آراء ومقالات

الباشمهندس نهيض محمد نهيض يكتب: انهيار مليشيا الدعم السريع الإرهابية… والصدمة التي أصابت دول العدوان

*انهيار مليشيا الدعم السريع الإرهابية… والصدمة التي أصابت دول العدوان*

*✍️بقلم: المهندس/ نهيض محمد نهيض صالح*

لم تعد التطورات العسكرية في السودان تسمح بقراءة المشهد بمنطق المعارك المنفصلة؛ فالصورة الأكبر أصبحت واضحة أمام من يتابع الميدان بدقة.
مليشيا الدعم السريع الإرهابية دخلت مرحلة الانهيار، والهزائم المتتالية بدأت تُحدث صدمة حقيقية لدى القوى الإقليمية والدولية التي راهنت على استمرار مشروع الحرب وإضعاف الدولة السودانية.
*ما* يحدث في كردفان ليس مجرد تقدم عسكري عابر، وإنما تحول استراتيجي في مسار الحرب. فالقوات المسلحة، والقوات المشتركة، والمخابرات العامة، والقوات النظامية والمساندة، استطاعت أن تفرض معادلة جديدة على الأرض، وأن تضيق مساحات الحركة أمام المليشيا، وتدفعها إلى التراجع والانسحاب وفقدان المبادرة.
*كردفان… لحظة الحسم*
من خلال متابعة مسار العمليات وتطورات الميدان، فإن قراءة المشهد واضح: المعركة في كردفان وصلت إلى مرحلة الحسم العسكري، وما يجري الآن هو تفكيك لما تبقى من قدرة المليشيا على المناورة والصمود.
والأهم من التراجع الجغرافي هو التراجع المعنوي والتنظيمي. فظهور حالات الاستسلام وسط أفراد وقيادات المليشيا، والانشقاقات والانسحابات، يمثل مؤشراً بالغ الأهمية على أن منظومة القتال نفسها بدأت تفقد قدرتها على الاستمرار.
*وفي* الحروب، عندما تبدأ القوات في فقدان الثقة بقيادتها، وتصبح الأولوية للانسحاب والنجاة بدلاً من القتال، فإن الانهيار لا يكون بعيداً.
*وهذا* تحديداً ما يجعل تطورات كردفان ذات أهمية استراتيجية؛ لأنها لا تضرب مواقع المليشيا فحسب، بل تضرب قدرتها على مواصلة الحرب باعتبارها مشروعاً عسكرياً منظماً.
*ومن كردفان تبدأ معركة دارفور*
دارفور ليست جزيرة معزولة عن بقية السودان، وما يحدث في كردفان ستكون له تداعيات مباشرة على الوضع العسكري في دارفور.
وبحسب قراءتي للميدان، فإن المرحلة المقبلة ستشهد انتقال ثقل العمليات إلى دارفور، ومع وصول القوات المسلحة والقوات المساندة إليها، ستجد المليشيا نفسها أمام واقع مختلف تماماً.
لن تكون المشكلة في استعادة المدن فقط، وإنما في السؤال الأهم: من سيقاتل مع المليشيا عندما تصل المعركة إلى نهايتها؟
فالمليشيا التي فقدت المبادرة في كردفان، وتتعرض للهزائم و الضغوط متزايدة في أكثر من محور، لن يكون من السهل عليها المحافظة على تماسكها في دارفور إذا انقطعت عنها خطوط الإمداد، وتراجعت معنويات مقاتليها، وبدأت القيادات والأفراد في البحث عن مخارج فردية.
*ولهذا* أرى أن مدن دارفور ستدخل تباعاً في مرحلة جديدة، وأن سقوط المواقع العسكرية للمليشيا وانهيار دفاعاتها سيأتي نتيجة طبيعية لتغير ميزان القوى على الأرض.
*الحرب العسكرية تقترب من نهايتها*
لقد قلتها من خلال متابعتي للمشهد، وأكررها اليوم بوضوح:
المعركة العسكرية دخلت مرحلتها الأخيرة، وما تبقى ليس سوى استكمال للحسم على الأرض.
*لكن* انتهاء المعركة العسكرية لا يعني انتهاء الحرب بكل أبعادها.
