آدم ابكر عيسي يكتب: إشكاليات قانون إقليم دارفور:»2026« قراءة تحليلية في نصوص التأسيس ومآلات التطبيق

أصداء الوعي
آدم أبكر عيسى
adamruk55@gmail.com
إشكاليات قانون إقليم دارفور:»2026« قراءة تحليلية في نصوص التأسيس ومآلات التطبيق
على الرغم من المكانة المحورية التي يحتلها قانون إقليم دارفور بوصفه الإطار التشريعي والمؤسسي المنوط به إدارة شؤون الإقليم ومعالجة أزماته المتفاقمة، فإن النص في صيغته الراهنة الذي يجيز في مجلس الوزراء ،مجرد توقيع الفريق برهان رئيس المجلس السيادي يصلح القانون ساري،يظل محفوفاً بجملة من الغموض والثغرات القانونية التي تثير إشكالات جوهرية حول قابليته للتطبيق ومدى فعاليته في مواجهة الواقع. وإن تأملاً متأنياً في النص ليكشف عن فجوات تشريعية وتناقضات بنيوية تستدعي وقفة نقدية رصينة.
أولاً: بنية السلطات وتشكيل المؤسسات
يحدد القانون في مادته المتعلقة بالتشكيل وجود ما لا يزيد على سبعة وزراء وخمسة ولاة لولايات الإقليم، كما يقرر وجود مساعدين للحاكم دون أن ينص على عددهم أو يحدد وصفهم الوظيفي. ويضاف إلى ذلك مجلس تشريعي يُقدَّر تمثيله بثلاثمائة عضو، مع نص صريح على تمثيل الشباب والنساء بنسبة 40% في هذه المؤسسات، وهو خطوة إيجابية تستدعي الوقوف عند معيار الاختيار وآلية الالتزام به.
كما أوكل القانون تعيين حاكم الإقليم إلى اختصاصات مجلس السيادة، وهي مسألة جوهرية تتعلق بتوازن السلطات. فهل يصبح الحاكم بذلك في موقع الوزير باعتبار أن جهة تعيينه هي ذاتها التي تعين رئيس الوزراء؟ وإن صح ذلك، فهما في المستوى ذاته، وهو ما يقتضي إعادة النظر في ولاء الولاة الذين يعينهم رئيس مجلس السيادة، إذ الأصوب أن يعينهم رئيس الوزراء باعتبارهم في المستوى الثالث وتحت إشراف ديوان الحكم الاتحادي في مسألة التنسيق.مع الأخذ في الاعتبار أن الحاكم هو من يرشح ولاه ولايات الإقليم السيادي بعد تشاور مع أطراف العملية السلمية..مع الأخذ أيضا في الاعتبار النص الذي ورد في الاتفاقية استعادة سلطة الإقليمية.(حال تعذر انعقاد المؤتمر الحكم ..والصلاحيات الواردة فيها )
ثانياً: العلاقات البينية بين مستويات الحكم
تتحدد العلاقة بين الإقليم ومستويات السلطة المركزية عبر وزارة الحكم الاتحادي والتنمية الريفية. ويُمنح الحاكم سلطة يرشرح أوضاع الولاة وتقديم التوصيات بإعفائهم. غير أن هذا التنظيم يثير تساؤلات مشروعة حول طبيعة هذه العلاقة وحدود صلاحيات كل مستوى.
ثالثاً: التمثيل والنسب غير المحددة
على الرغم من النص على نسب محددة للتمثيل، مثل 40% للأطراف و20% لأهل المصلحة، فإن النص لم يرد فيه تعريف صريح لـ”أهل المصلحة” ولا آلية واضحة لتحديدهم أو اختيار والٍ لإحدى الولايات من بينهم. ويظل المعيار غامضاً إزاء المكونات الخمسة التي تمثل أهل المصلحة وفقاً لمقررات مؤتمر الفاشر 2020م، والتي جُوبا في العام ذاته عبر مفاوضات جوبا: إدارة النازحين 50%، اللاجئين 25%، المجتمع المدني 10%، مجموعة النساء 5%، الإدارات الأهلية 5%، المزارعين 5%.
لم يحدد القانون آلية الاختيار للمواقع الخاصة بأهل المصلحة، الذين يمثلون 20% في مستويات الإقليم، بما في ذلك منصب الحاكم والوزراء على مستوى الإقليم والولايات الخمس. كما يبقى مصير نسبة الـ10% المخصصة للذين وقعوا أخيراً على الاتفاق غامضاً، ولم تُبيَّن آلية نسبة الـ30% الخاصة بحكومة السودان. وتتراكم هذه الثغرات لتخلق حالة من عدم اليقين القانوني.
رابعاً: الثغرات البنيوية والتنظيمية
يكشف قانون إقليم دارفور عن ثغرات قانونية جوهرية تتعلق بطبيعة العلاقة بين المستويات المختلفة. فمن جهة، لم يُنص على وجود نائب للحاكم، بل تُرك الأمر ليكون أحد الوزراء نائباً له ينوب عنه في حال غيابه، بدلاً من أن يكون أحد الولاة نائباً له. وإذا اعتبرنا الفاشر مقراً للإقليم، فلماذا لا يكون والي شمال دارفور نائباً للحاكم؟ وهو ترتيب يفتقر إلى الوضوح المؤسسي. ومن جهة أخرى، لم يُحدد عدد مساعدي الحاكم، مما يترك المجال مفتوحاً للتقديرات الفردية.
خامساً: مصير المفوضيات وتبعيتها
تم إلحاق المفوضيات الخاصة باتفاقية جوبا للمفوضية القومية للسلام، دون أن تُحدد شكل العلاقة بدقة. وهذه المفوضيات، بحكم كونها معنية بتنفيذ اتفاقية السلام في الإقليم، ترتبط ارتباطاً عضوياً بملفات بالغة الحساسية مثل الإعمار والتعويضات والحواكير والعدالة الانتقالية وقسمة الموارد المالية والصناديق الخاصة بالتنمية.
ويظل السؤال قائماً حول ما إذا كانت هذه المفوضيات، التي جاءت بناءً على اتفاقية دوحة للسلام، تابعة للمفوضية القومية للسلام أم ملغاة ومدمجة في مفوضيات المنشأ وفقاً لاتفاقية جوبا. وإذا كان الأمر يتعلق بالمفوضيات المنشأة بموجب الاتفاقيتين، فإن إعادة النظر فيها تصبح ضرورة حتمية لتتوافق مع روح القانون.
كما يثور تساؤل حول كيفية التنسيق مع الإقليم، باعتبار أن هذه المفوضيات مرتبطة بتنفيذ السلام على الأرض. فلماذا حُدد مسار دارفور تبعاً لآليات المفوضية دون غيره من المسارات الأخرى؟ ولماذا تتم تبعيتها للمفوضية؟ وما مصير مفوضيات دوحة التي كانت تابعة لمجلس الوزراء؟ أما المفوضية القومية للسلام فقد أُنشئت قبل مفوضيات دوحة، وكانت تابعة لمكتب سلام دارفور سابقاً والسلطة الإقليمية الانتقالية التي انتهى أجلها.
سادساً: سريان القانون ومآلات التطبيق
يصبح القانون سارياً بمجرد التوقيع من رئيس مجلس السيادة. وهنا يبرز سؤال جوهري: هل يحتاج شعب إقليم دارفور إلى هذا التوقيع لتفعيل القانون وإعادة تشكيل المؤسسات الإقليمية وفقاً له؟ إن إعادة التشكيل هذه تبدو ضرورة ملحة لتمكين المؤسسات من القيام بدورها في مواجهة الأزمة الإنسانية وظروف الحرب الحالية.
كما لم يحدد النص علاقة حكومة الإقليم بالمفوضيات الخاصة باتفاقية دوحة للسلام. فهل هي تابعة للمفوضية القومية للسلام أم ملغاة ومدمجة في مفوضيات المنشأ؟ وإذا كان الأمر يتعلق بالمفوضيات المنشأة بموجب اتفاقيتي جوبا ودوحة، فإن إعادة النظر فيها تصبح ضرورة حتمية لتتوافق مع روح القانون.
خاتمة: نحو مؤسسات فاعلة ومتناسقة مع روح القانون
في الختام، يمكن القول إن التوقيع على القانون، رغم كونه خطوة ضرورية، لا يكفي وحده لاستقامة المؤسسات. إن أهل المصلحة والإقليم بحاجة ماسة إلى مؤسسات منشأة وفقاً لقانون محكم، ييسر على الحاكم وحكومة الإقليم مهامهم. ويقتضي الأمر إعادة صياغة النص القانوني بمعالجة الثغرات المشار إليها، ليقوم بدوره المنشود في معالجة قضايا الحرب والدعم الإنساني والنازحين واللاجئين. كما يظل قيام المجلس التشريعي الإقليمي، بصلاحيات رقابية واضحة، شرطاً أساسياً لمراقبة أداء الحكومة الإقليمية وضمان مساءلتها.
إن قانوناً بهذه الأهمية يستدعي صياغة قانونية دقيقة وروحاً مؤسسية عالية، تضمن عدم ترك أي ثغرة قد تعرقل مسيرة الإقليم نحو الاستقرار والتنمية.



