وزارة المالية في قلب المعركة: كيف يُدير دكتور جبريل إبراهيم ملفات اقتصاد الحرب الشائكة؟

متابعات أفرابيا برس
في حوار اتسم بالشفافية العالية والمكاشفة الوطنية عبر شاشة “تلفزيون السودان القومي” وضمن حلقة من برنامج “المنتدى السياسي”، استعرض وزير المالية والتخطيط الاقتصادي، الدكتور جبريل إبراهيم، تفاصيل الملف الاقتصادي المعقد في البلاد، مؤكداً أن الدولة تخوض معركة وجودية توازي في ضراوتها ميادين القتال، حيث ترتكز استراتيجية الوزارة على “ميزان طوارئ” يضع أولويات الدفاع عن الدولة وتأمين متطلبات الصحة ومعاش الناس في مقدمة الأجندة التنفيذية. وأوضح الوزير أن التحدي الأكبر يتمثل في فقدان الدولة لمصادر دخلها التقليدية نتيجة توقف النشاط الاقتصادي وتدمير البنية التحتية، مما دفع الحكومة إلى الاعتماد على التمويل بالعجز لإدارة دفة الدولة في ظروف بالغة القسوة.
وفيما يتعلق بانهيار العملة الوطنية، أوضح الدكتور جبريل أن الجنيه السوداني تعرض لموجات من المضاربات الممنهجة التي قادتها جهات خارجية معادية، إلا أن الوزارة بالتنسيق مع بنك السودان تدخلت بآليات اقتصادية وأمنية لامتصاص الكتلة النقدية وإيقاف التدهور، مشدداً على أن الهدف الاستراتيجي ليس خفض السعر فحسب، بل خلق حالة من “الاستقرار” تتيح للمنتجين والمستثمرين التخطيط للمستقبل، وهو ما انعكس في تحسن مؤشرات السوق مؤخراً. وأكد الوزير أن الحكومة ترفض الحلول السهلة التي قد تضر بالاقتصاد على المدى البعيد، مفضلة المضي في خطوات مدروسة لضمان استدامة الموارد.
وعلى صعيد المعيشة اليومية، أشار الوزير إلى أن الحكومة اتخذت تدابير وقائية لضمان وفرة السلع الاستراتيجية، شملت إلغاء الجمارك والرسوم عن كافة المواد الغذائية الأساسية، بينما اعتمدت سياسة “رفع الرسوم” على السلع الكمالية بدلاً من منعها، وذلك لقطع الطريق على التهريب والحفاظ على إيرادات الدولة التي توجه لدعم الفئات الأكثر ضعفاً. وأقر الوزير بمعاناة أصحاب الدخول الثابتة من تآكل الأجور، مؤكداً أن تخفيض الأجور في بداية الحرب كان إجراءً اضطرارياً لضمان استمرارية الصرف، مع وجود خطط للزيادة التدريجية وفقاً لتحسن الإيرادات العامة.
وفي ملف الموارد، كشف الوزير عن توجه استراتيجي لإحكام السيطرة على عائدات الذهب عبر التدخل المباشر لشراء الإنتاج المحلي، بهدف تعزيز احتياطيات البنك المركزي وتقليص دور الوسطاء الذين تسببوا في ارتفاع الأسعار. وأكد أن الوزارة تسعى أيضاً لرفع الإنتاجية الزراعية وإضافة قيمة مضافة للصادرات، مشدداً على أن تصدير المواد الخام كالصمغ العربي والمحاصيل دون تصنيع هو أحد أكبر ثغرات الميزان التجاري، وأنه يجري العمل على فتح أسواق جديدة وتجاوز القيود الاحتكارية الدولية.
وحول العلاقات الدولية، شدد الدكتور جبريل على أن لغة المصالح هي التي تحكم مسارات العمل الخارجي، نافياً وجود ودائع خارجية حتى اللحظة، ومؤكداً أن الدولة تعتمد على إمكاناتها الذاتية وبذل الجهود في تعظيم الموارد الموجودة. كما نفى الوزير وجود أي تعدد في مراكز صناعة القرار الاقتصادي، موضحاً أن القرارات تُتخذ عبر المؤسسات الرسمية في مجلس الوزراء والقطاع الاقتصادي، مع التزام تام بمراجعة السياسات وتعديلها إذا أثبت الواقع عدم جدواها.
واختتم وزير المالية حديثه بالإشارة إلى التكاليف الباهظة لإعادة الإعمار، بدءاً من صيانة شبكات الكهرباء التي فقدت آلاف المحولات، وصولاً إلى تأهيل الطرق والمستشفيات، مؤكداً أن الدولة تحملت هذه الأعباء لضمان عودة المواطنين الآمنة، ومجدداً ثقته في أن المخرج الحقيقي من الأزمة يكمن في تعظيم الإنتاج الوطني، وأن المرحلة القادمة ستشهد المزيد من الخطوات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي وتخفيف الضغط عن كاهل المواطن السوداني الصامد.