المهندس نهيض محمد نهيض صالح يكتب: من الانتصار العسكري إلى معركة الإنقاذ الاقتصادي وإعادة بناء الدولة..

*من الانتصار العسكري إلى معركة الإنقاذ الاقتصادي وإعادة بناء الدولة*
*إصلاح الحكومة ضرورة لإدارة اقتصاد الحرب وإسناد مجلس السيادة وتهيئة العودة الطوعية وإعادة الإعمار*
✍️ *المهندس نهيض محمد نهيض*
إن الانتصارات العسكرية التي تحققها القوات المسلحة السودانية في معركة الكرامة تمثل خطوة مهمة نحو استعادة الدولة لسيادتها وبسط سلطتها على الأرض. غير أن الانتصار العسكري، مهما بلغت أهميته، لا يكتمل أثره الوطني إلا بقدرة الدولة على معالجة الأزمة الاقتصادية، وتخفيف معاناة المواطنين، وإعادة تشغيل مؤسسات الإنتاج والخدمات، وتهيئة الظروف لإعادة الإعمار والعودة الطوعية للنازحين واللاجئين.
*ومن هنا* يبرز سؤال جوهري: هل تمتلك الحكومة الحالية برئاسة الدكتور كامل إدريس الأدوات والقدرات اللازمة لإدارة اقتصاد الحرب وقيادة مرحلة التعافي، أم أن المرحلة تتطلب إصلاحاً حكومياً شاملاً، وربما إعادة تشكيل الجهاز التنفيذي على أسس الكفاءة والفاعلية والإنجاز؟
*أولاً:* إصلاح الحكومة استحقاق تفرضه المرحلة
إن استمرار الأزمات المعيشية، من ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية إلى اختناقات الوقود وغاز الطهي واضطراب سوق الصرف، يفرض مراجعة جادة للأداء الاقتصادي الحكومي، دون إغفال الظروف الاستثنائية التي أفرزتها الحرب وتدمير المنشآت وتعطل الإنتاج وسلاسل الإمداد.
*لكن* الحرب لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر مفتوح لاستمرار التدهور أو تأجيل الإصلاح؛ بل تجعل الحاجة إلى التخطيط والكفاءة وسرعة اتخاذ القرار أكثر إلحاحاً.
*وعليه*، فإن المطلوب هو تقييم أداء الوزارات والمؤسسات الاقتصادية، وتحديد أوجه القصور، وإسناد المسؤوليات إلى أصحاب الخبرة والنزاهة والقدرة على الإنجاز. وإذا أثبتت المراجعة أن الإصلاح الجزئي غير كافٍ، فإن إعادة تشكيل الحكومة تصبح خياراً وطنياً يستحق النظر، وفق الأطر القانونية، وبعيداً عن المحاصصة والصراعات على المناصب.
*فالسودان* لا يحتاج إلى تغيير الأسماء وحده، بل إلى حكومة ذات برنامج واضح، وأولويات محددة، ومسؤوليات قابلة للمحاسبة.
*ثانياً:* حكومة فاعلة لإدارة اقتصاد الحرب وإسناد مجلس السيادة
إن معركة الكرامة ليست عسكرية فحسب، بل هي معركة وطنية تتكامل فيها الجهود العسكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية. فبينما تؤدي القوات المسلحة مهامها في الميدان، تقع على عاتق الحكومة مسؤولية تأمين احتياجات المواطنين، واستقرار الإمدادات، ودعم الإنتاج، وحماية الخدمات الأساسية.
*ومن هنا*، فإن إسناد مجلس السيادة في مسؤولياته الوطنية يتطلب جهازاً تنفيذياً فعالاً، قادراً على تعبئة الموارد وتنسيق الجهود بين الوزارات والولايات والمؤسسات الاقتصادية.
ويقتضي ذلك إنشاء آلية وطنية موحدة لإدارة الأزمات الاقتصادية، تتوافر لديها بيانات دقيقة عن المخزون والإنتاج والواردات والأسعار، وتعمل على تأمين الوقود والدواء والغذاء ومدخلات الإنتاج، وتوجيه الموارد المحدودة نحو الأولويات الأكثر إلحاحاً.
*إن* نجاح الدولة في إدارة اقتصاد الحرب لا يُقاس بكثرة التصريحات، بل بقدرتها على تقليل الاختناقات، وتحسين الخدمات، وتخفيف الأعباء عن المواطنين، وتعزيز الصمود الاقتصادي والاجتماعي.
*ثالثاً:* من إدارة الأزمة إلى الإنتاج والتعافي
لا يمكن تحقيق استقرار اقتصادي مستدام بالاعتماد على الاستيراد أو المعالجات المؤقتة وحدها، بل لا بد من الانتقال إلى اقتصاد منتج يستفيد من الموارد الوطنية ويخلق فرص العمل.
*ويتطلب* ذلك إعطاء الأولوية للمحاور التالية:
– الزراعة: تأهيل المشروعات الزراعية، وتوفير التمويل والتقاوي والآليات، وتطوير الري بالطاقة الشمسية، وتعزيز إنتاج الغذاء والمحاصيل التصديرية.
– التعدين: تنظيم القطاع، والحد من التهريب، وتعزيز الشفافية، وتوجيه عائداته إلى الإنتاج والخدمات والتنمية.
– الصناعة: توطين الصناعات الغذائية والتحويلية، والاستفادة من المواد الخام المحلية، وتقليل الاعتماد على الواردات حيثما تكون الصناعة الوطنية مجدية.
– الشباب والمشروعات الصغيرة: توفير التمويل والتدريب والأسواق، وتحويل الطاقات الشبابية إلى فرص إنتاج وتشغيل.
– إصلاح المال العام: ضبط الإنفاق، ومكافحة الفساد، وتعزيز الشفافية والمساءلة، وتوجيه الموارد إلى القطاعات ذات الأثر المباشر في حياة المواطنين.
*إن المطلوب* هو ربط السياسات الاقتصادية ببرنامج تنفيذي محدد، يضم أهدافاً زمنية ومؤشرات أداء واضحة، مع نشر تقارير دورية عن النتائج ومحاسبة المسؤولين عن التنفيذ.
*رابعاً:* إعادة الإعمار مسؤولية تبدأ من الآن
إن إعادة الإعمار لا ينبغي أن تنتظر انتهاء جميع آثار الحرب، بل يجب أن تبدأ تدريجياً في المناطق التي تسمح ظروفها الأمنية والفنية بذلك.
*وتشمل* الأولويات إعادة تأهيل شبكات المياه والكهرباء والطرق والمستشفيات والمدارس والأسواق، وإصلاح المساكن والمنشآت الإنتاجية، ودعم المشروعات الزراعية والصناعية والتجارية لاستعادة نشاطها.
*ولتحقيق* ذلك، لا بد من إعداد برنامج وطني لإعادة الإعمار، يستند إلى حصر الأضرار والاحتياجات، وترتيب المناطق والمشروعات وفق الأولوية، وتعبئة الموارد المحلية والاستثمارات والشراكات التنموية، مع ضمان الشفافية في التمويل والعقود والتنفيذ.
*كما* ينبغي إشراك الولايات والقطاع الخاص والمجتمعات المحلية والسودانيين بالخارج في هذه العملية، حتى تتحول إعادة الإعمار إلى محرك للإنتاج والتشغيل، لا مجرد إنفاق على المباني والمنشآت.
*خامساً:* العودة الطوعية للنازحين واللاجئين اختبار لنجاح الدولة
إن العودة الطوعية للنازحين واللاجئين إلى مناطقهم تمثل استحقاقاً وطنياً وإنسانياً، لكنها لا تتحقق بمجرد استعادة المدن والمناطق، بل بتوفير الأمن والسكن والخدمات وفرص كسب العيش.
*ولذلك*، يجب إطلاق برنامج وطني للعودة الطوعية الكريمة، يبدأ بتقييم الأوضاع الأمنية والخدمية، وإزالة مخلفات الحرب ومخاطرها، وإعادة تأهيل المرافق الأساسية، وتوفير الدعم الأولي للعائدين، ومساعدتهم على استعادة أنشطتهم الزراعية والتجارية والمهنية.
*كما* يجب ضمان أن تكون العودة طوعية آمنة وكريمة ومستدامة، وألا يتعرض المواطنون للإكراه أو الضغوط، مع حماية حقوقهم في المساكن والأراضي والممتلكات وفق القانون.
*فالعودة* الحقيقية ليست في عدد العائدين وحده، وإنما في قدرتهم على الاستقرار، وتعليم أبنائهم، والحصول على العلاج والمياه، واستعادة مصادر دخلهم والعيش بكرامة.
*سادساً:* إصلاح حقيقي وبرنامج زمني للمحاسبة
إن إصلاح الحكومة أو إعادة تشكيلها لا ينبغي أن يكون هدفاً شكلياً، بل وسيلة لبناء جهاز تنفيذي أكثر قدرة على مواجهة تحديات الحرب والتعافي.
*ويمكن البدء* ببرنامج عاجل خلال المائة يوم الأولى، يشمل مراجعة الأداء الحكومي، وتأمين السلع الاستراتيجية، وتحديد أولويات الإنتاج، وحصر احتياجات إعادة الإعمار، ووضع خطة للعودة الطوعية، وإعلان مؤشرات واضحة لقياس الإنجاز.
*ثم* ينتقل العمل إلى مرحلة التعافي خلال ستة إلى اثني عشر شهراً، وفق الإمكانات المتاحة والظروف الأمنية، مع توسيع الإنتاج، وإعادة تشغيل المرافق الحيوية، وتوفير فرص العمل، وتحسين الخدمات في المناطق المستهدفة.
ويجب أن تخضع هذه البرامج للمتابعة والمحاسبة، وأن يعرف المواطن ما تحقق فعلياً، وما تعثر، والأسباب التي حالت دون التنفيذ.
*الانتصار الحقيقي* هو استعادة الدولة وكرامة المواطن
إن السودان الذي يصمد في الميدان يحتاج إلى اقتصاد يصمد في الأسواق، وحكومة تحسن إدارة الموارد، ومؤسسات تستعيد قدرتها على الإنتاج وتقديم الخدمات.
*ومن هنا*، فإن إصلاح الحكومة الحالية، أو إعادة تشكيلها إذا اقتضت نتائج التقييم ذلك، يجب أن ينطلق من المصلحة الوطنية، ويستهدف تشكيل جهاز تنفيذي قادر على إسناد مجلس السيادة في مسؤولياته، وإدارة اقتصاد الحرب، وقيادة إعادة الإعمار، وتهيئة الظروف للعودة الطوعية الكريمة للنازحين واللاجئين.
*إن* معركة الكرامة لا تكتمل باستعادة الأرض وحدها، بل باستعادة قدرة الدولة على الإنتاج، وتأمين احتياجات المواطنين، وإعمار ما دمرته الحرب، وبناء مستقبل يستطيع فيه السودانيون العودة إلى ديارهم والعيش بأمن وكرامة.
*وهذه* هي المسؤولية الوطنية التي تتطلب قرارات شجاعة، وإصلاحاً حقيقياً، وحكومة تقاس كفاءتها بما تنجزه على أرض الواقع، لا بما تعلنه من وعود.



