وللحديث بقية محمد المسلمي الكباشي قراءة في دلالات خطاب القائد البرهان إلى البيت الأبيض.. سياسة السيادة والسلام
وللحديث بقية محمد المسلمي الكباشي قراءة في دلالات خطاب القائد البرهان إلى البيت الأبيض.. سياسة السيادة والسلام

وللحديث بقية
محمد المسلمي الكباشي
قراءة في دلالات خطاب القائد البرهان إلى البيت الأبيض.. سياسة السيادة والسلام
في علم السياسة، لا تُقاس الرسائل بعدد كلماتها، بل بتوقيتها وسياقها ومرسلها ومستقبلها. والرسالة التي بعث بها رئيس مجلس السيادة القائد العام، القائد عبد الفتاح البرهان، إلى الرئيس الأمريكي، تندرج ضمن ما يسميه المنظرون بـ “الدبلوماسية الاستباقية”.
إنها ليست رسالة طمأنة فحسب، بل هي إعادة تموضع استراتيجي للدولة السودانية في خضم تحولات النظام الدولي.
أولا: تفكيك سردية الخصم
ظلت آلة الدعاية المضادة، منذ اندلاع تمرد مليشيا الدعم السريع، تعمل على ترسيخ سردية مفادها أن المؤسسة العسكرية السودانية هي طرف ضد السلام، وأنها معزولة دوليا. جاءت رسالة القائد البرهان لتنسف هذه السردية من جذورها.
الرسالة تقول بلغة القانون الدولي: إن الدولة السودانية، بوصفها كيانا سياديا، هي صاحبة المصلحة الحقيقية في السلام، لأنها وحدها من يتحمل عبء حماية المدنيين ووحدة التراب الوطني. بينما المليشيا هي كيان وظيفي لا يملك مشروع سلام، بل مشروع فوضى.
ثانيا: الجدلية بين الشرعية الدولية والحل الوطني
هنا يكمن عمق فحوى الرسالة الذي يفهمه المنظرون. القائد البرهان يمارس ما يسمى بـ “توازن الشرعيات”.
هو يؤكد التزامه بالجهود التي ترعاها واشنطن، وهذا يكسبه الشرعية الدولية، ويحرم المليشيا وداعميها من احتكار بوابة المجتمع الدولي. وفي نفس اللحظة، يؤكد أن الأرضية الحقيقية للسلام هي التهيئة السياسية والاجتماعية الداخلية لحوار سوداني سوداني خالص.
إنه يرفض بذكاء ثنائية الاستقطاب: لا هو يرفض الوساطة الدولية فيقع في فخ العزلة، ولا هو يقبل بالإملاءات الخارجية فيقع في فخ الوصاية. بل هو يخلق مسارا ثالثا: انفتاح سيادي على الخارج، وتحصين وطني في الداخل.
ثالثا: السلام بمفهوم الدولة لا بمفهوم المليشيا
هناك فرق جوهري بين سلام الدولة وسلام المليشيا. سلام المليشيا هو تسوية تضمن لها البقاء والغنيمة. أما سلام الدولة الذي يطرحه القائد البرهان، فهو سلام يقوم على وحدة السيادة فلا سلام مع تعدد الجيوش، وعلى مركزية المواطن فالسلام ليس اتفاق تقاسم سلطة بين نخب بل هو إنهاء لمعاناة السواد الأعظم، وعلى سودنة الحل فالحل المستدام لا يأتي من المنابر الخارجية المتناسلة بل من حوار داخلي يراعي الأنثروبولوجيا السياسية للمجتمع السوداني.
بهذا المعنى، فإن رسالة القائد البرهان ليست مجرد رد دبلوماسي، بل هي وثيقة تأسيسية لمفهوم جديد للسلام الوطني الشامل، سلام المنتصر الذي يمد يده لا عن ضعف، بل عن مسؤولية تاريخية.


