آراء ومقالات

العقل والوعي السوداني: معركة حسم التمرد وبناء الدولة المدنية في مواجهة خطر تقسيم البلاد.

​بقلم المهندس/ إبراهيم عيسى البيقاوي

العقل والوعي السوداني: معركة حسم التمرد وبناء الدولة المدنية في مواجهة خطر تقسيم البلاد.
​بقلم المهندس / إبراهيم عيسى البيقاوي
ibrahim.eisa1958@gmail.com

​مقدمة:

​يمر الوطن اليوم بمنعطف تاريخي لا يحتمل ترف المناورات السياسية، ولا المحاصصات الحزبية الضيقة. إن الحرب الدائرة الآن في السودان ليست مجرد نزاع عابر على السلطة، بل هي مهدد وجودي مباشر يهدف إلى تفتيت وحدة التراب السوداني وتقسيم البلاد إلى دويلات متناحرة، ولعل ما يحدث في دارفور ليس عنا ببعيد.
​وفي غمرة هذا الخطر الداهم، يستبسل الجيش السوداني كمؤسسة وطنية جامعة في وجه تمرد عارم عصف بالبلاد والعباد، مسنوداً بالتفاف شعبي حر ومسؤول، في حين تقف بعض النخب السياسية معزولة عن نبض الشارع، غارقة في صراعات استباقية على كراسي حكم مدني قد لا يجدون وطناً يحملها! إن إنقاذ السودان اليوم يتطلب ثورة في “العقل والوعي”؛ وعيٌ يدرك حجم المؤامرة الدولية ويساند المؤسسة العسكرية لحسم التمرد، وعقلٌ يتحلى بالحكمة والمسؤولية لإنهاء الحرب، وإنصاف الضحايا، والعبور نحو مشروع وطني جديد يؤسس لدولة مدنية عادلة ومستقرة.

​الوهم السياسي وسط الحريق:
​النخب والمحاصصة المؤجلة:

​اندلعت الحرب اللعينة الدائرة حالياً منذ 15 أبريل 2023م ومضت عليها أكثر من ثلاث سنوات من القتال الشرس بين الجيش السوداني ومسانديه الوطنيين وتمرد الدعم السريع والمتعاونين معه من دول عميلة ومرتزقة. وتم استهداف كرامة الشعب السوداني ومكتسباته ومقدراته وانتهكت أرضه وعرضه وحرماته في انتهاكات لم يسبق لها مثيل.
​وتسببت هذه الحرب في نزوح داخلي واسع من مناطق سيطرة التمرد إلى مناطق سيطرة الجيش، وكذلك حدثت موجات لجوء واسعة باتجاه الدول المجاورة مثل مصر وليبيا وتشاد وجنوب السودان وأثيوبيا وأريتريا والسعودية وغيرها. ووفقاً للتطورات الميدانية تمكن الجيش السوداني من إخماد التمرد في الخرطوم العاصمة والولايات الشرقية بمساندة القوات المشتركة والمجاهدين والمستنفرين وقطاعات الشعب السوداني، وحصر التمرد في ولايات دارفور الخمس وأجزاء من ولايات كردفان الثلاث وأجزاء من ولاية النيل الأزرق.
​أهوال الحرب أدت إلى نزوح ولجوء المدنيين العزل الذين نجوا من الموت، ومعهم خرجت ولجأت معظم الأحزاب والقوى المدنية، وظل بعضها يحتفي بانتصارات التمرد وينعى أداء الجيش ويشكك في قدراته ويقلل من انتصاراته، ويرفع شعارات من شاكلة “لا للحرب” المتزامنة مع انتصارات الجيش تعبيراً عن الحياد مع استبطان نية الاستسلام للتمرد.
​مع بوادر الانتصارات الحاسمة للجيش بدأت تتبلور أنشطة الأحزاب والقوى المدنية بالخارج في شكل مؤتمرات مدعومة من قبل جهات دولية غير محايدة تسعى لبناء توافق سياسي حول بناء الحكم المدني الديمقراطي. وقد برز بوضوح في اجتماع أثيوبيا الأخير للجنة الخماسية كامتداد لاجتماع برلين استمرار المماحكات الحزبية والإقصاء المتبادل وانفصال النخب عن الواقع، وتركيزها على حصص الحكم المدني بينما الدولة تواجه خطراً وجودياً يستلزم حسم التمرد وإنهاء الحرب الدائرة أولاً، ثم بعد ذلك بناء مشروع وطني جديد وشامل لا يقصي أحداً.

