قطع العلاقات بين إثيوبيا وإريتريا.. هل تقترب المنطقة من حرب جديدة؟ بقلم: علي محمد طاهر علام
قطع العلاقات بين إثيوبيا وإريتريا.. هل تقترب المنطقة من حرب جديدة؟ بقلم: علي محمد طاهر علام

قطع العلاقات بين إثيوبيا وإريتريا.. هل تقترب المنطقة من حرب جديدة؟
بقلم: علي محمد طاهر علام
لم يعد التصعيد بين إثيوبيا وإريتريا مجرد خلاف دبلوماسي يمكن احتواؤه ببيانات التهدئة.
فإغلاق إثيوبيا سفارتها في أسمرا، وإعلان عشرة دبلوماسيين إريتريين أشخاصاً غير مرغوب فيهم، ثم رد إريتريا بقطع العلاقات الدبلوماسية مع إثيوبيا، جاء في لحظة شديدة الحساسية، بالتزامن مع تجدد القتال في شمال إثيوبيا وتصاعد الاتهامات المتبادلة حول التدخل الخارجي.
وكان رئيس أركان الجيش الإثيوبي قد اتهم إريتريا والسودان ومصر بدعم تحالف مسلح يواجه الحكومة الإثيوبية، وهي اتهامات نفتها الأطراف المعنية. وفي المقابل، اتهم السودان إثيوبيا بالسماح باستخدام أراضيها في تدريب وتسليح قوات الدعم السريع وتنفيذ أنشطة عسكرية مرتبطة بالطائرات المسيّرة.
المهم هنا لا يكمن في مدى صحة هذه الاتهامات، وإنما ما تكشفه عن طبيعة التحول في البيئة الأمنية المحيطة بإثيوبيا. فعندما تنتقل الأزمة من صراع داخلي إلى اتهام دول الجوار بالتورط فيها، ثم تتحول الاتهامات إلى إجراءات دبلوماسية وعقوبات متبادلة، فإن الأزمة تبدأ في تجاوز حدودها الوطنية. وهنا تحديداً تكمن خطورة المشهد.
إريتريا ليست دولة بعيدة عن الحسابات الإثيوبية. فهي جار مباشر، وخاض البلدان حرباً طويلة، قبل أن تشهد العلاقات تحولاً كبيراً بعد وصول رئيس الوزراء آبي أحمد إلى السلطة عام 2018. ثم تحولت أسمرا إلى حليف لأديس أبابا خلال حرب تيغراي، قبل أن تتدهور العلاقات مجدداً بعد انتهاء الحرب واتفاق بريتوريا. واليوم عادت ملفات الحدود، وتيغراي، والوجود العسكري، والوصول إلى البحر الأحمر إلى واجهة العلاقة من جديد. لذلك فإن قطع العلاقات لا يعني أن قرار الحرب قد اتُخذ، لكنه يعني أن واحدة من أهم قنوات إدارة الخلاف بين البلدين أُغلقت في توقيت بالغ الحساسية.
وهنا يبرز السؤال الأصعب: هل يمكن أن تتحول القطيعة الدبلوماسية إلى مواجهة عسكرية مباشرة؟
من الناحية السياسية والعسكرية، ستكون كلفة الحرب مرتفعة على الطرفين. لكن ارتفاع الكلفة لا يلغي احتمال التصعيد. فالمواجهة لا تبدأ بالضرورة بإعلان حرب شاملة، قد تبدأ باحتكاك حدودي، أو ضربة محدودة، أو دعم غير مباشر لقوى محلية، ثم تتسع بفعل ردود الفعل المتبادلة.
وفي منطقة تحمل ذاكرة ثقيلة من الحروب، يصبح هامش الحسابات الخاطئة ضيقاً. حادث واحد، أو تقدير أمني خاطئ، قد يدفع الطرفين إلى خطوات يصعب التراجع عنها.
وتزداد حساسية المسألة بسبب البحر الأحمر. فإثيوبيا دولة حبيسة منذ استقلال إريتريا عام 1993، والوصول إلى البحر يمثل بالنسبة إليها قضية استراتيجية واقتصادية. وقد أكدت أديس أبابا مراراً رغبتها في الحصول على منفذ بحري من خلال ترتيبات سلمية، بينما تنظر أسمرا بحذر إلى أي تحرك إثيوبي يمكن أن يمس سيادتها أو أمنها.
ومن هنا، فإن التوتر الحالي لا يمكن فصله عن الجغرافيا الاستراتيجية للقرن الأفريقي. إريتريا تملك ساحلاً على البحر الأحمر، وإثيوبيا تملك الثقل السكاني والسياسي والعسكري في منطقة واسعة، وأي تغير حاد في العلاقة بينهما لا يبقى محصوراً داخل الحدود الثنائية.
أما السودان، فهو الطرف الذي لا يستطيع التعامل مع هذا التصعيد باعتباره شأناً إثيوبياً ـ إريترياً خالصاً. فالخرطوم تخوض حرباً مازالت مستمرة، وعلاقاتها مع أديس أبابا تشهد بدورها توتراً أمنياً متزايداً. وفي الأسابيع الأخيرة، اتهم مسؤولون سودانيون إثيوبيا بإيواء وتدريب عناصر تابعة لقوات الدعم السريع وتسهيل أنشطة لوجستية وعسكرية من أراضيها. وفي المقابل، اتهمت القيادة العسكرية الإثيوبية السودان بدعم قوى مسلحة تقاتل الحكومة الإثيوبية، وهو ما نفته الخرطوم واعتبرته اتهاماً بلا أساس.
وبغض النظر عن نتائج التحقق من هذه الاتهامات، فإن خطورتها تكمن في تحول الحدود السودانية ـ الإثيوبية إلى جزء من الحسابات العسكرية والسياسية المتبادلة.
فالحدود ليست مجرد خط جغرافي في هذه المرحلة، بل مساحة يمكن أن تتقاطع فيها حركة السلاح والمقاتلين والتهريب والمصالح الإقليمية. وأي تدهور إضافي في العلاقات بين الخرطوم وأديس أبابا يمكن أن يفتح مساراً جديداً للتوتر، في وقت لا يحتمل فيه السودان جبهة إضافية.
لذلك لا يحتاج السودان إلى مواجهة جديدة مع إثيوبيا، لكنه في الوقت نفسه لا يستطيع تجاهل ما يجري على حدوده الشرقية. والمصلحة السودانية تقتضي حماية الحدود ومنع استخدام الأراضي السودانية في أعمال عسكرية ضد دول الجوار، مع التعامل بحزم مع أي نشاط خارجي يهدد الأمن والسيادة. فالابتعاد عن صراعات الآخرين لا يعني التخلي عن حماية المصالح الوطنية.
وفي خلفية هذا المشهد تقف مصر وملف سد النهضة بوصفهما أحد عناصر التوتر الإقليمي، وإن لم يكونا تفسيراً وحيداً لما يجري.
فالسد، الذي افتتحته إثيوبيا رسمياً في سبتمبر 2025، ظل محور خلاف طويل بين أديس أبابا والقاهرة والخرطوم بشأن قواعد التشغيل وتبادل المعلومات وإدارة المياه.
ولهذا فإن إدراج مصر والسودان وإريتريا في خطاب أمني إثيوبي واحد يحمل دلالة سياسية، لكنه لا يمثل في حد ذاته دليلاً على وجود تنسيق عسكري بين هذه الدول. فلكل طرف خلافاته وحساباته الخاصة. هناك ملف سد النهضة مع مصر والسودان، وملف البحر الأحمر والوصول البحري مع إريتريا، والتنافس على النفوذ في القرن الأفريقي، إلى جانب الصراع الداخلي الإثيوبي.
المشكلة أن هذه الملفات بدأت تقترب من بعضها في توقيت واحد.
