آراء ومقالات

ناصر فراج يكتب: الـVAR بين ملعب العالم ومذابح السودان


ما بين الأقمار الاصطناعية التي ترصد تحركات الكرة في ملاعب كاس العالم ، ونظام الـVAR الذي يعيد عقارب العدالة في المباريات، أقف حائراً أمام هذا العالم العجيب. وأنا أكتب هذه السطور، لا يتعلق قلبي بشغف مباراةٍ في كأس العالم، وإنما بما يدور في بلدي الحبيب السودان. نعم، إنها هواية، وكأس العالم مناسبة لا تتكرر إلا كل أربعة أعوام في عمرنا البشري المتواضع، لكنها تترك أثراً يكون ميثاقاً وديدناً لقرون لاحقة. ولعلني أسترسل فلسفياً قليلاً، حتى أصل إلى النقطة الجوهرية التي أريد الخوض فيها.
ما حدث في وطني السودان، وتحديداً في مدينة الفاشر أب زكريا بعد سقوطها المروع، كان تحت أنظار نظام الـVAR العالمي، بينما كان الملايين يتابعون تحركات المعتدين من تتار العصر، حين حاصروها وجوّعوا إنسانها الذي قاتل واستبسل، حتى احتمل أكل طعام الدواب (الأمباز) ليعتاش صموداً على تلك البقعة التي سقطت ليس عنوة وقوة، بل بفضل تقاعس حكام الـVAR الأخلاقي في تلك اللحظة الفارقة. احتجّ سكانها ولاعبوها اليوم، فلم يحرّك لهم ساكن، ولم يزجرهم عاكس، ولا رفع لهم راية.
واليوم، بينما نحدق في شاشات الـVAR العالمي، تتكرر المأساة أمام أعيننا في مدينة الأبيض، ونفس الداعم يمدّ جيوش المعتدين بمعينات حديثة، ويأتينا بآلة إعلامية غادرة لطمس معالم جريمته الأولى. أليس غريباً أن نعيش في عالم يتطور فيه كل شيء بتناسق مذهل، حتى الجريمة الإنسانية صارت تُوثّق بأحدث التكنولوجيا، التي نسمّيها مجازاً
التحضر؟
نعم، نحن شهود عصرٍ يرفع راية العدالة في الملعب، ويغضّ الطرف عن مجازر الأرض. كأس العالم تمرّ، ودماء السودان تروي ترابها، والـVAR يصوّر كل شيء إلا أنه لا يحتسب إلا أهداف الكرة، لا أرواح البشر من العالم الاول .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى