من يغلق نافذة الفرج أمام السودانيين؟ رشان أوشي
من يغلق نافذة الفرج أمام السودانيين؟ رشان أوشي

من يغلق نافذة الفرج أمام السودانيين؟
رشان أوشي
بينما يقضي السودانيون يومياً، ساعات طويلة في صفوف ممتدة أمام محطات الوقود، بحثاً عن كميات محدودة تكفي لتشغيل حافلة ركاب أو “ركشة”، تتعطل عجلة الحياة والإنتاج، وتتعثر مصالح المواطنين ومؤسسات الدولة.
ومع استمرار الأزمة، تضاعفت تعرفة المواصلات العامة في عموم البلاد، لتتحول رحلة المواطن اليومية إلى عبء إضافي في بلد أثقلت الحرب والأزمات كاهل أهله.
أمام هذا المشهد المأساوي، وفي محاولة لمعالجة الأزمة، تدخل رئيس مجلس السيادة عبر “المجلس الأعلى للنفط” برئاسته شخصياً، وأصدر توجيهات لوزارة الطاقة وبنك السودان المركزي بمراجعة سياساتهما، وفي مقدمتها كسر احتكار استيراد الوقود، الذي ظل طيلة الفترة الماضية محصوراً في أيدي شركات وشخصيات بعينها. وفتح باب المنافسة عبر عطاءات عالمية تتسم بالشفافية.
كانت تلك أولى خطوات الإصلاح، بالاتجاه أخيراً نحو إنهاء اوضاع مختلة يدفع المواطن ثمنها يومياً، بينما تجني قلة من المستوردين مكاسب ضخمة من معاناة السودانيين.
لكن ما جرى لاحقاً كان أمراً شديد الغرابة؛ إذ توقفت المعالجات عند الخطوة التي لا يمكن من دونها أن تصل باخرة وقود واحدة إلى الموانئ السودانية.
بعد أن استجابت وزارة النفط لتوجيهات رئيس مجلس السيادة، بطرح عطاء عالمي لاستيراد الوقود، تقدمت إليه أربع شركات عالمية كبرى، هي: أرامكو السعودية، ترافيغورا العالمية، وفيتول اليونانية، وشبكة بي جي إن (BGN) التركية، بحسب المعلومات التي تحصلنا عليها.
وأسفرت المنافسة، وفقاً للمعلومات ذاتها، عن فوز شركة “ترافيغورا” بتوريد ست بواخر من الجازولين، فيما فازت شركة “فيتول” بتوريد ثلاث بواخر من البنزين، بقيمة السعر العالمي مضافاً إليه (32) دولار فقط كمصروفات.
تظهر أهمية هذه الأرقام عند مقارنتها بما كانت تفرضه الشركات المحلية المحتكرة لمنظومة الاستيراد السابقة؛ إذ تؤكد المعلومات التي حصلنا عليها أن الإضافات كانت تصل إلى (52) دولار. وهو ما يكشف حجم الفارق المالي الضخم، والجهات التي استفادت منه، ومدى انعكاسه المباشر على التكلفة النهائية للوقود في السوق المحلي.
وفي تقديري، فإن توجيهات رئيس مجلس السيادة كانت بمثابة امتحان عملي لقدرة الدولة على تفكيك منظومة الاحتكار، وشراء احتياجاتها الاستراتيجية بشروط أفضل، وتقليص التكلفة التي يتحملها المواطن.
أما بالنسبة للشركات الفائزة بالعطاء، فبعد شروعها في استيفاء الإجراءات المطلوبة، اصطدمت بتعثر فتح الاعتمادات المصرفية اللازمة لتنفيذ عملية الاستيراد.
وهنا تحديداً وقف “حمار الشيخ في العقبة”.
ووفق المعلومات التي تحصلنا عليها، لم تكتمل خطوة فتح الاعتمادات حتى الآن، وبقيت البواخر التي كان يفترض أن تسهم في تخفيف الأزمة عالقة بين ثنايا الإجراءات. وفي المقابل، استمرت صفوف الوقود، وارتفعت تكلفة النقل، وظل المواطن يدفع ثمن تعثر تنفيذ قرار اتخذته أعلى سلطة في الدولة. لقد أغلق أحدهم نافذة الإصلاح.. ولكن لماذا؟ هذا ما يجب معرفته.
إن تعثر فتح الاعتماد يدفعنا إلى طرح سؤالين رئيسيين:
هل عجز بنك السودان المركزي عن توفير النقد الأجنبي اللازم لفتح الاعتمادات؟ أم أن هناك عوامل أخرى أسهمت في تعطيل تنفيذ العطاء، حفاظاً على مصالح المستفيدين من منظومة احتكار الاستيراد السابقة؟.
من حق الرأي العام الذي يكتوي بجحيم الصفوف أن يعرف لماذا توقفت إجراءات الاستيراد، ومن المسؤول عن عدم استكمالها، وما الذي يحول دون وصول الوقود عبر الشركات الفائزة؟ وإذا كان الراجح هو عجز البنك عن توفير النقد الأجنبي، فأين ذهبت الموارد التي أعلن البنك المركزي رسمياً استعداده لتخصيصها لتمويل الاحتياجات الاستراتيجية؟وهنا تكمن الحلقة المفقودة.
بحسب ما ورد في آخر تحديثات منصة بنك السودان المركزي الرسمية، أعلن البنك التزامه بتوفير النقد الأجنبي لتغطية احتياجات البلاد من السلع الاستراتيجية. وتشير المعلومات إلى أن بعض عمليات التمويل توفرت في وقت سابق بأسعار صرف رسمية اقل بفارق كبير عن أسعار السوق الموازي.
كما كشفت المعلومات عن تراجع البنك عن الاشتراطات الرقابية التي كانت تحكم عمليات التمويل والاستيراد؛ ففي العام ٢٠٢٢،اصدر البنك منشوراً يلزم الجهات المستفيدة بتقديم المستندات اللازمة، وإثبات تنفيذ عمليات الاستيراد عبر تقديم الشهادة الجمركية وشهادة الوارد تأكيدا لدخول الشحنات إلى البلاد خلال فترة شهر من تاريخ استخراج استمارة الاستيراد الالكترونية.
كانت هذه الإجراءات تهدف بالأساس إلى حماية موارد الدولة، وضمان استخدام النقد الأجنبي في الغرض الذي خصص له، ومنع تحويله إلى مكاسب خاصة على حساب الاقتصاد الوطني.
لكن النتيجة كانت حصول بعض المستوردين على النقد الأجنبي بالسعر الرسمي، ثم الاستفادة من فارق السعر عبر بيعه في السوق الأسود ، مما تسبب في استنزاف موارد النقد الأجنبي وإهدارها، وإضعاف قدرة الدولة على توفير احتياجاتها الأساسية.
وقد عرضت هذه المعلومات على بعض الخبراء الاقتصاديين الذين أكدوا أن ضعف الرقابة على عمليات التمويل والاستيراد يفتح الباب لاستنزاف النقد الأجنبي، وتعطيل الإمدادات، وإلحاق أضرار مباشرة بالاقتصاد.
وفي مسار البحث عن أسباب تعثر فتح الاعتمادات للشركات الفائزة، برز امران ، وهما: مساعي المحتكرين السابقين لحماية مصالحهم التي تضررت بقدوم شركات عالمية كبرى بأسعار تنافسية تسهم في خفض هامش أرباحهم الخيالية. و ضعف السيولة المتاحة أو استنزاف النقد الأجنبي، مما تسبب في عجز البنك المركزي عن استكمال إجراءات التمويل. وهنا يبرز السؤال الأهم: كيف تم انفاق الموارد التي سبق تخصيصها للاستيراد؟.
لقد اتخذ رئيس مجلس السيادة، خطوة سياسية مهمة من خلال “المجلس الأعلى للنفط” الذي وجه الجهات المعنية لمراجعة سياساتها، لكن قراراته اصطدمت بحائط صد، ولم يكتمل تنفيذها، لتبقى معاناة المواطن مستمرة.
إن الذين استفادوا من أي ثغرات في منظومة التمويل، أو سعوا إلى عرقلة المنافسة لحماية مصالح خاصة، يجب أن يخضعوا للمساءلة الفورية؛ لأن هذه القضايا تمس مباشرة حق المواطن الذي يعاني من أزمة طاحنة تشل حياته اليومية، وحق الاقتصاد السوداني في حماية موارده من الهدر والعبث.
إن الأمر يتطلب تحقيق عاجل في أسباب تعثر العطاء العالمي، ومراجعة جميع الاعتمادات التي منحت لتمويل استيراد الوقود سابقاً، ومطابقة التحويلات المصرفية مع مستندات الشحن والتخليص الجمركي، وتحديد المسؤولين عن هذا التعطيل داخل بنك السودان المركزي ووزارة الطاقة، مع تمكين الشركات الفائزة بالعطاء من استكمال الإجراءات وفق القواعد المعتمدة.
في النهاية، لا يحتاج السودانيون إلى تفسيرات جديدة لطول الصفوف؛ فهم يعيشون الأزمة كل لحظة. ما يحتاجون إليه حقاً هو معرفة من يعرقل وصول الوقود؟ وكيف أنفقت الأموال المخصصة لاستيراده؟ ولماذا تعجز مؤسسات الدولة عن تحويل قراراتها السيادية إلى نتائج ملموسة؟.
محبتي واحترامي