*فالذين راهنوا* على المليشيا لن ينسحبوا من المشهد بسهولة. وإذا فشل المشروع العسكري، فإن المعركة ستنتقل إلى السياسة والدبلوماسية والإعلام والاقتصاد، وستظهر محاولات لإعادة إنتاج الأزمة من خلال الضغوط الدولية والمبادرات السياسية والمساومات.
*وهنا* تكمن خطورة المرحلة القادمة.
*المعركة القادمة* هي معركة القرار الوطني
بعد انحسار الخطر العسكري، ستكون أمام السودان معركة أكثر تعقيداً: معركة حماية القرار الوطني من الاختراق الخارجي، وإعادة بناء الدولة على أساس السيادة والمؤسسات.
*كما* أن مواجهة عملاء الداخل الذين ارتبطوا بالمشروعات الخارجية يجب أن تكون في أسرع وقت ممكن لانهاء العمالة .
فالدولة المنتصرة هي التي تنتصر و تحمي سيادتها من الداخل وتضع حداً لكل من حاول تحويل السودان إلى ساحة لتنفيذ أجندات الآخرين.
*قطع العلاقات مع أمريكا… خيار تفرضه المرحلة*
لقد كشفت الحرب، أن استمرار بعض العلاقات الخارجية بالشكل التقليدي لم يعد يخدم المصالح الاستراتيجية للسودان.
وعليه، فإن قطع العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية، أو إعادة صياغتها جذرياً، يجب أن يكون خياراً مطروحاً بجدية في هذه المرحلة إذا استمرار السياسات المعادية للدولة السودانية وسيادتها.
*فالعلاقات الدولية* ليست عاطفة، ولا تقوم على المجاملة؛ إنها مصالح متبادلة واحترام للسيادة.
*السودان* لا يحتاج إلى علاقة مع أي دولة على حساب أمنه القومي أو وحدة أراضيه أو قراره الوطني.
*روسيا… شراكة استراتيجية لا مناورة سياسية*
وفي المقابل، فإن توسيع العلاقات السودانية الروسية أصبح، ضرورة استراتيجية وحتمية في ظل التحولات الدولية الراهنة.
*السودان* بحاجة إلى بناء علاقات متوازنة مع القوى الدولية، وتنويع مصادر التعاون السياسي والعسكري والاقتصادي، وتعزيز قدراته الدفاعية، وتأمين ظهر القوات المسلحة، وعدم ترك القرار السوداني رهينة لمحور واحد.
*إن* الشراكة مع روسيا يجب أن تكون جزءاً من رؤية استراتيجية طويلة المدى، لا مجرد رد فعل سياسي على مواقف واشنطن أو غيرها.
*السودان* يجب أن يخرج من سياسة المحاور إلى سياسة المصالح.
*العالم يحترم الأقوياء*
هذه المرحلة ليست مرحلة الضعفاء.
العالم لا يحترم الدولة التي تتنازل عن قرارها، ولا يحمي الدولة التي لا تستطيع حماية أمنها، ولا يساند الدولة التي تعتمد على الآخرين في صناعة مستقبلها.
*العالم* يحترم الأقوياء.
والقوة ليست السلاح وحده؛ القوة جيش وطني، ومؤسسات قوية، واقتصاد منتج، ودبلوماسية فاعلة، ووحدة وطنية، وقرار سياسي مستقل.
*ومن هنا*، فإن المعركة الحقيقية بعد استعادة الأرض ستكون معركة بناء السودان القوي.
*لقد* راهنت قوى خارجية على إنهاك السودان وتفكيك مؤسساته وإضعاف جيشه وتمزيق نسيجه الاجتماعي.
*لكن* السودان الذي خرج من هذه الحرب لن يكون هو السودان الذي دخلها.
*وإذا* كان الميدان قد بدأ يكتب نهاية المشروع العسكري للمليشيا، فإن على الدولة السودانية أن تستعد من الآن للمرحلة التالية: مرحلة تثبيت النصر، وإعادة بناء الدولة، وإعادة ترتيب العلاقات الدولية، وحماية القرار الوطني، ومحاسبة كل من ارتكب جرائم بحق الشعب السوداني وفق القانون.
*إنها* ليست نهاية الحرب فحسب…
*إنها* بداية معركة السودان من أجل استعادة كامل سيادته وصناعة مستقبله بإرادته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى