آراء ومقالات

عادل عبد العاطي يكتب..أسطورة «السوفات السبع»: كيف اختُلقت نبوءة وأُلصقت بمحمود محمد طه؟

عادل عبد العاطي يكتب..أسطورة «السوفات السبع»: كيف اختُلقت نبوءة وأُلصقت بمحمود محمد طه؟

عادل عبد العاطي يكتب..أسطورة «السوفات السبع»:
كيف اختُلقت نبوءة وأُلصقت بمحمود محمد طه؟

مقدمة:
تنتشر في السودان مقولة تُنسب إلى محمود محمد طه، تُعرف باسم «السوفات السبع»، ويُروَّج لها باعتبارها نبوءة أطلقها الرجل في أواخر السبعينيات، وتنبأ فيها بما سيحدث للسودان إذا وصل الأخوان المسلمون إلى السلطة. وأنا أرى أن هذه المقولة منتحلة، وأن نسبتها إلى محمود محمد طه افتراء لا يقوم على أساس توثيقي سليم، فضلًا عن أن مضمونها، كما تتناقله الروايات، ينطوي على تصور أخلاقي بالغ السوء والشر تجاه معاناة شعب بأكمله.

حول حجية النسب:
في هذا المقال لا أنطلق من منطلق خلاف فكري أو سياسي مع الجمهوريين أو غيرهم، بل من سؤال أكثر أهمية: هل قال محمود محمد طه هذه الكلمات أصلًا؟ وهل يوجد مصدر أصلي موثوق يثبت أنه قالها، وفي أي مناسبة، وبأي صيغة؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تسبق أي حديث عن دقة النبوءة المزعومة أو عن تحققها. فلا يمكن أن ننسب إلى رجل كلامًا لم تثبت نسبته إليه، ثم نجعل من الوقائع اللاحقة دليلًا على أنه قاله.
لقد بحثت في كتابات محمود محمد طه ومقالاته وخطاباته، وفي التسجيلات الموثقة لمحاضراته وندواته وحواراته، ولم أعثر على هذه المقولة. وهذا الغياب يستحق الانتباه، خصوصًا أن الجمهوريين اهتموا جداً بتوثيق إنتاج محمود الفكري وخطابه العام، كتابةً وتسجيلًا صوتيًا. ومع ذلك، لا أستند إلى غياب المقولة عن المواد التي راجعتها وحده، بل إلى مجموعة من القرائن التي تجعل نسبتها إليه موضع شك جوهري، وتدفعني إلى الجزم بأنها منتحلة.

مقولة بلا أصل وروايات متنازعة:
من أبرز الوثائق التي تكشف اضطراب الرواية حول أصل «السوفات السبع» نقاش ابتدره الأستاذ أمين محمد سليمأن نُشر في موقع «سودانيز أونلاين» في أغسطس 2010 بعنوان «الجمهوريون و(حديث السوفات السبعة)!!!». حيث تناول المنشور مسألة مصدر هذا المقولة، وتضمن روايات مختلفة بشأن المناسبة التي قيلت فيها، والوسيط الذي انتقلت من خلاله إلى الجمهور.
فقد نُقلت رواية تنسب الكلام إلى محمود في عام 1978، وقيل إنه ورد في محاضرة أو لقاء في شمبات. وتحدث مشاركون آخرون عن احتمال ظهور المقولة في صحيفة طلابية بجامعة الخرطوم، فيما أشارت روايات إلى انتقالها شفهيًا بين الجمهوريين قبل أن تظهر في كتابات لاحقة. وتضمنت المداخلات أيضًا إقرارًا بعدم توافر تسجيل أو مصدر مكتوب يمكن الرجوع إليه لإثبات هذا النص.
وهنا يبرز السؤال الذي لم يقدم مختلف المتداخلين من الجمهوريين وغيرهم إجابة موثقة عنه: أين التسجيل لهذا النص أن كأن نصاً مسجلاً؟ وأين النص المكتوب لو كأن نصاً مكتوباً في حينه؟ بل أين اسم المحاضرة وتاريخها، أو اسم الصحيفة ورقم العدد والصفحة؟ وكيف انتقلت المقولة من رواية إلى أخرى، ومن مناسبة إلى أخرى، من دون أن يظهر أصل يمكن التحقق منه؟
إن تعدد الروايات ليس أمرًا بسيطًا. فعندما تكون لدينا مقولة منسوبة إلى شخصية تاريخية، ثم تختلف الروايات بشأن زمانها ومكانها وطريقة نقلها، ويغيب المصدر الأصلي، فإننا لا نكون أمام حقيقة موثقة، بل أمام رواية متداولة تطالبنا بأن نصدقها من دون أن تقدم الدليل الذي يوثق صحتها.
والمفارقة أن هذه الأسئلة كانت مطروحة منذ عام 2010 على الأقل، أي قبل سنوات طويلة من إعادة تداول المقولة في سياقات سياسية وإعلامية مختلفة. ومع ذلك، لم يتحول تداولها المتكرر إلى توثيق أصلي، ولم تُنهِ كثرة الناقلين الخلاف حول مصدرها.

نصوص مختلفة لنبوءة واحدة:
لا تتداول المواقع والمقالات السودانية نصًا واحدًا ثابتًا لـ«السوفات السبع»، بل توجد صيغ مختلفة تتباين في بدايتها وفي عدد من عباراتها الأساسية.
تبدأ إحدى النسخ بالقول:
«ومن الأفضل للشعب السوداني أن يمر بتجربة حكم جماعة الهوس الديني».
بينما تبدأ نسخة أخرى بالقول:
«سوف تكون تجربة حكم جماعة الأخوان المسلمين مفيدة للغاية».
وفي النسخة الأولى، نجد العبارة:
«إذ إنها بلا شك ستبين لأبناء هذا الشعب مدى زيف شعارات هذه الجماعة».
أما النسخة الثانية، فتورد:
«وسوف تكشف لهذا الشعب مدى زيف شعارات هذه الجماعة».
كما تتغير التسمية بين «جماعة الهوس الديني» و«جماعة الأخوان المسلمين»، وتختلف بعض التفاصيل الأخرى في ترتيب العبارات وصياغتها.
إن هذا النص المتغير يُقدَّم بوصفه نبوءة تاريخية محددة، كتبها أو قالها محمود. ورغم إن الاختلاف في الصيغ لا يشكل بمفرده برهانًا قاطعًا على الاختلاق، لكنه يصبح قرينة مهمة عندما يقترن بغياب المصدر الأصلي وتعدد الروايات حول المناسبة التي قيلت فيها المقولة. وفي هذه الحالة، لا يمكن التعامل مع النص المتداول باعتباره كلامًا ثابتًا لمحمود محمد طه، فضلًا عن تقديمه للناس باعتباره نبوءة مؤكدة.

مقال حيدر خير الله وصحيفة «الوفاق»:
في مقال نشرته «سودانايل» في 18 يناير 2020 بعنوأن «الأستاذ / محمود محمد طه في ذكراه!!»، أشار حيدر أحمد خيرالله إلى نشره المقولة في صحيفة «الوفاق» عام 1997.
هذه الإشارة لا تحسم المسألة. فمقال خير الله لا يقدم صورة من العدد الأصلي للصحيفة، ولا يحدد رقم العدد أو الصفحة، ولا يوضح المصدر الذي استند إليه في نسبتها إلى محمود.
وحتى لو عُثر على العدد الذي أشار إليه الكاتب، فإن العثور عليه لن يكون نهاية التحقيق، بل بدايته. إذ ينبغي التمييز بين إثبات أن صحيفة نشرت المقولة في عام 1997، وإثبات أن محمود قالها بالفعل قبل ذلك بنحو عقدين. فالأولى واقعة نشر يمكن التحقق منها، أما الثانية فتحتاج إلى دليل مستقل على أصل الكلام.
وانا هنا لا أشكك في المرحوم حيدر خير الله، إذ انه من الوارد أن ينشر كاتباً مقولة متداولة بحسن نية، وقد ينقلها عن شخص آخر، وقد يوردها من دون مصدر. ولكن لن يتحول أي من هذه الاحتمالات إلى شهادة مباشرة لمجرد ظهور النص في صحيفة. ولذلك فإن الإشارة إلى «الوفاق» لا تمنح المقولة صفة التوثيق التاريخي الذي يفتقر إليه أصلها.

كثرة نشر المقولة لا تصنع لها أصلًا تاريخيًا:
أُعيد نشر «السوفات السبع» في مواقع سودانية مختلفة، من بينها موقع «الراكوبة» في ديسمبر 2011. كما تناول موقع الفكرة الجمهورية، في مقال لعبد الله عثمأن بتاريخ 12 أبريل 2012، مسألة نسبة المقولة إلى محمود، وأورد نصها ضمن سياق الرد على ما اعتُبر افتراءً عليه.
هذه المواد قد تكون مفيدة في تتبع تاريخ تداول النص، لكنها لا تقدم، في حد ذاتها، دليلًا على أن محمود قاله. ذلك إن تكرار النسبة في عشرة مواقع أو مئة موقع لا يحول الرواية إلى شهادة مستقلة إذا كانت جميع هذه المواقع تعيد إنتاج النص نفسه من دون ارجاعه إلى أصل موثق.
إن الخلط بين انتشار الرواية وصحة الرواية من أكثر الأخطاء شيوعًا في التعامل مع التاريخ السياسي ( بل والديني). فالتكرار قد يجعل المقولة مألوفة، وقد يرسخها في الذاكرة العامة، لكنه لا يمنحها شرعية تاريخية. والحقيقة لا تُقاس بعدد المرات التي تُنشر فيها، بل بنوعية الأدلة التي تسندها.

الأساطير الحضرية أو كيف تتحول رواية غير موثقة إلى نبوءة مقدسة؟
ما يلفت الانتباه في قصة «السوفات السبع» ليس تداول نص غير موثق فحسب، بل الطريقة التي يُعاد بها تقديمه. فبدلًا من البدء بالسؤال عن مصدره، يبدأ بعض الناشرين من الوقائع السياسية اللاحقة، ثم يعودون إلى النص ليقولوا إن محمودًا تنبأ بها. وهكذا تتحول النتيجة المفترضة إلى دليل على صحة المقدمة، مع أن المقدمة نفسها لم تثبت، وهكذا تنشأ الأسطورة الحضرية.
إن وصول الأخوان المسلمين إلى السلطة، وما ارتبط بحكمهم من حروب وأزمات وانتهاكات، لا يثبت أن محمود قال هذه الكلمات. فالوقائع اللاحقة لا تستطيع أن تنشئ بأثر رجعي مصدرًا لم يكن موجودًا أو موثقًا. وحتى لو تطابقت بعض العبارات المتداولة مع أحداث لاحقة، فإن ذلك لا يثبت أن النص صدر عن محمود، ولا أن الصيغة المتداولة اليوم هي الصيغة التي قيلت في السبعينيات، أذا كانت قد قيلت أصلاً.
ذلك أنه هناك فرق جوهري بين أن يكتب مفكر تحليلًا سياسيًا يتوقع فيه وصول تيار معين إلى السلطة، ويحذر من نتائج ذلك، وبين أن تُنسب إليه قائمة من الجمل المتداولة شفهيًا، ثم يُقال إنه تنبأ بالمستقبل على نحو خارق. الأول خطاب سياسي يمكن فحصه ومناقشة حججه؛ أما الثاني فيحتاج إلى دليل على صدور الكلام، وإلى التحقق من تاريخه وسياقه، قبل الحديث عن دقة التوقعات الواردة فيه.
وإذا كان الهدف هو فهم موقف محمود الحقيقي من الأخوان المسلمين، فإن الطريق الصحيح هو الرجوع إلى كتاباته وخطاباته الموثقة، لا استبدالها بنص تنبؤي مجهول المصدر ثم تفسير التاريخ على ضوئه.

المقولة شريرة في مضمونها، حتى لو صحت نسبتها لمحمود:
بعيدًا عن مشكلة النسبة، فإن مضمون النص المتداول يستحق النقد في حد ذاته.
فهو يبدأ بالقول إن من الأفضل للشعب السوداني أن يمر بتجربة حكم جماعة الهوس الديني أو الاخوان المسلمين، ثم يصف التجربة بأنها ستكون مفيدة للغاية، لأنها ستكشف زيف شعارات هذه الجماعة. وبعد ذلك يتنبأ بسيطرتها على السودان سياسيًا واقتصاديًا، حتى بالوسائل العسكرية، وبأنها ستذيق الشعب الأمرين، وتدخل البلاد في فتنة تحيل نهارها إلى ليل، قبل أن تنتهي إلى اقتلاعها من أرض السودان.
إننا هنا لا نتحدث عن تحذير سياسي عادي، بل عن نص يصور مرور شعب بأكمله بتجربة حكم قاسية ومحرقة حرب باعتباره أمرًا مفيدًا، بل أفضل له. وهذا ما يجعل المقولة، في مضمونها، مقولة شريرة بل شديدة الشر.
فإذا كان المقصود أن حكم تنظيم متطرف سيكشف للشعب زيف شعاراته، فهل يتطلب كشف الزيف أن يُبارك سعي التنظيم ليستولي على السلطة، وأن يتحمل الناس نتائج حكمه من حروب ودمار ومعاناة؟ وهل تصبح الكارثة مفيدة لمجرد أن الناس قد يتعلمون منها شيئًا؟ وهل يُعقل أن تكون التجربة الأفضل لشعب ما هي أن يُحكم بالقوة، ويُذاق الأمرين، وتُدفع البلاد إلى الفتنة، حتى تتضح له حقيقة تنظيم سياسي؟
كان يمكن لمحمود أو أي صاحب موقف سياسي أن يحذر من الأخوان المسلمين، وأن يكشف تناقضاتهم، وأن يدعو إلى مقاومة استيلائهم على السلطة، من دون أن يقول إن مرور الشعب بتجربتهم هو الأفضل له. فالتحذير من كارثة محتملة شيء، وتقديم وقوعها بوصفه تجربة مفيدة وضرورية شيء آخر تمامًا.
وإذا كان الأخوان قد فعلوا بعض ما تتحدث عنه المقولة، فإن ذلك لا يجعل المعاناة التي عاشها السودانيون درسًا كان ينبغي أن يدفعوا ثمنه. ولا يجوز أن تتحول آلام الناس إلى مادة للتفاخر بصحة نبوءة مزعومة.
ثم إن السؤال الذي يفرض نفسه على من يروجون لهذه الرواية بوصفها نبوءة هو: إذا كان صاحبها يعلم مسبقًا أن حكم الجماعة سيؤدي إلى هذه النتائج، فما الذي فعله لتجنبها؟ أم كان ينتظر تحققها كي يفرك يديه ويقول للسودانيين: «ألم أقل ليكم؟».
ذلك أن التنبؤ المزعوم بمعاناة الناس لا يمكن أن يكون بديلًا عن المسؤولية السياسية والأخلاقية تجاههم.
ورغم أن هذا النوع من المواقف يشبه الأخوان الجمهوريين، ورغم احتفاءهم بالمقولة، مع معرفة الكثير منهم ببطلانها، رغبة في تقديس زعيمهم محمود وإظهاره بشكل فرح ود تكتوك القرن العشرين للعامة، إلا أنني لا أظن أن الجنون كان يمكن أن يصل بمحمود إلى أن يطلق مثل هذه المقولة الشريرة

خاتمة:
أني أرى أن «السوفات السبع» مقولة منتحلة أُلصقت بمحمود محمد طه، وأن التعامل معها بوصفها نبوءة موثقة لا يستند إلى أساس تاريخي سليم.
ولا أحتاج هنا أن أقدم دليلًا على استحالة أن يكون محمود قد نطق بهذه الكلمات في أي لحظة من حياته؛ فمثل هذا الادعاء السلبي المطلق ليس هو المعيار الصحيح للتحقيق التاريخي. المعيار هو أن من ينسب نصًا محددًا لشخص يتحمل مسؤولية تقديم ما يثبت هذه النسبة. وحتى الآن، لم أجد في المواد التي أمكن الوصول إليها ما يفي بهذا الشرط.
كما أن تشابه بعض العبارات مع لغة محمود، أو تطابقها مع نهجه السياسي السلبي والمتشفي، لا يمكن أن يعوض غياب المصدر الأصلي. فالتشابه الأسلوبي والسياسي ليس دليلًا على التأليف، والتوافق مع أحداث لاحقة ليس دليلًا على أن الكلام قيل قبل وقوعها، وانتشار النص ليس دليلًا على صحته.
ولذلك، فإن موقفي ليس أن المقولة تحتاج إلى التحقق قبل أن نقبلها، بل إنها، في ضوء ما يظهر من اضطراب روايتها وغياب أصلها الموثق، مقولة منحولة، أُلصقت بمحمود، ويقع على من يدافعون عن نسبتها إليه عبء إثبات العكس، بتقديم مصدر أصلي قابل للفحص.
إن احترام الحقائق التاريخية، سواء اتفقنا مع الشخصية المعنية أم اختلفنا، يقتضي ألا ننسب إليها كلامًا من دون دليل، وألا نحول الروايات المتداولة والأساطير الحضرية والنبوءات المزعومة إلى حقائق بمجرد تكرارها.

وللحديث بقية.

عادل عبد العاطي
٢٥ أكتوبر ٢٠٢٦م

اشارات مرجعية:
– أمين محمد سليمان: «الجمهوريون و(حديث السوفات السبعة)!!!»، سودانيز أونلاين، أغسطس 2010:
– https://sudaneseonline.com/board/468/msg/1293068092.html
– حيدر أحمد خيرالله: « الأستاذ / محمود محمد طه في ذكراه!!»، سودانايل، 18 يناير 2020:

الأستاذ /محمود محمد طه في ذكراه!! .. بقلم: حيدر احمد خيرالله


– نورالدين محمد عثمان نورالدين: « هل صدقت نبوءة الشهيد محمود محمد طه؟»، الراكوبة، ديسمبر 2011:
– https://www.alrakoba.net/151352/
– عبد الله عثمان: « الأستاذ محمود محمد طه: ما كأن ليدع الكذب على الناس ويكذّب على الله يا هؤلاء؟؟!! »، مقال حول نسبة المقولة إلى محمود محمد طه، موقع الفكرة الجمهورية، 12 أبريل 2012:
– https://www.alfikra.org/article_page_view_a.php?article_id=1341&page_id=1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى