د. صبري كجوك يكتب: التوقيت خان الكاتبة عائشة، لا تمبور.. قراءة هادئة في واقع الحرب والمبادرات الوطنية.

التوقيت خان الكاتبة عائشة، لا تمبور: قراءة هادئة في واقع الحرب والمبادرات الوطنية.
بقلم دكتور/ صبري كجوك
03 أغسطس 2026م
طالعت مقال الكاتبة عائشة الماجدي المعنون بـ التوقيت خانك يا تمبور، والذي وجهت فيه انتقادات غير منصفة لقائد حركة تحرير السودان ووالي ولاية وسط دارفور، السيد/مصطفي تمبور، على خلفية طرحه لرؤية وطنية تدعو إلى تفويض الفريق أول ركن/ عبد الفتاح البرهان لقيادة مرحلة الحكم المقبلة. ورغم محاولة الكاتبة استعطاف القارئ بالحديث عن قسوة الظروف المعيشية وانقطاع الخدمات، إلا أن قراءتها للموقف جاءت مجتزأة وتفتقر إلى الموضوعية السياسية والإدارية التي تقتضيها طبيعة المرحلة الراهنة.
أولاً: تمبور.. رجل دولة لا تأخذه في الحق لومة لائم
إن القائد مصطفي تمبور أثبت عبر مواقفه الصلبة أنه رجل دولة بمعنى الكلمة، يمتلك شجاعة الموقف والوضوح حين تتقاطع الطرق وتضيع البوصلة. فعندما اندلعت المؤامرة الكبرى على البلاد، كان تمبور من أوائل القادة الذين حسموا خيارهم بلا تردد، رافضاً الحياد السلبي، ومختاراً الوقوف بحزم إلى جانب الدولة ومؤسساتها وقواتها المسلحة. إنه رجل لا تغشاه لومة لائم متى تعلق الأمر بوجود الوطن وكرامته، ومبادراته الوطنية المستمرة تعكس حرصاً حقيقياً على مستقبل السودان، غير مكترث بالأصوات التي تحاول عرقلة مسيرة البناء الوطني أو المزايدة على مواقفه الثابتة.
ثانياً: هل يُعقل تعطيل الفكر الوطني لحين عودة الخدمات؟
ترتكز حجة الكاتبة الأساسية على أن توقيت المبادرة غير مناسب لأن المواطن يعاني من قسوة الظروف، وكأن المطلوب من القيادات الوطنية والسياسية أن تتوقف عن التفكير في مستقبل الدولة ورسم خريطة طريق الاستقرار إلى أن تنتظم خدمات الكهرباء والمياه! إن الدول لا تُبنى ولا تُدار بالانتظار السلبي للفرج، بل بصناعة الحلول لطرحها على الشعب. ومصطفي تمبور، بوصفه والياً ورئيساً لحركة مسلحة وفاعلاً سياسياً ووطنياً، لم يرتكب جُرماً عندما خاطب شعبه برؤية سياسية واضحة ومكاشفة شجاعة. تقديم الرؤى والمقترحات ليس رفاهية سياسية، بل هو واجب وطني لكي لا يترك الفراغ السياسي يعبث بما تبقى من مؤسسات الدولة.
ثالثاً: الموقع الدستوري والمسؤولية الوطنية المتكاملة.
عابت الكاتبة على تمبور إدلائه بالرؤى السياسية ومطالبته بلزوم الميدان وحده، متجاهلين تماماً صفته الرسمية والدستورية كوالي لولاية وسط دارفور. إن موقع المسؤولية التنفيذية والسياسية يفرض على القائد الوطني الجمع بين إدارة شؤون ولايته ومتابعة الملفات الميدانية والإدارية وبين طرح الرؤى الاستراتيجية لمستقبل البلاد. فالقائد الحقيقي لا ينعزل عن هموم شعبه، ولا يتخلى عن واجبه في تقديم المبادرات التي ترسم ملامح الاستقرار، فالميدان والسياسة وجهان لعملة واحدة في إدارة الدولة وقت الأزمات.
رابعاً: البرهان.. واقع دستوري يمليه الظرف التاريخي.
أما الطرح الخاص بتفويض الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان لقيادة الدولة، فلم يأتِ من فراغ أو خصماً على حقوق المواطن، بل هو استجابة لواقع دستوري وضرورة أمنية تفرضها ظروف الحرب الماثلة. البرهان ليس شخصية طارئة، بل هو رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة التي تحمي وحدة البلاد وترابها. إن الالتفاف حوله في هذه المرحلة المفصلية ليس تطبيلاً كما وصفت الكاتبة، بل هو دعم للشرعية وصمام أمان لمنع انهيار مؤسسات الدولة، وهو ما يعكس قراءة سياسية واعية من قبل تمبور لطبيعة المرحلة ومتطلبات العبور بها نحو بر الأمان.
إما رسالتي للكاتبة الأستاذة/ عائشة الماجدي.
فهي دعوة صادقة للتحلي بالدقة والموضوعية الصحفية، والابتعاد عن محاولات الاصطياد في المياه العكرة أو التقليل المجحف من الأدوار الوطنية المشرفة التي تلعبها القيادات الميدانية والسياسية بحجم السيد/ مصطفي تمبور. إن توجيه الأقلام يجب أن يكون مسانداً لمعركة الوجود والكرامة، لا أن يتخذ من معاناة المواطنين مطية لتسجيل مواقف عاطفية عابرة تحاول عبثاً طمس الحقيقة وتشويه نضال الشرفاء. السودان اليوم بحاجة إلى كلمة حق تواجه التحديات، لا إلى لغة عتاب عقيمة لا تقدم حلولاً ولا تبني وطناً.
إن الشعب السوداني، رغم قسوة المعاناة وشظف العيش، واعي تماماً ويسطيع الفرز بين من يسعى لترتيب البيت السوداني من منطلق المسؤولية الوطنية، ومن يبحث عن إثارة الغبار دون تقديم بديل عملي. إن مبادرة مصطفى تمبور لم تكن استفزازاً للمواطن، بل هي دعوة صادقة لاستشراف المستقبل وترسيخ الاستقرار عبر دعم رأس الشرعية الدستورية والعسكرية القائمة. وتلك شجاعة تُحسب لتمبور لا عليه، في زمن يحتاج إلى رجال المواقف لا إلى لغة العتاب العاطفي العقيمة.