وهنا يصبح المشهد أكثر تعقيداً. فهناك أكثر من مسار يمكن أن تتخذه الأحداث: قد تنجح الوساطات الأفريقية والدولية في إعادة فتح قنوات الاتصال واحتواء التصعيد، وقد يبقى القتال داخل إثيوبيا دون انتقال مباشر إلى مواجهة إقليمية، وقد تشهد الحدود الإثيوبية ـ الإريترية احتكاكات محدودة لا تتطور إلى حرب شاملة.
لكن الخطر الحقيقي يبدأ عندما تتداخل هذه المسارات معاً: حرب داخل إثيوبيا، وقطيعة مع إريتريا، وتوتر متصاعد مع السودان ومصر، وتنافس على البحر الأحمر، في منطقة تشهد أصلاً حرباً مدمرة في السودان وأزمات أمنية متشابكة في القرن الأفريقي. عندها لن تكون المسألة مجرد أزمة إثيوبية داخلية، بل شبكة أزمات يمكن أن تتغذى كل واحدة منها على الأخرى.
وهذا ما يجعل استقرار إثيوبيا قضية تتجاوز حدودها. فأديس أبابا تستضيف مقر الاتحاد الأفريقي، وإثيوبيا تمتلك وزناً سكانياً وسياسياً وعسكرياً كبيراً، وترتبط مصالحها مباشرة بالسودان وإريتريا والصومال والبحر الأحمر ومصر. وأي اضطراب واسع فيها يمكن أن يعيد رسم موازين القوى في منطقة تمتد من النيل إلى البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
لذلك فإن قطع العلاقات بين إثيوبيا وإريتريا ليس إعلاناً للحرب، لكنه مؤشر خطير على تضاؤل مساحة التفاهم في واحدة من أكثر مناطق القارة هشاشة.
والأخطر أن القطيعة جاءت في وقت تتراكم فيه أسباب التوتر بدلاً من أن تتراجع. فإذا استمر التصعيد السياسي والعسكري، وتحولت الاتهامات المتبادلة إلى إجراءات ميدانية، فإن احتمالات انتقال الأزمة من الداخل الإثيوبي إلى حدود دول الجوار ستزداد، وقد يجد السودان ومصر ودول أخرى نفسها أمام تداعيات أمنية لا ترغب فيها ولا تملك وحدها القدرة على احتوائها.
إن اندلاع مواجهة مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا لن يكون حرباً بين دولتين فقط؛ فموقع البلدين، وتشابك علاقاتهما مع السودان ومصر والصومال، وارتباطهما بالبحر الأحمر والنيل، يجعل أي حرب جديدة قابلة للتمدد سياسياً وأمنياً إلى مساحة أوسع من حدودها الأولى.
وهنا يبرز المأزق الاصعب: القرن الأفريقي لا يواجه أزمة واحدة يمكن احتواؤها منفردة، بل تراكم أزمات إذا التقت في لحظة واحدة فقد تنتج صراعاً إقليمياً يصعب التحكم في مساره.
ولهذا فإن منع المواجهة لا يمثل مصلحة إثيوبيا وإريتريا وحدهما، بل مصلحة السودان ومصر ودول القرن الأفريقي والمنطقة كلها. فالحرب الجديدة، إن اندلعت، لن تبدأ بالضرورة من قرار معلن، قد تبدأ من سوء تقدير، أو حادث حدودي، أو رد عسكري محدود، ثم تتسع بفعل منطق الانتقام وتعدد الأطراف.
وفي منطقة أنهكتها الحروب، قد تكون أخطر خطوة هي تلك التي يظن أصحابها أنها محدودة.
فهل تستطيع دول القرن الأفريقي احتواء هذا التوتر قبل أن يتحول من أزمة دبلوماسية إلى مواجهة عسكرية، ومن مواجهة ثنائية إلى حرب إقليمية تعيد المنطقة كلها إلى دائرة صراع جديدة؟