​التهديد الوجودي:

​بوادر التقسيم والمؤامرة على خارطة الوطن:
​رغم التقدم الميداني الكاسح الذي أخرج التمرد من كافة الولايات الواقعة شرق الشريط النيلي ما عدا أطراف ولاية النيل الأزرق المتاخمة لأثيوبيا، وإقليم دارفور بولاياته الخمس وأجزاء من ولايات كردفان الثلاث، إلّا أنه يستمر شن هجمات بالمسيرات الانتحارية في عدد من ولايات الوسط مثل الأبيض والنيل الأبيض والخرطوم.
​وتتوزع ولايات السودان الـ 18 حالياً كالتالي:
​9 ولايات تحت سيطرة الجيش.
​3 ولايات تحت سيطرة الجيش وتشهد أطرافها تواجد التمرد.
​6 ولايات تحت سيطرة التمرد.
​التهديد الوجودي وخطر التقسيم يلوح في أفق دارفور بوضوح شديد رغم حسن النوايا ورفض الانفصال من قبل قطاعات واسعة من الشعب السوداني. إن قيام التمرد وأعوانه بإنشاء حكومة موازية مزعومة في دارفور واختيار نيالا عاصمة لها فيما يسمى بـ “حكومة تأسيس” غير المعترف بها يشكل سابقة خطيرة للغاية إذا لم تتم إزالتها. فرغم عدم الاعتراف بها، شرعت في تأسيس بنك مركزي رمزي وأقامت امتحانات شهادة ثانوية وافتتحت مدارس وباشرت مهام تعتبر حكومية بغض النظر عن كفايتها وجودتها وعدالة توزيعها.
​مثل هذا الوضع لو وجد اعترافاً من الدول المناوئة -مثلما حصل في إقليم أرض الصومال الذي اعترفت به إسرائيل وتدرس أمريكا موضوع الاعتراف به رغم رفض واستنكار الحكومة الصومالية ودول القرن الأفريقي- سيشكل معضلة كبرى؛ وعليه هناك ضرورة لمعالجة هذا الملف بأسرع ما تيسر من قبل الجيش والشعب السوداني.

​المؤسسة العسكرية والالتفاف الشعبي:
​معركة السيادة لا الأدلجة:

​لقد أثبتت القوات المسلحة السودانية الباسلة أنها المؤسسة الوطنية الوحيدة التي بقيت متماسكة ووقفت بجرأة وثبات أمام التمرد الذي جثم على صدر العاصمة الخرطوم وولايات الوسط، واستطاعت تغيير موازين القوة بالصبر والعزيمة والمثابرة، والتحول من تكتيكات الدفاع إلى الهجوم وطرد مليشيات التمرد إلى الولايات الطرفية رغم التسليح القوي والدعم السياسي غير المحدود للتمرد من الخارج.
​من المؤكد أن الجيش السوداني الوطني هو الجهة الوحيدة صاحبة الحق الدستوري والدور الاستراتيجي في دحر وحسم أي تمرد أو اعتداء على الدولة السودانية. ولا تعدو أن تكون اتهامات النخب السياسية له بـ “الأدلجة” سوى استهلاك سياسي مرتبط بانشغالهم بحصص الحكم المدني وانفصالهم عن واقع المعركة الوجودية.
​ولا يخفى على الناس دور السند الشعبي الحالي للجيش السوداني وتكاتفه معه مما سمح له بتحقيق العديد من الانتصارات الكبيرة في ميادين القتال. ولابد أن تكون قطاعات واسعة من الشعب السوداني قد حصلت على قدر كبير من الوعي بحقائق الأوضاع وتفاصيل المؤامرات، ولابد أن تكون عقول الشعب قد أدركت من هو صليحها ومن هو عدوها، كما أدركت أن أي دولة لابد لها من جيش قوي يحمي أرضها وشعبها ويصون سيادتها ويحمى الوطن من التمزق والانهيار.

