آراء ومقالات

عادل عبد العاطي يكتب..محمود محمد طه: عبقريٌ مجدّد أم ناقلٌ مجتهد؟ في مصادر الفكرة الجمهورية وأصولها الصوفية والفلسفية والحديثة

عادل عبد العاطي يكتب..محمود محمد طه: عبقريٌ مجدّد أم ناقلٌ مجتهد؟ في مصادر الفكرة الجمهورية وأصولها الصوفية والفلسفية والحديثة

عادل عبد العاطي يكتب..محمود محمد طه: عبقريٌ مجدّد أم ناقلٌ مجتهد؟
في مصادر الفكرة الجمهورية وأصولها الصوفية والفلسفية والحديثة

مقدمة:
بدأت فكرة هذا المقال من حوار مع صديقي عبد العزيز حسن علي Abdelaziz Hassan Ali، الذي وصف محمود محمد طه بالعبقرية، فاعترضت على هذا الوصف، لا إنكاراً لكاريزميته التي سحرت أتباعه، أو لقدرته على بناء خطاب ديني وفكري استقطب حوله حيراناً مخلصين وسذجاً مخدوعين، وإنما لأن وصفه بالعبقرية يحجب حقيقة فكرية وتاريخية مهمة، وهي أن كثيراً من المفاهيم التي يقوم عليها مشروعه لم تظهر معه للمرة الأولى، بل نجد لها أصولاً واضحة في تراث سابق، ولا سيما في التصوف النظري عند محيي الدين بن عربي، وصدر الدين القونوي، وعبد الكريم الجيلي، والأمير عبد القادر الجزائري، وكذلك في بعض مباحث أبي حامد الغزالي، فضلاً عن مفاهيم مستمدة من الفكر الإنساني والفلسفي الحديث، ومن كتابات مفكري الإسلام السياسي المعاصرين.
وحين أشار صديقي عبد العزيز إلى أن تميّز محمود يكمن في التفريق بين المكي والمدني، وفي بناء مفهوم «الرسالة الثانية» على هذا التفريق، كان لا بد من توسيع البحث، لاكتشاف إذا ما كانت هذه المفاهيم جديدة بالفعل، أم أن محموداً أخذها من مصادر سابقة، ثم أعاد ترتيبها وتوليفها وتوظيفها في صيغة جديدة أطلق عليها اسم «الفكرة الجمهورية» و«الرسالة الثانية من الإسلام».
إن السؤال الذي أطرحه في هذا المقال ليس عن مساهمة محمود السياسية، أو عن النهاية التي انتهى إليها، أو عن حقه في التعبير عن أفكاره والدفاع عنها. فهذه قضايا مستقلة، لا ينبغي أن تختلط بالسؤال الفكري والتاريخي الذي نحاول مناقشته هنا وهو : هل ابتكر محمود المفاهيم الأساسية التي أقام عليها مشروعه الفكري والديني، أم أنه أخذ مفاهيم ومقولات سابقة من التراث الصوفي والفلسفي والفكر الحديث، وأعاد إنتاجها دون الإشارة الكافية إلى أصحابها ومصادرها، ثم ادعى لنفسه جدة مطلقة لم تكن موجودة؟

«الرسالة الثانية»؛ المصطلح والفكرة:
يحتل مفهوم «الرسالة الثانية من الإسلام» موقعاً مركزياً في مشروع محمود محمد طه. فهو لا يطرحه بوصفه مجرد قراءة جديدة لبعض النصوص، وإنما باعتباره انتقالاً إلى مستوى أعلى من الفهم والتشريع، يتيح للبشرية تجاوز الأحكام التي حكمت مرحلة تاريخية معينة، والعودة إلى أصول يرى أنها تمثل جوهر الإسلام وغاياته النهائية.
لكن عبارة «الرسالة الثانية» ليست تعبيراً ظهر للمرة الأولى في كتابات محمود. فقد وردت عند محيي الدين بن عربي في كتابه «التنزلات الموصلية»، في عنوان الباب التاسع الذي أفرده لموضوع «معرفة تلقي الرسالة الثانية الموروثة من النبوة، ومعنى قول النبي عليه الصلاة والسلام: العلماء ورثة الأنبياء». وهذه سابقة نصية واضحة تنفي أن يكون التعبير نفسه ابتكاراً محمودياً خالصاً. والأهم أن المسألة عند ابن عربي لا تتعلق بمجرد مصطلح عابر، بل بتلقي المعرفة الموروثة من النبوة، وهي فكرة تقع في صميم البناء الصوفي الذي يتحدث عن الولاية والعلم اللدني ووراثة الأنبياء.
أما عند محمود، فقد تحولت «الرسالة الثانية» إلى مشروع تشريعي واجتماعي وسياسي شامل، يقوم على إعادة ترتيب العلاقة بين القرآن المكي والمدني، واعتبار الآيات المكية أصولاً أُرجئ العمل بها، والآيات المدنية فروعاً ارتبطت بمرحلة تاريخية معينة. وهذا التوظيف الجديد لا يمحو حقيقة أن المصطلح والفكرة الأساسية كانا موجودين قبل محمود بقرون. كما أن من حق الباحث أن يسأل عن سبب عدم إشارة محمود إلى هذا المصدر، خصوصاً مع إعلانه المتكرر أن مشروعه لم يأت به السابقون.
ولا تقف أصول فكرة الرسالة الثانية عند ابن عربي. فالفكرة الصوفية عن ظاهر الشريعة وباطن الحقيقة، وعن وجود علم خاص لا يتاح إلا للأولياء وأصحاب الكشف، تتقاطع مع تصور محمود عن الرجل الذي آتاه الله الفهم من القرآن وأذن له في الكلام. كما نجد تقارباً مع التصور الشيعي للإمام باعتباره «القرآن الناطق»، الذي يملك العلم اللدني والتأويل الذي لا يملكه عامة الناس. وعندما يقول محمود إن رسول الرسالة الثانية هو رجل أُعطي الفهم عن القرآن وأُذن له في الكلام، ثم يتولى هو نفسه شرح الرسالة الثانية في كتاب كامل، فإن السؤال عن هوية ذلك الرجل لا يكون صعباً.
وهكذا فإن فكرة الرسالة الثانية تجمع عناصر معروفة في التراث الصوفي والشيعي: وراثة النبوة، والعلم اللدني، والباطن، والتأويل الخاص، ووجود شخص استثنائي يحتكر الفهم الصحيح للنص. وقد أعاد محمود جمع هذه العناصر في صيغة دينية جديدة، ثم قدمها باعتبارها كشفاً لم يسبق إليه أحد.

الإنسان الكامل والحقيقة المحمدية:
من أبرز المفاهيم التي يقوم عليها مشروع محمود مفهوم «الإنسان الكامل»، وما يتصل به من الحديث عن الحقيقة المحمدية، والتجلي الإلهي، ومراتب الوجود، والعلاقة بين الإنسان والذات الإلهية. وهذه ليست موضوعات هامشية في التصوف النظري، بل هي من أكثر موضوعاته حضوراً وتعقيداً، وقد تطورت عبر أعمال عدد من كبار المتصوفة، وفي مقدمتهم محيي الدين بن عربي، وصدر الدين القونوي، وعبد الكريم الجيلي، والأمير عبد القادر الجزائري.
فمفهوم الإنسان الكامل له تاريخ سابق على محمود بقرون. وقد أفرد عبد الكريم الجيلي له كتاباً كاملاً بعنوان «الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل»، تناول فيه مراتب الذات والأسماء والصفات والتجليات، وما يراه الصوفية من صلة بين الحقيقة الإنسانية ومظاهر الكمال الإلهي. أما ابن عربي فقد بسط هذه المعاني في «فصوص الحكم» و«الفتوحات المكية» وكتابات أخرى، وتناول القونوي المسألة في «الفكوك» و«الإشارات»، بينما نجد عند الأمير عبد القادر الجزائري تطويراً لهذه التصورات في كتاب «المواقف».
ولا يتحدث هؤلاء المؤلفون الكبار عن مصطلح عابر، وإنما عن منظومة فلسفية وصوفية واسعة، تتناول الحقيقة المحمدية والإنسان الجامع، والبرزخ بين الوجوب والإمكان، والوساطة بين الحق والخلق، وتجلي الأسماء والصفات، ومراتب الفناء والبقاء. وقد تناول كل واحد منهم هذه القضايا وفق بنائه الفكري الخاص. فالإنسان الكامل عند ابن عربي هو الإنسان الذي تتجلى فيه الحقيقة الجامعة للأسماء والصفات، والواسطة بين الحق والخلق، وأحد تجليات الحقيقة المحمدية. أما الجيلي فقد فصل في مراتب هذا المقام ومراحله، وتناول الأمير عبد القادر وظائفه الوجودية والمعرفية والإرشادية.
ولا نجد فكرة الإنسان الكامل في التصوف الإسلامي وحده، بل نجد صوراً ومفاهيم موازية في تقاليد دينية وفلسفية قديمة، مثل آدم القديم في التراث القبالي اليهودي، وآدم السماوي عند فيلون السكندري، والإنسان الأزلي في بعض التقاليد المانوية، وبعض التصورات المسيحية عن المسيح ذي الطبيعتين الإلهية والبشرية. كما يمكن عقد مقارنة مع مفهوم الإنسان الأعلى أو السوبرمان عند نيتشه في كتابه «هكذا تكلم زرادشت»، وإن كانت المقارنة هنا في بنية التصور عن الإنسان المتجاوز، وليست دليلاً بذاتها على النقل المباشر.
والأمر الأهم أن محموداً لم يستعر مصطلح الإنسان الكامل وحده، بل استعار شبكة كاملة من المفاهيم الصوفية المرتبطة به: الحقيقة المحمدية، والولاية، والمقام المحمود، والوسيلة، والتجلي، والاسم الأعظم، والذات القديمة والذات الحادثة. بل إنه يستخدم الآيات والأحاديث التي استخدمها كبار الصوفية في شرح هذه المفاهيم، ويعيد استعمال بعض عباراتهم، من دون أن يحرص على الإشارة إلى أصحابها أو مصادرها.

العلاقةبابن عربي؛ الإنكار و الشواهد:
لا تقوم المقارنة بين محمود وابن عربي على مجرد التشابه النظري وحده؛ فهناك أيضاً شواهد على معرفة محمود بكتابات ابن عربي واستشهاده به. ومن أهم هذه الشواهد رسالة محمود التي يطلب فيها إيصال سلامه إلى الأستاذ عبد الله حامد الأمين، ويذكر أنه أرسل إليه كتاب «فصوص الحكم» لمحيي الدين بن عربي، ثم يتابع مسألة وصول الكتاب إليه. وهذا يثبت أن محموداً كان يعرف الكتاب ويتعامل معه، وأنه لم يكن يجهل وجود ابن عربي أو مؤلفاته.
كما يستشهد محمود في كتاب «القرآن ومصطفى محمود والفهم العصري» بقول منسوب إلى ابن عربي: «دخلوا فقراء على الدنيا، وكما دخلوا منها خرجوا»، ويوظفه في سياق الحديث عن الزهد والتصوف وترك الإرادة. ونجد عنده كذلك استشهادات بابن عطاء السكندري، وابن الفارض، وأبي يزيد البسطامي، وعبد الغني النابلسي، وغيرهم من أقطاب التصوف.
وفي كتاب «حقائق دقائق الدين» يرد ذكر ابن عربي في سياق النقاش المتصل بالحقيقة والشريعة. والشاهد إن الرجلين كانا يزعمان الجمع بين الحقيقة والشريعة، وأنهما لم يخرجا عن الشريعة قط.
لكن الأهم هو ما ورد في حوار محمود مع مسز هودجكنز، حين سُئل عن المفكرين الذين تأثر بهم في تطوير أفكاره، فذكر النبي والغزالي، وقال إنه قرأ «شيئاً قليلاً» و«شذرات من هنا وهناك»، ونفى أن تكون له تلمذة على مفكر معين. وفي الحوار نفسه أعلن أن ما جاء به لم يأت به السابقون، «حتى ولا ابن عربي»، وأنه «جديد كل الجدة».
وفي مناسبة أخرى أنكر محمود تلمذته على ابن عربي، بل قال إن ابن عربي لو جاء في زمانه لأصبح من جماعته: «ابن عربي من كبار العارفين ، وانا أحب ان اقولكم حاجة ، انو ابن عربي لو كان اليوم موجود كان يبقي معانا، ابن عربي عظمة معرفته كان بيحلم باليوم دا ، كان هو في القرن السادس، كان بيحلُم باليوم دا، وبيحلُم بالدولة الجاية.ة» وختم بأنه مع ذلك لم يتأثر به وأنما « تأثرت بالغزالي والنبي» .
هذه العبارات خادعة وكاذبة في تقديري. فكيف ينكر محمود قراءته وتلمذته على ابن عربي، بينما نعرف أنه تعامل مع «فصوص الحكم» وأرسله إلى الآخرين، ونجد مفاهيم ابن عربي تتكرر في كتاباته؟ وكيف يعلن أنه جاء بما لم يأت به ابن عربي، بينما نجد أن كثيراً من الأركان التي قام عليها مشروعه موجودة في مؤلفات الشيخ الأكبر وتلامذته؟

الغزالي؛ المصدر المعلن والتأثير الحقيقي:
يحتل أبو حامد الغزالي موقعاً مهماً في هذا البحث، لأن محموداً ذكره صراحة ضمن أصحاب المناهج الذين تأثر بهم. ففي حواره مع مسز هودجكنز قال إنه تأثر بمنهج النبي والغزالي، وإنه قرأ شيئاً قليلاً وشذرات من هنا وهناك. وهذه شهادة مباشرة على وجود صلة فكرية بالغزالي، لكنها لا تحدد مقدار ما أخذه منه ولا حدود تأثيره.
لكن هذه الصلة تظهر في حديث محمود عن حدود العقل والنبوة. ففي «أسئلة وأجوبة» سئل عما إذا كان الإسلام يقول، كما يرى الغزالي، إن العقل محدود ولا يرقى إلى معرفة الله دون النبوة. فأجاب بالإيجاب، ثم شرح أن العقل يستطيع أن يدل على وجود الله، لكنه يحتاج إلى معلم لمعرفة صفاته وأسمائه وأفعاله، وأنه يعجز أمام الوحدة المطلقة التي تنقطع فيها المشاركة والثنائية.
وهذا التصور له أصل واضح في «المنقذ من الضلال» للغزالي، حيث يقول: «إن العقل ليس مستقلاً بالإحاطة بجميع المطالب، ولا كاشفاً للغطاء عن جميع المعضلات». إن نص الغزالي هو الأصل الأسبق الذي يحاكيه كلام محمود عن حدود العقل، وعن وجود طور من الإدراك يتجاوز المدارك العقلية المعتادة.
ويستند محمود إلى الغزالي كذلك في كتاب «الماركسية في الميزان»، حين يعرض انتقال الغزالي من الفقه إلى علم الكلام ثم الفلسفة والتصوف، ويقدم هذه الرحلة باعتبارها بحثاً عن معرفة تتجاوز حدود الجدل العقلي. وهذا العرض مأخوذ من السيرة الفكرية التي يرويها الغزالي عن نفسه في «المنقذ من الضلال».
أما في «جواهر القرآن»، فيقسم الغزالي مقاصد القرآن إلى ستة أنواع، ثلاثة منها يسميها «السوابق والأصول المهمة»، وثلاثة يسميها «الروادف والتوابع المغنية المتممة». ويجعل الأصول المهمة تعريف المدعو إليه، وتعريف الصراط المستقيم، وتعريف الحال عند الوصول إليه، ثم يتحدث عن الأنواع المتممة.
هذا النص يثبت وجود تمييز سابق بين الأصول المهمة والتوابع المتممة في مقاصد القرآن، وهو ما يقارب تقسيم محمود إلى آيات أصول وآيات فروع. ومن ثم فإن محموداً لم يأت من فراغ حتى في هذه المسألة، بل كان يتحرك في مجال مفاهيمي له سوابق واضحة في التراث.

المكي والمدني و الرسالة الثانية:
إن التفريق بين القرآن المكي والمدني من علوم القرآن القديمة، وقد تناولها علماء علوم القرآن قبل محمود بقرون. ويعرض الزركشي في «البرهان في علوم القرآن» هذا العلم، ويذكر التعريفات المختلفة للمكي والمدني وفوائد معرفتهما، ومنها الاستعانة بذلك في معرفة الناسخ والمنسوخ وفهم سياقات النزول.
لكن ما فعله محمود لم يكن اختراع علم المكي والمدني، وإنما إعادة توظيفه في مشروعه التشريعي. فقد جعل الآيات المكية أصولاً تمثل قمة الدين، وترتبط بالحرية والكرامة والتسامح، بينما اعتبر الآيات المدنية فروعاً ارتبطت بمرحلة تاريخية كان فيها المجتمع الإسلامي في مستوى أدنى من الاستعداد. ثم جعل الرسالة الثانية هي العودة إلى آيات الأصول وإعادة العمل بها في العصر الحديث.
وفي هذا السياق يبرز تأويل محمود لكلمة «ننسها» في آية النسخ بمعنى «ننسأها»، أي نؤجلها ولا نلغيها. وهذه القراءة ليست ابتكاراً محمودياً، فقد سبقتها مناقشات عند الطبري والزركشي وغيرهما حول معنى التأجيل وعودة الحكم عند عودة علته. وقد استفاد محمود من هذا المسار التفسيري، ثم وسعه ليجعله أساساً لنظريته في الرسالتين، بحيث تصبح الآيات المكية مؤجلة التطبيق لا ملغاة، وتعود صاحبة الوقت عندما تتغير حال البشرية.
وقد ناقش الدكتور محمد محمود هذا البناء نقدياً، مبيناً أن القول بأن أحكاماً إلهية قد تغيرت بسبب اعتبارات الوقت والظروف يضع تصوراً لإله تتغير أحكامه تبعاً لموازين القوة التاريخية، ويثير إشكالات في فهم الإرادة والرضا الإلهيين. كما أن جعل آيات التسامح مؤجلة، ثم إعادتها عند تغير الظروف، لا يحل المشكلة الأخلاقية المتعلقة بمضمون آيات القتال والإكراه، بل يؤجلها ويعيد صياغتها في صورة نظرية زمنية.
وهكذا فإن ما يقدمه محمود باعتباره اكتشافاً جديداً هو في جانب مهم منه تجميع لعناصر قديمة: علم المكي والمدني، ومباحث الأصول والفروع، وتأويل النسخ بالتأجيل، وفكرة الباطن والتأويل الصوفي، ثم إدراجها جميعاً في مشروع الرسالة الثانية.

الجاهلية الحديثة؛ المودودي وسيد قطب ومحمد قطب
أما مفهوم الجاهلية الحديثة، فهو بدوره ليس من ابتكارات محمود، وإن كان قد استخدمه. فقد أعاد أبو الأعلى المودودي توظيف مفهوم الجاهلية لوصف الأنظمة والمجتمعات التي لا تحتكم في تقديره إلى سيادة الله في التشريع، وربط ذلك بمفهوم الحاكمية. ثم التقط سيد قطب هذا التصور ووسعه في «معالم في الطريق»، بحيث لم تعد الجاهلية مرحلة تاريخية سبقت الإسلام فحسب، بل أصبحت وصفاً للنظم والمجتمعات المعاصرة، بما فيها المجتمعات التي تنتسب اسمياً إلى الإسلام. كما صاغ محمد قطب مفهوم «جاهلية القرن العشرين» في كتابه الذي يحمل الاسم نفسه.
ونجد هذا التصور عند محمود في حديثه عن أن المسلمين اليوم ليسوا على شيء، وأنهم يعيشون «الجاهلية الثانية»، وأن الخروج من هذا الوضع لا يكون إلا باتباع «طريق محمد»، أي طريق محمود. والتقارب هنا ليس في المصطلح وحده، بل في بنية الفكرة التي تحكم على المجتمعات الإسلامية المعاصرة بأنها عادت إلى الجاهلية، وتربط خلاصها بالعودة إلى منهج ديني محدد.
من الصعب هنا تجاهل التسلسل التاريخي لهذه الفكرة، أو التعامل معها كما لو أنها ظهرت عند محمود مستقلة عن خطاب الإسلام السياسي الحديث. فالمودودي سبق إلى تأصيل الحاكمية والجاهلية الحديثة، ووسع سيد قطب هذا المفهوم، ثم جاء محمد قطب ليصوغه تحت عنوان «جاهلية القرن العشرين». وفي ضوء هذا التاريخ، فإن ادعاء الجدة أو الممايزة الجمهورية عن هؤلاء لا يستقيم.

الاقتباس من الفكر الإنساني الحديث؛ كانط وماركس وداروين وشوبنهاور
لا يمكن فهم الفكرة الجمهورية بوصفها نتاجاً للتصوف الإسلامي وحده. فقد استوعب محمود مفاهيم كثيرة من الفكر الإنساني الحديث، ثم أعاد تقديمها بوصفها مستخرجة من الإسلام أو موجودة في القرآن لمن يحسن فهمه.
ومن أبرز هذه المفاهيم الديمقراطية والاشتراكية والمساواة بين الجنسين والحرية الفردية وحقوق الإنسان والدستور والفدرالية والمواطنة. وهذه ليست مفاهيم ابتكرها محمود، ولا كانت موجودة في النصوص الإسلامية القديمة بصيغتها الحديثة، وإنما تطورت عبر تاريخ طويل من الصراع السياسي والفكري، وخصوصاً منذ عصر التنوير والثورة الفرنسية وما تلاهما من تطورات فلسفية واقتصادية واجتماعية.
كما تظهر في المشروع الجمهوري أصداء واضحة للفلسفة الأخلاقية عند إيمانويل كانط، ولا سيما فكرة أن الإنسان غاية في ذاته وليس وسيلة. ويظهر أثر الفكر الاشتراكي والماركسي في الدعوة إلى الاشتراكية وإزالة الفوارق الطبقية والعدالة الاقتصادية، كما تظهر فكرة التطور في تصور محمود لتطور التشريع والمجتمع والإنسان، وهي فكرة تتقاطع مع التصورات التطورية الحديثة. ويضاف إلى ذلك مفهوم «إرادة الحياة» الذي يتصل بفلسفة شوبنهاور.
لكن هذه الاقتباسات محكومة بالتناقض، والذي بظهر بأسطع ما يكون في موقف محمود من السببية والعلم. فهو من جهة يستدعي العلم والتطور ويعلن أن الرسالة الثانية تتناسب مع عصر العلم، لكنه من جهة أخرى ينكر استقلال القوانين الطبيعية، ويجعل إحراق النار أو حركة الأجسام مثلاً، متوقفين على الإذن الإلهي في كل لحظة، لا على قوانين سببية يمكن اكتشافها واختبارها.
هذا التصور لا ينسجم مع المنهج العلمي الحديث الذي يقوم على البحث في العلاقات السببية والتجريب والملاحظة، بل يعيدنا إلى تفسير غيبي متخلف للظواهر الطبيعية.

