تحذير استراتيجي عاجل د. ياسر محجوب الحسين
تحذير استراتيجي عاجل د. ياسر محجوب الحسين

تحذير استراتيجي عاجل
د. ياسر محجوب الحسين
في لحظة من لحظات التاريخ لا تحتمل التردد ولا تسوغ التأجيل، تخرج الطائرات المسيرة من ظلال الليل لتضرب محطات الكهرباء في الدبة وأبو حمد، وتستهدف قيادة اللواء 76، وتسقط الشهداء والجرحى في صفوف اللواء 73. ليست هذه ضربات عابرة في معركة تقليدية، بل هي إعلان صريح بأن الحرب قد غادرت فضاءها القديم، ودخلت طورا جديدا يمكن وصفه بـ«حرب الظلال»، حيث صارت الطائرة المسيرة هي اللاعب الأكثر تأثيرا، والأداة الأشد فتكا، والسلاح الذي يحول الخدمات الأساسية إلى أهداف عسكرية، ويحول المدنيين إلى رهائن في معركة لا تدار على الأرض فحسب، بل في السماء وفي الشبكات وفي غرف التخطيط البعيدة.
لقد كانت كفة التفوق العددي في بدايات المواجهات تميل إلى جانب المليشيا، لكن الخطورة الحقيقية لم تعد في العدد، بل في القدرة على امتلاك أدوات الحرب الحديثة واستخدامها ضد البنية التحتية الحيوية. حين تستهدف محطات الكهرباء وطلمبات الوقود، فإن الرسالة واضحة: تعطيل الحياة، ومنع عودة النازحين، وإطالة أمد المعاناة، وتحويل إعادة الإعمار إلى استحالة يومية. هذه ليست تكتيكا ميدانيا، بل استراتيجية «الأرض المحروقة» في ثوبها المعاصر.
ومن هنا يأتي التحذير الذي لا يجوز أن يؤجل أو يخفف:
إن تطوير القدرات العسكرية في مجال الحروب الحديثة لم يعد خيارا تكتيكيا، بل هو شرط بقاء.
الدفاع الجوي قصير المدى، وتقنيات الرصد والتشويش الإلكتروني، ووحدات الحرب السيبرانية القادرة على إسكات تلك الطيور الحديدية قبل أن تهمس بالدمار… كلها ليست رفاهية تقنية، بل هي الحد الأدنى من مقتضيات السيادة في هذا العصر. والتدريب النوعي المستمر، وتحديث التكتيكات الميدانية، وبناء وحدات متخصصة في مواجهة التهديدات غير التقليدية، هي الضمان الوحيد لاستمرار المبادرة في وجه خصم لا يخجل من ضرب صهريج ماء أو محول كهرباء.
لكن هذه القدرات لا تبنى في فراغ داخلي، ولا تستورد بمجرد الرغبة. إنها تحتاج إلى استثمار واع ومدروس في العلاقات الخارجية. فالعلاقات الدولية اليوم ليست مجرد بيانات دبلوماسية أو زيارات بروتوكولية، بل هي أدوات استراتيجية تصمم لتأمين المعرفة والتقنية والخبرة والعتاد في المجالات التي تحدد مصير الدول في الحروب الحديثة. إن من يهمل تصميم هذه العلاقات بما يخدم بناء القدرة العسكرية المعاصرة، فإنه يترك سماءه مفتوحة، وبنيته التحتية مكشوفة، ومستقبل استقراره رهينة لقرارات تتخذ خارج حدوده.
قيادة البلاد مدعوة اليوم إلى أن تدرك أن الزمن لم يعد يسمح بالتدريج البطيء أو بالاعتماد على الحسابات القديمة. الحرب قد تغيرت، والخصم قد تغير، والأدوات قد تغيرت. ومن لا يستثمر في بناء القدرة على مواجهة هذا التحول، فإنه لا يخاطر فقط بهزيمة عسكرية، بل يعرض الدولة نفسها لخطر وجودي يتمثل في تعطيل الحياة اليومية، وإضعاف الإرادة الوطنية، وتحويل الاستقرار إلى حلم مؤجل.
إن الدفاع عن الوطن في هذه المرحلة لا يمر فقط عبر البنادق والجنود، بل عبر العقول التي تخطط، والتقنيات التي تحصن، والعلاقات التي تفتح الأبواب لما تحتاجه القوات المسلحة من قدرات حديثة. فالسيادة في عصر الدرون والحرب الإلكترونية لا تحفظ بالخطب وحدها، بل بالاستعداد الذي يسبق الضربة، وبالاستثمار الذي يسبق الحاجة، وبالعلاقات التي تصمم لتكون درعا لا مجرد مجاملة.
هذا تحذير لا يحمل في طياته يأسا، بل يحمل إلحاحا. فالفرصة ما زالت قائمة، والإرادة إن وجدت قادرة على تحويل هذا التحدي إلى نقطة انطلاق نحو بناء قوة عسكرية معاصرة تحمي الأرض والسماء والإنسان معا. أما التردد، فثمنه سيكون أثقل مما تحتمل الدولة في هذا الوقت الحرج.
———————
أمـَّـََّـَََّـََََّـَََََّـََََََّـَََََََّـَََََََّـََََََّـَََََّـََََّـَََّـََّواج ناعمـَّـََّـَََّـََََّـَََََّـََََََّـَََََََّـَََََََّـََََََّـَََََّـََََّـَََّـََّة
30/10/2026