​خارطة الطريق لإنهاء الحرب:

​إن هدف إيقاف وإنهاء الحرب قد أصبح ضرورة قصوى، ولكن ليس على نمط شعار “لا للحرب” المحايد مظهراً والمتعاون مع التمرد في مضمونه. إن إنهاء الحرب لصالح الشعب السوداني يتم بوسيلتين ناجعتين هما:
​إما استنفار وتجييش الشعب لحسم وإنهاء التمرد ميدانياً.
​أو الدخول في مفاوضات تقود إلى تفكيك مكونات التمرد وتصفية مؤسساته ومحاسبة مرتكبي المجازر والمخالفات وإقامة دولة العدالة والقانون.
​ولابد من تحكيم العقل لإيقاف نزيف الدم، وإنصاف الضحايا، والاتفاق على المشتركات الوطنية الكبرى وتصفير الأزمات التاريخية المتراكمة.

​نحو المستقبل:
​المشروع الوطني الجديد والدولة المدنية العادلة:

​إن الدولة المدنية الحقيقية والازدهار الشامل هما الثمرة الطبيعية لحسم التمرد واستعادة الاستقرار، وليسا نتاج تقاسم الغنائم السياسية وسط النيران؛ على ما يبدو من تصرفات الأحزاب السياسية والقوى المدنية التي تشيح بوجهها عن واقع الحرب وتنظر فقط إلى حصص الحكم المدني متى جاء، وكأنها غير معنية بأسباب تهيئة الظروف لتحقيقه.

​خاتمة:
​وعي المعركة وبناء الغد:

​تأسيساً على ذلك، يتضح جلياً أن “العقل والوعي” السوداني اليوم أمام اختبار تاريخي غير مسبوق؛ وعيٌ يدرك أن الدولة المدنية المستقرة لا تُبنى على أنقاض وطن ممزق، وعقلٌ يوقن أن حسم التمرد وتفكيك مهددات التقسيم هما الشرط الافتراضي الأول لأي تحول ديمقراطي حقيقي. إن المحاولات النخبوية للقفز فوق واقع المعركة الوجودية والانشغال بتقاسم مغانم سلطة افتراضية وسط الحريق، لا تعكس سوى انفصال تام عن نبض الشارع وتضحيات المؤسسة العسكرية المسنودة بالإرادة الشعبية الحرة.
​إن قطار المستقبل قد انطلق بالفعل من خنادق السيادة والكرامة، ولن ينتظر الراكضين وراء السراب السياسي في عواصم الخارج. إن إنهاء هذه الحرب بحسم فكري وميداني، وإنصاف الضحايا، وتطهير أرض الوطن من دنس العمالة والارتزاق، هو المدخل الوحيد والشرعي لصياغة المشروع الوطني الجديد.
​وحين تخمد نيران التمرد وتتحطم أوهام التقسيم تحت أقدام الالتفاف الشعبي وجيشه الباسل، سيبدأ السودانيون معاً – وبإرادتهم الحرة المستقلة – تشييد دولتهم المدنية العادلة؛ دولة القانون والمؤسسات التي تتسع للجميع، وتصون السيادة، وتحرسها عقولٌ وعت الدرس، وسواعدٌ دافعت عن الأرض والعرض.
​

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى