لصادق إسماعيل علي يكتب.. نكزة : صناعة المشكل… ثم استدعاء البصيرة أم حمد!
لصادق إسماعيل علي يكتب.. نكزة : صناعة المشكل... ثم استدعاء البصيرة أم حمد!

لصادق إسماعيل علي يكتب..
نكزة : صناعة المشكل… ثم استدعاء البصيرة أم حمد!
* عادةً تُشكَّل الحكومات لكي تمنع المشكلات قبل وقوعها، وإن وقعت عملت على معالجتها. أما عندنا في السودان، فقد يبدو أن الأمر يسير وفق مدرسة إدارية جديدة لم تكتشفها دول العالم بعد: نصنع المشكلة أولاً، نتركها تكبر وتستفحل، ثم نجتمع لمعرفة سببها، وبعد ذلك نخرج على الناس بحلٍّ لا يقل غرابة عن المشكلة نفسها!
إنها باختصار مدرسة «صناعة المشكل وحلول البصيرة أم حمد»؛ وهي مدرسة يبدو أن لها منهجاً خاصاً: لا تمنع الحريق، بل انتظر حتى تشتعل النيران، ثم اختلف مع الناس حول أفضل طريقة للبحث عن الماء!
* الوقود… متوفر في قاع الطلمبة!
السيد رئيس مجلس وزراء حكومة اللا أمل، بدلاً من أن يعمل مع حكومته ووزاراتها المختصة على توفير الوقود من مصادره الحقيقية، وبالقدر الذي تحتاجه البلاد، يترك السوق للمضاربين، ثم يقف متفرجاً على الدولار وهو يصعد كل يوم كأنه في سباق ماراثون، وعلى الذهب وهو يغادر خزائن البلاد بحثاً عن الدولار، وعلى الدولار وهو يغادر جيوب المواطنين بحثاً عن الوقود!
والوقود بدوره يُشترى من البحر بأضعاف سعره، فتكتمل الدائرة العبقرية:
ذهب يهرب… ودولار يرتفع… وقود يغلو… ندرة تتكرر… ومواطن يدفع الفاتورة!
ثم نندهش جميعاً: لماذا ارتفع الدولار؟ لماذا ارتفع سعر الوقود؟ لماذا أصبحت الأسعار ناراً؟ ولماذا أصبح المواطن يطارد السلعة كما يطارد السراب؟
* يا سادة، المسألة ليست لغزاً يحتاج إلى فك شفرته؛ فحين تترك الدولة مصادر توفير السلع الاستراتيجية للمضاربين، ثم تترك المضاربين يتنافسون على الدولار، ثم تترك الدولار يطارد الذهب، فمن الطبيعي أن ينتهي الأمر بالمواطن إلى مطاردة «حقه» في سلعة يفترض أنها من أبسط واجبات الدولة.
لكن المشكلة أن الحكومة، بدلاً من أن تمسك رأس المشكلة من جذورها، تنتظر حتى تصل الأزمة إلى محطات الوقود، ثم تخرج علينا بحل من مدرسة «البصيرة أم حمد».
فحين يُسأل سيادته عن أزمة الوقود، يأتي الحل العبقري:
الوقود متوفر!
وكيف عرفنا أنه متوفر؟
بالنظر إلى ما تبقى في قاع مستودع إحدى الطلمبات!
يا سبحان الله!
إذا كان معيار توفر الوقود أن نجد منه قليلاً في قاع إحدى الطلمبات، فبإمكاننا غداً أن نعلن أن الخبز متوفر لأن هناك رغيفاً في يد مواطن، وأن الدولار متوفر لأن هناك شخصاً يحمل عشرة دولارات، وأن الكهرباء مستقرة لأن لمبة واحدة في أحد أحياء الخرطوم أضاءت لمدة عشر دقائق!
هذه ليست معالجة للأزمة، يا سيادة رئيس الوزراء؛ هذه معالجة للخبر عن الأزمة!
فالناس لا تسأل: هل توجد قطرة وقود في السودان؟
الناس تسأل: هل الوقود متوفر بصورة منتظمة، وبسعر يمكن للمواطن تحمله، وبآلية تمنع المضاربة والتهريب والاستنزاف؟
وهنا، مع كامل الاحترام، لا يكفي أن نبحث عن بضع لترات في قاع طلمبة ونعلن الانتصار.
* بنكك… حين تصبح المشكلة في التطبيق!
أما الحكاية الثانية، فهي أكثر طرافة، لأنها تتعلق بأمر لا يقل خطورة عن الوقود: تحويل الأموال وأمن الاقتصاد الوطني.
بدلاً من أن تتولى الدولة تنظيم منظومة تحويل الأموال بصورة محكمة، وتضع آلية وطنية تربط الحسابات المصرفية بالمواطن، وتضمن أن تكون حركة الأموال تحت رقابة الدولة بما يحفظ الأمن الاقتصادي والقومي، تُترك المسألة للبنوك والشركات، وبعضها شركات أجنبية، وكل جهة تعمل وفق ما تراه مناسباً.
ثم، عندما تتعطل حركة المال ويجد المواطن نفسه عاجزاً عن تحويل ماله، ويصاب السوق بالشلل، ويزداد الضغط على الاقتصاد، نكتشف فجأة أن المشكلة في تطبيق «بنكك»!
يا لطيف!
من الذي كان ينبغي أن يضع النظام من البداية؟
ومن الذي ينبغي أن يضمن أن منظومة تحويل الأموال تعمل بكفاءة وأمان؟
ومن الذي يفترض أن يعتبر حركة الأموال جزءاً من الأمن الاقتصادي والقومي؟
هل هو المواطن محمد أحمد؟
أم البائع في السوق؟
أم موظف البنك؟
أم سيادته وهو رئيس مجلس الوزراء؟
أنا، المواطن محمد أحمد المغلوب على أمره، أريد فقط أن أفهم:
إذا كانت الدولة تترك المشكلة حتى تقع، فمن المسؤول عن حلها؟
وإذا كان الحل يحتاج إلى تدخل الدولة، فلماذا ننتظر حتى تصبح المشكلة أزمة؟
وإذا كان العطل في «بنكك»، فمن الذي ترك «بنكك» يصل إلى هذه الحالة؟
وهل مطلوب من المواطن أن يدفع ثمن الخلل مرتين: مرة عندما يتعطل النظام، ومرة عندما يُقال له إن المشكلة في النظام؟
دولة تطارد آثار مشكلاتها
المشكلة يا سادة ليست في الوقود وحده، وليست في «بنكك» وحده.
المشكلة في منهج إدارة الدولة.
فالدولة الحديثة لا تنتظر حتى يختفي الوقود ثم تبحث عنه، ولا تنتظر حتى ينهار سوق النقد ثم تسأل عن الدولار، ولا تنتظر حتى تتعطل حركة الأموال ثم تكتشف أهمية التحويلات.
* الدولة الحقيقية ترى المشكلة قبل أن تصبح أزمة، وتضع لها الاحتياطات قبل أن تصبح ناراً، وتغلق منافذ المضاربة والتهريب قبل أن يتحول المضارب إلى وزير اقتصاد غير معلن!
أما أن نترك الأمور حتى تصل إلى عنق الزجاجة، ثم نعقد الاجتماعات ونصدر البيانات ونشرح للمواطن أن «الأمور تحت السيطرة»، فهذه ليست إدارة للأزمة؛ هذه إدارة لطمأنة الناس بأن الأزمة بخير!
* والأغرب أن المواطن السوداني أصبح أكثر صبراً من اللازم؛ فهو يسمع أن الوقود موجود، ثم لا يجده. ويسمع أن التحويلات تعمل، ثم يعجز عن تحويل ماله. ويسمع أن الأسعار تحت السيطرة، ثم يكتشف أن السيطرة نفسها أصبحت سلعة نادرة!
يا جماعة… المشكلة ليست في البصيرة أم حمد!
نحن لا نطلب المستحيل.
نطلب فقط أن تعمل الحكومة بمنطق الدولة:
أن توفر السلع الاستراتيجية من مصادرها الحقيقية، وأن تضبط أسواق الذهب والعملات، وأن تمنع تهريب موارد البلاد، وأن تجعل حركة الأموال تحت منظومة وطنية آمنة ومنظمة، وأن تراقب السوق قبل أن ينفجر، لا بعد أن ينفجر.
فالحكومة ليست جهاز إطفاء حرائق فقط.
الحكومة يفترض أن تمنع الحريق قبل اشتعاله.
أما أن نصنع الحريق ثم نبحث عن خرطوم الماء، ثم نختلف هل الماء موجود أم لا، ثم نكتشف أن الخرطوم «بنكك» لا يعمل… فهذه ليست إدارة دولة.
هذه ببساطة:
صناعة المشكل… ثم استدعاء البصيرة أم حمد لتبحث لنا عن الجواب!
والسؤال الذي نضعه أمام حكومة اللا أمل، لا على سبيل النكزة هذه المرة، وإنما على سبيل الرجاء:
متى ننتقل من حكومة تطارد نتائج المشكلات إلى حكومة تمنع صناعة المشكلات من الأساس؟
فالمواطن لا يريد أن يسمع كل صباح أن المشكلة تحت السيطرة.
المواطن يريد فقط ألا تكون المشكلة نفسها من صناعة الذين يقولون له إنها تحت السيطرة! .
دمتم … سآلمين … آمنين … تآمين …. لآمين



