الصادق إسماعيل علي يكتب.. نَكْزة: اقتصاد الحرب… موارد هائلة وإدارة حائرة!
الصادق إسماعيل علي يكتب.. نَكْزة: اقتصاد الحرب... موارد هائلة وإدارة حائرة!

الصادق إسماعيل علي يكتب..
نَكْزة: اقتصاد الحرب… موارد هائلة وإدارة حائرة!
بلدٌ يحمل الذهب في باطن أرضه، والخير في سهوله، والثروة في أنعامه، ثم يبحث مواطنوه عن لقمة العيش!
كيف لدولة تمتلك موارد زراعية وحيوانية ومعدنية ضخمة، وتتمتع بموقع استراتيجي حاكم براً وبحراً وجواً، أن تعجز عن تحويل هذه الموارد إلى إنتاج وثروة وخدمات تحمي بها مواطنيها من الفقر، وتصون بها سيادتها؟
هل المشكلة أن السودان فقير الموارد، أم أنه غني بالموارد، فقير في إدارتها، متمكن من تحويل أبسط الفرص إلى مشكلات معقدة، ثم تشكيل اللجان لدراسة أسبابها، بينما المشكلة نفسها قد شربت الشاي، وانصرفت إلى حال سبيلها؟!
الحرب، على قسوتها، جعلت إعادة هيكلة الاقتصاد ضرورة وطنية لا تحتمل التأجيل. فالمطلوب ليس مجرد إدارة الندرة، وإنما تنظيم الوفرة، وربط الموارد بالإنتاج، والإنتاج بالتصنيع والتصدير، والتصدير بالنقد الأجنبي، والنقد الأجنبي بأولويات البلاد.
اقتصاد يخطط للإنتاج، لا يكتفي بمراقبة الأسواق!
تتعدد المدارس الاقتصادية في العالم، لكن السؤال بالنسبة إلى السودان اليوم ليس أيها أجمل في الكتب، وإنما أيها أقدر على توظيف مواردنا، وبناء قدراتنا الإنتاجية، وتوفير احتياجات المواطنين.
في تقديري، تحتاج البلاد إلى اقتصاد تنموي موجّه، يجمع بين المبادرة الخاصة والتخطيط الاستراتيجي للدولة؛ فلا ننتظر أن يبني السوق وحده المصانع، ويطور الزراعة، ويوفر البنية التحتية، كما لا نحول الدولة إلى تاجر يحتكر كل شيء، وينافس المواطنين بأموالهم!
المطلوب دولة تخطط، وتوفر البنية التحتية، وتحفز الإنتاج، وتحمي المنافسة، وتسد الثغرات الاستراتيجية التي لا يستطيع السوق وحده سدها.
ولتحقيق ذلك، ينبغي توزيع الأدوار بوضوح:
أولاً: القطاع الخاص ينتج… والدولة تهيئ أسباب الإنتاج.
تُوجَّه الاستثمارات إلى الزراعة والثروة الحيوانية والتعدين والصناعات التحويلية وغيرها من القطاعات التي تتمتع فيها البلاد بميزات تنافسية.
لكن لا يعقل أن تطالب الدولة المزارع بزيادة الإنتاج، ثم تتركه يبحث عن التقاوي والأسمدة والوقود والتمويل، ويصارع تكاليف النقل، ويواجه الوسطاء عند الحصاد!
ولا يعقل أن تطالب المستثمر ببناء المصانع، ثم تحاصره تكاليف الطاقة والضرائب والرسوم وتعقيدات الإجراءات، وبعد ذلك تتساءل باستغراب: لماذا لا تتقدم الصناعة الوطنية؟!
يا سادة، الإنتاج لا يُستخرج من جيب المنتج بقرار إداري، والمصانع لا تنمو على أرضية التصريحات الرسمية!
مسؤولية الدولة توفير التمويل ومدخلات الإنتاج والطاقة والنقل والتخزين والتأمين والأسواق، وتبسيط الإجراءات، وربط الحوافز بنتائج إنتاجية حقيقية.
ثانياً: الدولة تشتري المنتجات الاستراتيجية، بدلاً من ترك المنتجين فريسة للمواسم والوسطاء.
تحدد الدولة المنتجات التي ترتبط بالأمن الغذائي والصناعي والنقد الأجنبي، وتتولى مؤسسات متخصصة شراءها من المنتجين بأسعار مجزية وآليات معلنة، ثم توجّهها إلى السوق المحلية، أو المخزون الاستراتيجي، أو التصدير.
وبذلك تضمن احتياجات المواطنين، وتحفز الإنتاج، وتحد من تقلبات الإمدادات، وتستفيد من عائدات الصادرات.
لكن ينبغي أن تخضع هذه المنظومة للشفافية والرقابة، حتى لا تنتقل المحاصيل من قبضة الوسطاء إلى قبضة البيروقراطيين، ويجد المنتج نفسه بين مطرقة السوق وسندان الحكومة!
ثالثاً: الدولة تسوّق استراتيجياً، بدلاً من ترك ثرواتها تُباع بأقل من قيمتها.
ليست مشكلة السودان في إنتاج السلع وحده، وإنما في ضعف قدرته على تعظيم العائد منها.
قد ننتج كميات كبيرة من المحاصيل أو المنتجات الحيوانية والمعدنية، ثم نحصل على عائد أقل بسبب ضعف المعلومات التسويقية، وتعدد الوسطاء، وارتفاع تكاليف النقل، وضعف التفاوض، وقصور التصنيع والتعبئة.
لذلك نحتاج إلى منظومة وطنية لتسويق المنتجات الاستراتيجية، تجمع معلومات الأسواق والأسعار العالمية، وتحدد الأسواق المستهدفة، وتحسن الجودة والمواصفات، وتنسق التصدير، وتتابع حصائل الصادرات عبر القنوات النظامية.
ليس المطلوب احتكار الدولة لكل عمليات التصدير، وإنما أن توفر المعلومات والخدمات اللازمة، وتحمي المصالح الوطنية، وتضمن حصول البلاد على عائد عادل.
فالثروة لا تُقاس بما نخرجه من باطن الأرض، وإنما بما يبقى في اقتصاد البلاد من قيمة، وما يعود على مواطنيها من منفعة.
رابعاً: الاستيراد… بين ضرورات المواطن ومصالح المستورد.
تحتاج السلع الاستراتيجية، كالغذاء والدواء والوقود ومدخلات الإنتاج الضرورية، إلى تنظيم يضمن توافرها واستقرار إمداداتها، سواء عبر مؤسسات متخصصة أو شركات خاصة تعمل وفق ضوابط واضحة.
أما السلع غير الاستراتيجية، فيمكن ترك استيراد كثير منها للقطاع الخاص، في ظل نظام رقابي وجمركي شفاف.
ويجب أن تقوم المشتريات الحكومية على المنافسة ومقارنة الأسعار والتحقق من الجودة، حتى لا يتحول الاستيراد إلى فرصة لإثراء الوسطاء وإبرام الصفقات غير الاقتصادية.
وإذا استطاع المنتج المحلي توفير السلعة بالمواصفات المطلوبة والسعر التنافسي، فمن مصلحة البلاد تشجيعه، بدلاً من استيراد السلعة نفسها ثم مطالبة الصناعة الوطنية بالصمود أمام منافس يدفع المواطن فاتورته!
تستورد الدولة ما تحتاج إليه حين يعجز الإنتاج المحلي عن توفيره، لكنها تعمل في الوقت نفسه على بناء القدرة الوطنية على إنتاجه مستقبلاً.
المشكلة ليست في الموارد… وإنما في غياب الرؤية!
أخطر ما يواجه الاقتصاد السوداني اليوم ليس آثار الحرب وحدها، بل غياب رؤية اقتصادية كلية تحدد أهداف البلاد، وترتب أولوياتها، وتحدد وسائل التنفيذ والمسؤوليات وآليات المحاسبة.
الرؤية الاقتصادية ليست وثيقة أنيقة تُحفظ في أدراج المكاتب، ويُستعان بها عند زيارة وفد أجنبي أو انعقاد مؤتمر اقتصادي. إنها خطة عمل تحدد ماذا ننتج، وكيف نصنّع، وأين نسوّق، وماذا نستورد، وكيف نوزع مواردنا بين احتياجات المواطنين ومتطلبات الدفاع وإعادة الإعمار.
وعلى الدولة أن تجيب عن أسئلة عملية:
من يضمن مدخلات الإنتاج؟ من يشتري المحاصيل الاستراتيجية ويخزنها؟ من ينسق التصنيع والتصدير؟ كيف تُحصّل حصائل الصادرات؟ وكيف نرتب أولويات النقد الأجنبي؟ ومن يحاسب المسؤول إذا تعطلت المنظومة أو ضاعت مواردها؟
إذا ظلت هذه الأسئلة بلا إجابات واضحة، فستبقى الثروة مجرد أرقام مبهرة في التقارير الرسمية، بينما يظل المواطن يبحث عن ضروريات الحياة، كأنه يعيش في بلد آخر لا علاقة له بذلك السودان الذي نقرأ عن ثرواته في الكتب!
وهنا ينطبق قول الشاعر:
كالعيس في البيداء يقتلها الظما
والماء فوق ظهورها محمول!
وما أقسى أن تكون هذه حال بلد لا تنقصه أسباب الغنى، وإنما تنقصه القدرة على تحويل الغنى إلى حياة كريمة لمواطنيه!
الحرب ليست شهادة براءة اقتصادية!
لا أحد ينكر أن الحرب تستنزف الموارد وتعطل الإنتاج والتجارة، وتفرض أعباء استثنائية على الدولة. لكن ذلك لا يمنح الإدارة الاقتصادية صك براءة مفتوحاً، ولا يجعل الهدر والفساد أقل خطورة.
بل إن الحرب تجعل الإدارة الرشيدة أكثر ضرورة، لأن كل مورد يصبح أعلى قيمة، وكل قرار أكثر تأثيراً في حياة الناس.
تحتاج البلاد عاجلاً إلى تأمين الغذاء والدواء والوقود والخدمات الأساسية، وحماية سلاسل الإمداد، ومكافحة الفساد والتهريب.
وعلى المدى المتوسط، ينبغي إعادة تأهيل الزراعة والصناعة والنقل والطاقة، وتحسين نظم التحصيل والتصدير والاستيراد.
أما على المدى الطويل، فلا بد من تنويع الاقتصاد، والتوسع في التصنيع، وزيادة القيمة المضافة للموارد الوطنية، وتقليل الاعتماد على تصدير المواد الخام.
الحرب قد تفسر جانباً من الأزمة، لكنها لا تفسر كل شيء، ولا تجعل الفشل سياسة اقتصادية، ولا تجعل المواطن مطالباً بالصبر إلى ما لا نهاية!
سيدي البرهان… هل رفع الدولار الجمركي هو عبقرية الحكومة الاقتصادية؟!
تبدو حكومة «الأمل» وكأنها استقرت على نظرية اقتصادية فذة، اختصرت بها تعقيدات الاقتصاد السوداني في وصفة سحرية من ثلاثة مكونات: رفع الدولار الجمركي، وتوسيع المظلة الضريبية، وزيادة الرسوم الحكومية!
أما الإنتاج والتصنيع والصادرات والاستثمار وتخفيض تكلفة المعيشة، فهذه موضوعات تحتاج، فيما يبدو، إلى مزيد من الدراسة والتأمل، وربما إلى مؤتمر اقتصادي يُعقد بعد أن يفرغ المواطن من دفع فاتورة المؤتمر السابق!
ترفع الحكومة الدولار الجمركي بإطراد، وكأنها اكتشفت أن أفضل وسيلة لمواجهة ارتفاع الأسعار هي زيادة تكلفة السلع ومدخلات الإنتاج، وأن أفضل طريق لتخفيف أعباء المواطن هو إضافة أعباء جديدة إليه!
وتوسّع المظلة الضريبية حتى لا تكاد تترك بائع طعام أو شاي على الرصيف، أو عاملاً يدفع «درداقته» طلباً للرزق، أو صاحب «كارو» يحاول توفير قوت أسرته، إلا وأصبح هدفاً محتملاً لجباية جديدة.
يا له من إنجاز اقتصادي عظيم! لقد اكتشفت الدولة أخيراً القطاعات التي لم تكن قد أحسنت الوصول إليها: الفقراء الذين لا يملكون ما يكفيهم، وصغار الكسبة الذين يقتسمون شظف العيش مع أسرهم!
أما كبار المتهربين، ومواطن الهدر، ومكامن الفساد، فربما تحتاج ملاحقتهم إلى أجهزة أكثر تطوراً، أو إلى لجان لا تزال في طور التكوين!
وتكتمل اللوحة بزيادة رسوم الخدمات الأساسية، وإيصالات رجال المرور المنتشرين في الشوارع والتقاطعات والأزقة، والحرص على تحصيل الجمارك حتى من المتعلقات الشخصية المستعملة للعائدين من اللجوء!
كأن المواطن لم يدفع ما يكفيه من ثمن الغربة والنزوح وفقدان الممتلكات، حتى يُستقبل عند العودة برسالة عملية مفادها: أهلاً بعودتك إلى الوطن، ونأسف لإبلاغك بأن ممتلكاتك القديمة أصبحت فرصة إيرادية جديدة!
يا سيدي، ليست وظيفة الدولة أن تبحث عن آخر قرش في جيب المواطن، وإنما أن تبني اقتصاداً يتيح للمواطن أن يكسب قرشاً جديداً!
نعم، تحتاج الدولة إلى الضرائب والإيرادات العامة، لكن هناك فرقاً بين توسيع الإيرادات عبر نمو الإنتاج ومكافحة التهرب وترشيد الإنفاق، وبين إدارة مالية لا ترى أمامها سوى جيوب المواطنين، فتعود إليها كلما عجزت عن ابتكار حلول جديدة.
فرفع الدولار الجمركي قد يزيد تكلفة السلع المستوردة ومدخلات الإنتاج، وينتقل جزء من العبء إلى المستهلك. وإذا ظلت الإنتاجية ضعيفة والدخول متآكلة والخدمات متعثرة، فمن أين سيأتي الانتعاش الاقتصادي الذي ننتظره؟
هل تظن الحكومة أن الاقتصاد آلة صراف آلي، كلما احتاجت إلى المال ضغطت على زر الرسوم، فخرجت النقود من جيوب المواطنين دون أن تتأثر قدرتهم على الشراء والإنتاج؟!
المواطن ليس مورداً مالياً بلا حدود، ولا يجوز أن يكون الحلقة الأسهل في سلسلة التحصيل، بينما تظل أبواب الإصلاح الحقيقي موصدة!
سيدي البرهان… لا تكتفِ بالنزول لإطفاء الحرائق!
إن تكرار تدخل القيادة العليا لمعالجة أزمات اقتصادية وإدارية تعجز الحكومة عن احتوائها ليس دليلاً كافياً على سلامة الأداء؛ بل قد يكون مؤشراً إلى خلل في توزيع المسؤوليات وضعف آليات الرقابة والمساءلة.
فليس من الطبيعي أن تتحول القيادة السيادية إلى غرفة طوارئ دائمة، تعالج كل إخفاق تنفيذي، بينما تظل أسباب الأزمات قائمة تنتظر موعداً جديداً للظهور!
الدولة لا تُدار بالتدخلات الفردية وحدها، وإنما بمؤسسات واضحة الاختصاصات، وحكومة تعرف واجباتها، ووزراء يُسألون عن نتائج أعمالهم.
ولذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح على حكومة «الأمل» ليس كم اجتماعاً عقدت، ولا كم تصريحاً أصدرت، وإنما: ماذا أنتجت؟ ماذا أصلحت؟ ماذا وفرت للمواطن؟ وما الذي تغير في حياته إلى الأفضل؟
إذا عجزت الحكومة عن تقديم إجابات عملية، وظلت تعالج أزماتها بزيادة الأعباء على المواطنين وتكرار السياسات نفسها، فمن حق البلاد أن تسأل عن جدوى استمرارها.
سيدي البرهان، لا يكفي أن تتدخل في كل مرة لمعالجة كارثة اقتصادية؛ فالأجدى أن تضمن وجود حكومة لا تصنع الكوارث، أو على الأقل لا تتركها تتفاقم حتى تحتاج إلى تدخل رئيس الدولة!
ومن يعجز عن أداء واجباته، فإما أن يصحح مساره ويثبت قدرته على الإنجاز، وإما أن يفسح المجال لمن يستطيع. فالاستقالة عند العجز ليست عيباً، والإعفاء عند الفشل ليس ظلماً؛ وإنما الخلل أن يبقى المسؤول في موقعه، وتبقى المشكلة في مكانها، ويظل المواطن وحده يدفع الثمن.
الخلاصة: السودان لا تنقصه الثروة… وإنما تنقصه الإدارة التي تعرف ماذا تفعل بها!
إن اقتصاد الحرب لا يحتاج إلى مزيد من الارتجال، ولا إلى وصفات مالية تختزل الإصلاح في زيادة الضرائب والرسوم؛ وإنما يحتاج إلى رؤية تربط الموارد بالإنتاج، والإنتاج بالتصنيع والتصدير، والإيرادات العامة بالخدمات، وتضع المواطن في قلب المعادلة الاقتصادية، لا في آخرها حين يحين موعد دفع الفاتورة.
نحتاج إلى دولة تحفّز المنتج بدلاً من إنهاكه، وتدعم الاستثمار بدلاً من تطفيشه، وتحارب التهريب والفساد بدلاً من الاكتفاء بملاحقة صغار الكسبة، وتدير المال العام باعتباره أمانة وطنية.
فالسودان لا يحتاج إلى من يذكّره كل صباح بأنه غني بالموارد؛ فهذا يعرفه المواطن قبل المسؤول. وإنما يحتاج إلى من يحوّل هذه الموارد إلى طعام في الموائد، ودواء في المستشفيات، وتعليم في المدارس، وكهرباء في المنازل، وفرص عمل للشباب، وصناعات تضيف إلى ثرواته قيمة جديدة.
أما أن نظل أغنياء في باطن الأرض، وفقراء على ظهرها، نحمل الماء فوق ظهورنا ثم نموت عطشاً، فهذه ليست لعنة الموارد، وإنما محنة الإدارة التي لم تعرف بعد كيف تجعل الثروة في خدمة الوطن والمواطن!
دمتم … سالمين … آمنين … تآمين … لآمين