التشابه مع البهائية والصراع معها:
هناك محور آخر لا ينبغي إغفاله، وقد أشرت له من قبل بإبتسار، وهو المقارنة بين الفكرة الجمهورية والبهائية. فالتشابه هنا يتجاوز بعض المفردات إلى بنية التصور الديني نفسه، ولا سيما فكرة أن الرسالة الدينية تتناسب مع مرحلة تاريخية معينة، وأن البشرية تنتقل من مرحلة إلى أخرى تستدعي فهماً أو تعاليم جديدة.
في العقيدة البهائية تقوم فكرة التجلي التدريجي على تعاقب المظاهر الإلهية والرسالات، وأن لكل عصر ما يناسبه من تعاليم وتشريعات. وفي الفكرة الجمهورية نجد تصوراً لتطور التشريع والانتقال من الرسالة الأولى إلى الرسالة الثانية، ومن الفروع إلى الأصول، بما يتناسب مع تطور استعداد البشرية. رغماً عن ذلك شنع الجمهوريون على البهائية، وقالوا أنها ليست بدين أصلاً.
وقد نقل لي بعض البهائيين السودانيين أن محموداً كان يقرأ كتبهم في أواخر الأربعينيات ومطلع الخمسينيات. وهذه الشهادة، إن ثبتت، تضيف قرينة مهمة إلى المقارنة، لكنها تحتاج إلى توثيق مستقل. وفي كل الأحوال فإن التشابه البنيوي بين المشروعين يستحق الدراسة، ولا يجوز إسقاطه لمجرد أن الجمهوريين ينكرون الصلة أو يشنعون على البهائية.

محمود والانتقاص من المنافسين:
من المسائل التي تستحق التوقف عندها طريقة تعامل محمود مع التجارب الصوفية والمدارس الإصلاحية التي سبقته أو عاصرته. ففي الحوار مع مسز هودجكنز، عندما سئل عن المفكرين الذين تأثر بهم، ذكر النبي والغزالي فقط، وأشار إلى أنه قرأ شذرات قليلة، ثم أكد أن مشروعه جديد كل الجدة، حتى بالمقارنة مع ابن عربي.
وتضمنت المقابلة أيضاً سؤالاً عن حركة العجيمية في شمال السودان، وهي حركة صوفية تقدمية، مثلت إلى جانب تجارب مثل حركة الزبالعة وأبي جريد في الجزيرة وسنار، مساراً ثورياً في التدين السوداني، وقد وصف محمود العجيمية بأنها طريقة صوفية لا تختلف عن غيرها. ومن حق الباحث أن يتساءل عن سبب هذا التبخيس لتجارب التجديد الصوفي السوداني، خصوصاً أن بعض هذه الحركات طرحت تجديدات ثورية في الممارسة الدينية والصوفية ومفاهيمها في بيئتها المحلية.
كما نلاحظ تشنيع محمود على السيد أبو بكر خاطر، الذي ادعى النبوة والعيسوية في بداية الخمسينات في امدرمان، ونسب إلى محمود مقامات خاصة، رغم وجود التشابه بينهما في الأفكار والادعاءات، ورغم تقدير خاطر له. ويظهر أن محموداً لم يكن مستعداً للتعامل مع التجارب التي تقارب مشروعه بوصفها محاولات تستحق الدراسة أو الاحترام، بل كان يسعى إلى احتكار شرعية الطريق الصحيح والحقيقة الوحيدة.
وفي كتاب «طريق محمد» ينتقد محمود الطرق الصوفية القائمة، ويقول أنها ليست على شيء، ويدعو أتباعها إلى اتباع طريقه، باعتبار أن الطرق القديمة قد استنفدت أغراضها ولم تعد كافية لمواجهة تحديات العصر. وهكذا يجمع محمود بين أمرين متناقضين: استمداد جانب واسع من مفاهيمه من التراث الصوفي، ثم الانتقاص من كثير من التجارب الصوفية السابقة والمعاصرة، وإعلان أن ما جاء به لم يسبق إليه أحد.

خاتمة:
بعد هذه المقارنات، أرى أن مشروع محمود محمد طه لم يكن ابتكاراً أصيلاً كما صوره هو وتلاميذه، وإنما هو توليفة واسعة من مفاهيم صوفية وفلسفية وإنسانية سابقة، أخذها محمود من مصادر شتى، وأعاد صياغتها وتوظيفها في مشروع ديني وسياسي، من دون توثيق أمين لهذه المصادر.
إن ما يلفت النظر ليس وجود هذه المفاهيم قبل محمود، بل حجم اعتماد المشروع الجمهوري عليها، مع غياب الإحالة إلى أصحابها، ثم المبالغة في ادعاء الجدة المطلقة. هذا هو الفارق بين مفكر يدرس السابقين ويناقشهم وينقدهم ويعلن مصادره، وبين كاتب يأخذ من تراث الآخرين ثم يقدم ما أخذه باعتباره كشفاً خاصاً به لم يعرفه أحد قبله.
لذلك أصف محموداً بأنه فقط «ناقل مجتهد» ، قام بإعادة تركيب الأفكار ثم نسبها إلى نفسه. ولم يكن عبقرياً ابتكر منهجاً لم يعرفه السابقون، ولم يكن صاحب فتح فكري منقطع عن التاريخ.
لقد استولى محمود على قدر كبير من مادة التصوف النظري، واستولف مفاهيماً من الفكر الحديث، والتقط بعض أطروحات الإسلام السياسي المعاصر، ثم صاغ من ذلك كله بناءً أطلق عليه إسم «الرسالة الثانية من الإسلام». وبعد ذلك قدم هذا البناء باعتباره «فكراً» جديداً كل الجدة، وطلب من أتباعه الإيمان بخصوصيته وتفرده، بل جعل من نفسه صاحب الإذن والوقت والفهم والرسالة والمقام المحمود والمحمدي والانسان الكامل، الذي تنتظر البشرية ظهوره وتجليه.

عادل عبد العاطي
31 أكتوبر 2026م

المصادر والمراجع
1. نصوص كتابات محمود محمد طه والجمهوريين المنشورة في موقع الفكرة الجمهورية. https://www.alfikra.org
2. تاج السر عثمان، «مصادر الفكر الجمهوري»، الحوار المتمدن، العدد 4714، 8 فبراير 2015 . https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=454366
3. د. أمين حامد زين العابدين، تعقيب علي مقالات د.عبدالله البشير حول نقد فكر محمود محمد طه ، 3 حلقات، https://sudanile.com/author/zaineld
4. د. محمد محمود، «مدرسة محمود محمد طه بين الترهيب الفكري والانقسام الأخلاقي»، 16 مارس 2021. https://ssc-sudan.org/authors/%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D9%85%D8%AD%D9%85%D9%88%D8%AF
5. Mohamed Mahmoud, Quest for Divinity: A Critical Examination of the Thought of Mahmud Muhammad Taha, Syracuse University Press, 2007. https://www.jstor.org/stable/j.ctt1j5dc1m
6. عادل عبد العاطي، اختبار البطة، دراسات نقدية في فكر وممارسة محمود محمد طه والجمهوريين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى