آراء ومقالات

د صبري كجوك يكتب: الجوازات الدبلوماسية السودانية.. حين تتداخل الامتيازات مع سيادة الدولة.

الجوازات الدبلوماسية السودانية: حين تتداخل الامتيازات مع سيادة الدولة.
بقلم دكتور/صبرى كجوك.

تُعد الوثائق الرسمية للسيادة الوطنية، وفي مقدمتها جواز السفر الدبلوماسي، رمزاً لهيبة الدولة وواجهة لتمثيلها الخارجي، وليست مجرد امتيازات شخصية أو مكتسبات إدارية تُمنح بمعزل عن الرقابة الشعبية والقانونية. وفي مرحلة دقيقة يمر بها السودان، تتأكد الحاجة الملحة لترسيخ مبدأ دولة المؤسسات التي تحكمها نصوص قانونية واضحة ومستقرة، بعيداً عن الممارسات التي تتسم بالضبابية أو الاستثناءات غير المبررة.
في هذا السياق، جاء التصريح الأخير للسيدة وزيرة الخارجية السابقة، الدكتورة مريم الصادق المهدي، ليفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول معايير منح هذه الوثائق والاحتفاظ بها. فقد أشارت الدكتورة مريم إلى أن اللوائح تتيح لوزراء الخارجية السابقين الاحتفاظ بجوازاتهم الدبلوماسية، كما كشفت عن واقعة منح جواز دبلوماسي سوداني للدكتور لام أكول، على الرغم من انتمائه السياسي وتبعيته لدولة جنوب السودان.
وهنا يبرز تساؤل جوهري ومباشر يوجه إلى الدكتورة مريم الصادق المهدي ومن تقلدوا ذات المنصب: لماذا ظل هذا الملف محاطاً بالصمت طوال الفترات السابقة دون إفساح المجال للرأي العام للاطلاع على النصوص القانونية التي تستند إليها هذه الامتيازات؟ إن غياب الشفافية في التعامل مع وثائق سيادية تخص الدولة السودانية يعزز الانطباع بأن هناك فجوة بين الممارسات الإدارية وتطلعات الشعب في إرساء الشفافية والمساءلة.
ومما يثير الاستغراب والدهشة في هذا التوقيت بالذات، أن هذه الحقائق والمعايير المشوهة لم تكن غائبة عن أروقة القرار إبان تولي السيدة وزيرة الخارجية السابقة لمنصبها. إن الاكتفاء بكشف هذه الممارسات أو إبداء النقد حولها بعد الخروج من الهرم التنفيذي للدولة وليس أثناء التواجد في سدة المسؤولية يطرح علامات استفهام كبرى حول مفهوم “المسؤولية الأخلاقية والسياسية” للمنصب العام.
إن ممارسة النقد وتكثيف الهجوم على مؤسسات الدولة الوطنية وتراشُق أسرارها وإجراءاتها فقط بعد الخروج من السلطة، لا يُقرأ في عرف العمل الوطني إلا بوصفه تناقضاً صارخاً واستغلالاً سياسياً لملفات سيادية حساسة. فالإصلاح المؤسسي لا يبدأ باستغلال الوثائق الوطنية في السجالات الإعلامية بعد الترجل عن المنصب، بل يستوجب اتخاذ قرارات شجاعة وتصحيحية في أوانها، لحماية مؤسسات الدولة ومواجهة أي اختلالات في حينها بدلاً من التحول إلى موقع الناقد لمؤسسات كان المرء جزءاً من قيادتها وصانعاً لقراراتها.
علاوة على ذلك، يثير منح الجواز الدبلوماسي لشخصية سياسية تتبع لدولة أخرى مثل الدكتور لام أكول إشكالاً دبلوماسياً وقانونياً لا يمكن تجاوزه بالتبريرات الإدارية المعتادة. فالجواز الدبلوماسي يمثل التزاماً سيادياً وحماية حصرية لرعايا الدولة المانحة وممثليها الرسميين، ومنحه لمواطن أجنبي، بغض النظر عن متانة العلاقات الأخوية مع دولة جنوب السودان الشقيقة، يشكل خروجاً عن الأصول المرعية في الحوكمة الدبلوماسية ويطرح علامات استفهام حول المعايير الحاكمة لتلك القرارات.
إن الخطورة الأكبر في منح وثيقة دبلوماسية سودانية لشخصية تنتمي لدولة أخرى لا تكمن فقط في الإطار الإداري المحلي، بل تمتد لتلامس قواعد القانون الدولي والعرف الدبلوماسي المستقر. فالجواز الدبلوماسي يحمل صفة “الحصانة والتمثيل” للدولة المانحة، ولا يُعقل قانوناً أو منطقاً أن يحمل شخصٌ واحد وثيقتين دبلوماسيتين لسيادتين مختلفتين، لما يمثله ذلك من تضارب محتمل في الولاءات والمصالح أثناء أداء المهام الرسمية أو التنقل الدولي. إن الحفاظ على هيبة الوثيقة السودانية يستوجب أن تبقى حكراً على من يحملون الجنسية والولاء الخالص للدولة السودانية وحدها، دون توسع في تفسير الاستثناءات بما يضر بالسيادة الوطنية.
إن هذا التحليل والتناول لما أدلت به الدكتورة مريم الصادق المهدي يضع موقفهـا في ميزان المساءلة الوطنية والأخلاقية أمام الرأي العام السوداني، إذ لا يمكن التعامل مع إقرارها بالاحتفاظ بالجواز الدبلوماسي حتى الآن إلا بوصفه مجافاة لطبيعة المنصب العام الذي ينتهي بانتهاء تكليفه. إن حماية الوثائق السيادية تتطلب مراجعة شاملة وحاسمة، لضمان ألا تُمنح أو تُحفظ هذه الامتيازات إلا وفق أطر قانونية صارمة تُحترم فيها سيادة الدولة ومصالحها العليا دون محاباة أو استثناء لأحد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى