آراء ومقالات

حين تنتصر الإرادة بقلم: أسامة الصادق ابو مهند

حين تنتصر الإرادة بقلم: أسامة الصادق ابو مهند

حين تنتصر الإرادة

بقلم: أسامة الصادق ابو مهند

لقد منحتنا معركة الكرامة بعداً مغايراً للانتماء الوطني، بعداً لم نألفه من قبل، وكشفت عن وجه آخر للشعب السوداني، وجه صقلته المحن وصاغته التجارب العريقة. ففي خضم تحديات لم يعرف تاريخنا لها مثيلاً، تجلى المعدن الأصيل لهذا الشعب، ليس بالسلاح وحده، بل بالتماسك والوعي.
إن مجرد وقوفنا صفاً واحداً، وإدراكنا لحجم المؤامرة التي تحاك في الظلام ضد وطننا، وتشبثنا بثوابتنا التي لا مساومة عليها، لا تفريط في ذرة تراب، ولا تنازل عن مبدأ، هو في حد ذاته انتصار. هو تضحية عظيمة وقيمة وطنية يجب أن نتشبث بها بكل قوة.
لقد لقنت المقاومة الشعبية الباسلة العدو درساً قاسياً سيظل محفوراً في الذاكرة.

قدمت للعالم أجمع نموذجاً فريداً في الالتفاف حول قواتها المسلحة، قيادة وجنداً، وهي تخوض ببسالة منقطعة النظير معركة وجود ضد مؤامرة دنيئة. وأكدت أن الوقوف خلف الجيش ليس منة، بل هو فريضة وطنية وواجب مقدس على كل سوداني.

وأتوقف هنا عند كلمات قوية قالها السيد الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة القائد العام للقوات المسلحة، حين قال إنها معركة الشعب السوداني كله، بمختلف أطيافه وقطاعاته، معركة يدافع فيها عن شرفه وعرضه وداره ووطنه. معركة عنوانها وحدة الشعب وصلابة الجيش، والقول الفصل فيها لمن حمل البندقية وذاد عن حياض الوطن.

نعم لطالما كانت وحدة هذا الشعب هي الثوب الذي نرتديه لمواجهة العواصف، وهي الدرع الذي يحمينا من رياح الفتنة التي تهب على السودان بين الحين والآخر، محاولة بث الفرقة وإشعال نار الشقاق. ولكنها في كل مرة تتحطم على صخرة صلبة، صخرة بناها تاريخ طويل من الصمود في وجه كل غازٍ وطامع، فصارت قوة هذا الشعب تظهر بأبهى صورها وقت الشدائد والمحن.

وما سر هذه القوة إلا مكانة قواتنا المسلحة في قلوبنا. فهي ليست مجرد مؤسسة، بل هي صمام أمان هذا الوطن، وهي العمود الذي تقوم عليه خيمة السودان، تحميها من السقوط وتجعلها ملاذاً آمناً، ليس لأبنائنا فقط، بل لكل أشقائنا الذين عصفت بأوطانهم رياح الفتن.
القوات المسلحة ليست آلة عسكرية تؤدي واجباً دستورياً فحسب، إنها كيان حي يسكن في كل بيت سوداني. ضباطها وجنودها هم أبناؤنا، خرجوا من بيننا، من كل قرية ومدينة، يحملون في قلوبهم وعقولهم عهداً راسخاً بأنهم امتداد لسلسلة مجد لا تنتهي من التضحية والفداء. هم أوراق خضراء في شجرة الوطن العملاقة التي ستظل راسخة، أصلها ثابت وفرعها في السماء.

إنهم الرجال الذين حموا الأرض والعرض، وصانوا شرف الأمة ولم يفرطوا في وحدة ترابنا الغالي. بذلوا أرواحهم رخيصة لكي لا يحكمنا عميل أو جبان. هم الأوصياء الحقيقيون على هذا الوطن، والممثل الشرعي لإرادته، لأنهم آمنوا بالرسالة وتحدوا المستحيل لينتصر الحق وتبقى الدولة، ليحيا الشعب حياة الكرماء، حياة العزة بلا ذل أو هوان.

فلنقف إجلالاً لكل شهيد، ولنرفع أكفنا بالدعاء لهم، ولنشكر أسرهم التي أهدتنا أبطالاً حفظوا الأمانة وصانوا البلاد. حين أتأمل صور الشهداء، تغمرني مشاعر الامتنان والعرفان، فقد منحونا بتضحياتهم أمناً ننعم به اليوم وأملاً في غد مشرق.
وأطمئن ما دامت هذه الروح الوطنية تسري في عروقنا، فإن هذا الوطن باقٍ لا يزول. فهذه ذرية بعضها من بعض، وسلسلة التضحية فيهم موصولة لا تنقطع، وينابيع الفداء عندهم جارية لا تنضب، خالدة كخلود نيلنا العظيم.

ولعل الشهادة في سبيل الوطن ليست حكراً على من يرتدي الزي العسكري، بل هي مقام يبلغه كل مخلص في عمله، كل من يقدم واجب الوطن على مصلحته الخاصة، ويؤدي رسالته بتفانٍ وإخلاص، فهو عند الله والناس في منزلة الشهداء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى