حسين بقيرة يكتب: ذكرى شهداء الفاشر… الذين أفدوا أرواحهم مهرًا لوحدة السودان..

ذكرى شهداء الفاشر… الذين أفدوا أرواحهم مهرًا لوحدة السودان
حسين بَقَيرة
المملكة المتحدة
الاثنين 26/10/2026
تمرّ علينا اليوم إحدى أخطر اللحظات في تاريخنا، وهي ذكرى مذبحة الفاشر التي شهدها العالم أجمع عبر مقاطع فيديو وثّقها أفراد من مليشيا الجنجويد أنفسهم. وقد ظنّ كثيرون أن حرب الشعب السوداني مع مليشيا الجنجويد الإرهابية هي حرب بين الإنسان والإنسان، لكننا قلنا مرارًا إن الجنجويد ليسوا من البشر في أفعالهم، بل شياطين ورسل للشر في هياكل بشرية، حتى إن الشيطان ليخجل من أفعالهم. وقد تجلّى ذلك بوضوح في محرقة مدينة الفاشر يوم 27/10/2025.
شهداء الفاشر، مدينة الصمود، الذين استبسلوا في القتال وتحدّوا الحصار الذي استمرّ ثمانية عشر شهرًا، قدّموا نموذجًا استثنائيًا في الصمود والتضحية. وكأنها ظاهرة كونية فريدة، فقد صمّم هؤلاء الرجال الأوفياء على بذل أرواحهم فداءً، حتى تبقى مدينة الصمود، الفاشر، شامخةً كما عهدناها.
وها هي الفاشر اليوم حاضرة في قلوبنا جميعًا، بل في قلوب العالم أجمع. ولن تسقط الفاشر من وجداننا؛ فقد استُشهد في سبيلها رجال، ونحن على العهد باقون، وسنظلّ نذكرها ونحمل قضيتها. لقد توقّفت عقارب الساعة لبرهة، لكنها ستعود إلى الدوران، وستعود الفاشر بإذن الله. وعندها سيدرك الشيطان وأعوانه أن عهد الشهداء ووعودهم باقية ما بقيت الدنيا. وكيف لا، وهم أحياء عند ربهم يُرزقون؟
لقد حدّد فرسان الفاشر، من العسكريين والمستنفرين وأبناء الشعب جميعًا، خياراتهم بأنفسهم، وقالوا: لن نبرح هذه الأرض الطيبة؛ فإما الشهادة وإما النصر، أو الاثنان معًا. وصدقوا فيما عاهدوا عليه؛ إذ كانت حصيلة ما تعرّض له سكان الفاشر استشهاد أغلبيتهم، فيما خرج بعضهم قسرًا تحت وطأة الظروف، وبقي آخرون بين أسير ومفقود. نسأل الله أن يتقبّل الشهداء، ويشفي الجرحى، ويجمع المفقودين بأهلهم، ويفكّ أسر المأسورين.
لم يشهد التاريخ عهدًا من الصدق والوفاء يشبه ما جسّده أبطال الفاشر وفرسانها. فعلى الرغم من المناشدات والمطالبات بالانسحاب، رفضوا الاستسلام وأصرّوا على البقاء ومواصلة القتال، رغم انعدام الغذاء والكساء والماء، والحصار المتواصل لعام ونصف العام. وانتصروا في أكثر من 280 معركة. قاتلوا حتى اللحظات الأخيرة، وعندما نفد كل ما لديهم، تعرّضوا للمجازر والمذابح التي خلّفت مآسي إنسانية عظيمة، ولم يسلم حتى المدنيون منها.
وعلى الرغم من الانتصارات الزائفة التي يعلنها الجنجويد، فإنها انتصارات ملطّخة بدماء المدنيين، ولن تمحو الجرائم التي ارتُكبت من ذاكرة الشعوب، بما في ذلك الجرائم الإنسانية وجرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب. وما ينبغي أن يدركه الجنجويد هو أن شهداء الفاشر، لو أُتيحت لهم فرصة أخرى، لقاتلوا بشراسة أكبر من ذي قبل؛ فقد رحل أبطال الفاشر وهم مرفوعو الرأس، ثابتون على مواقفهم ومبادئهم.
لقد كان شهداء الفاشر وصمود أهلها سببًا في تحرير بقية أقاليم السودان، بما فيها العاصمة الخرطوم، وأسهموا بتضحياتهم في الحفاظ على وحدة السودان. وسيبقى السودان موحّدًا، رغم عنف الجنجويد وأعوانهم، ورغم كل محاولات تمزيق نسيجه الوطني.
إن دماء شهدائنا التي سالت في الفاشر، وجثامينهم التي أُحرقت بعيدًا عن حرمة الموتى، لن تضيع سدى. إنها جرائم نحمّل مسؤوليتها لمن خطّطوا لها ودعموها، ومنهم ما نسمّيه «دويلة الشر». هيهات أن تُنسى هذه الجرائم أو أن يفلت مرتكبوها من المحاسبة؛ فسيُحاسَب كل من شارك في جريمة الفاشر، في الدنيا قبل الآخرة.
ويبقى شعارنا الخالد:
لن ننسى… لن نغفر… حقوق شهدائنا دينٌ في أعناقنا.
رحم الله شهداءنا، وأسكنهم فسيح جناته، وأعاد المفقودين سالمين إلى ذويهم، ومنح الجرحى والمصابين الشفاء العاجل. والنصر حليف الشعب السوداني العظيم بإذن الله.
وسيأتي اليوم الذي يسطع فيه نور العدل، وينهزم فيه الظلم، ويُحاسَب كل من تلطّخت يداه بدماء الأبرياء.
حسين بَقَيرة
المملكة المتحدة
الاثنين 26/10/2026



