آراء ومقالات

تنوير النعمان حبيب الله حين تتحول عربات الحكومة إلى وسيلة لإنقاذ المواطن.. يصبح القرار موقفاً، وتصبح المسؤولية فعلاً لا شعاراً!

تنوير النعمان حبيب الله حين تتحول عربات الحكومة إلى وسيلة لإنقاذ المواطن.. يصبح القرار موقفاً، وتصبح المسؤولية فعلاً لا شعاراً!

تنوير
النعمان حبيب الله
حين تتحول عربات الحكومة إلى وسيلة لإنقاذ المواطن.. يصبح القرار موقفاً، وتصبح المسؤولية فعلاً لا شعاراً!

في الوقت الذي يواجه فيه المواطن السوداني أزمات متلاحقة، جاءت مبادرة والي ولاية نهر النيل لتؤكد أن المسؤولية الحكومية الحقيقية لا تُقاس بكثرة التصريحات، وإنما بقدرة المسؤول على تخفيف المعاناة عن الناس، والبحث عن حلول عملية في أحلك الظروف. فقد وجّه الوالي، في ظل أزمة ندرة المواد البترولية، بتسخير العربات الحكومية لترحيل العاملين والموظفين والطلاب والطالبات إلى مواقع عملهم ومدارسهم مجاناً، إلى حين انجلاء الأزمة، كما وجّه بتسيير قطار لنقل المواطنين بين عطبرة والدامر برسوم رمزية، مراعاةً لظروف المواطنين والطلاب.
إنها مبادرة تستحق الإشادة والتقدير؛ لأنها خاطبت الأزمة من بابها الصحيح، وهو حماية المواطن من أن يدفع وحده فاتورة الاختناقات الاقتصادية، وأن تظل مؤسسات الدولة حاضرة إلى جانبه عندما تضيق به السبل. والتحية لوالي نهر النيل الذي أدرك أن الإمكانات الحكومية ليست للفرجة، وإنما ينبغي أن تُسخّر لخدمة الناس، خصوصاً في أوقات الشدة.
ولكن، وهنا يبرز السؤال الذي لا ينبغي أن يظل بلا إجابة: أين ولاية الخرطوم من هذه المبادرة؟
الخرطوم، التي يُفترض أن تكون الولاية الرائدة وصاحبة المبادرات، أولى من غيرها بتبني مثل هذه الخطوة وتعميمها على محلياتها، فالمعاناة فيها مضاعفة، والمواطن الذي عاد إلى دياره بعد أن أنهكته الحرب والنزوح، يجد نفسه اليوم أمام أزمة مواصلات طاحنة، وارتفاع جنوني في أسعار التذاكر، حتى بات الوصول إلى مكان العمل أو المدرسة عبئاً يفوق قدرة كثير من الأسر.
ندرة الجازولين والبنزين دفعت بعض أصحاب المركبات إلى البحث عن الوقود في السوق السوداء، حيث ترتفع التكلفة وتتضاعف الأعباء، فينعكس ذلك مباشرة على المواطن في صورة زيادات غير محتملة في تعرفة المواصلات. وبين غلاء المعيشة وارتفاع أسعار السلع وتراجع قيمة الجنيه أمام الدولار في السوق الموازي، يجد المواطن نفسه محاصراً بأزمات لا تنتهي، وكأن ما تحمّله من ويلات الحرب لم يكن كافياً!
أيها السادة في حكومة ولاية الخرطوم، المواطن لم يعد يحتمل مزيداً من الضغوط. لقد صبر على الحرب، وتحمل النزوح وفقدان الممتلكات ومصادر الرزق، وبدأ يعود بأمل أن يجد حياة أكثر استقراراً، فإذا به يصطدم بأزمة مواصلات تستنزف ما تبقى ما في جيبه، وتلتهم دخله قبل أن يصل إلى بيته.
لسنا هنا بصدد المقارنة من أجل الانتقاص من أحد، وإنما من أجل الاستفادة من تجربة ناجحة تستحق أن تُحتذى. وإذا استطاعت ولاية نهر النيل أن تسخّر عرباتها الحكومية لخدمة مواطنيها، فلماذا لا تفعل الخرطوم الشيء نفسه؟ ولماذا لا يصدر والي الخرطوم قراراً عاجلاً بتخصيص العربات الحكومية لنقل المواطنين مجاناً، وفق مسارات ومواعيد معلومة، مع إعطاء الأولوية للعاملين والطلاب والطالبات، إلى حين انتهاء أزمة الوقود؟ ويمكن أن تتكامل هذه الخطوة مع وسائل النقل المتاحة، وتُراجع بصورة مستمرة وفق تطورات الأزمة.
إنها ليست منحة من الحكومة، ولا معروفاً تمنّ به على المواطن، بل واجب تفرضه المسؤولية العامة، وتقتضيه الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد.
السيد والي الخرطوم، المواطن لا يريد أن يسمع عن الأزمة فقط، بل يريد أن يرى أثراً لجهود حكومته في حياته اليومية. ومبادرة والي نهر النيل أمامك، واضحة وبسيطة وقابلة للتطبيق، ولا تحتاج إلى أكثر من قرار شجاع وإرادة جادة وتنسيق بين مؤسسات الولاية.
أنصفوا هذا المواطن الذي أنهكته الحرب، ولا تتركوه وحيداً في مواجهة الغلاء والوقود والمواصلات. فالقيادة الحقيقية لا تُقاس بكرسي المنصب، وإنما بما تقدمه للناس حين تشتد الأزمات.
وإذا كانت عربات الحكومة تستطيع أن تتحرك لخدمة المسؤولين وإنجاز المهام الرسمية، فمن باب أولى أن تتحرك لخدمة المواطن الذي قامت الدولة من أجل رعايته.
الخرطوم تحتاج اليوم إلى مبادرة، لا إلى تبرير؛ وإلى قرار يخفف المعاناة، لا إلى انتظار انجلاء الأزمة من تلقاء نفسها.
فهل يتحرك والي الخرطوم، ويجعل من مبادرة والي نهر النيل بدايةً لقرار يعيد للمواطن بعضاً من حقه في الحياة الكريمة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى