرص، والأفكار إلى مشاريع، والمشاريع إلى اقتصاد منتج ومستدام.

وهذا هو الدور الذي نريد أن نساهم فيه من خلال الاتحاد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى