الصادق إسماعيل علي.. يكتب..نَكزة: الفاشر لم تسقط… سقط الذين اجتاحوها!
الصادق إسماعيل علي.. يكتب..نَكزة: الفاشر لم تسقط... سقط الذين اجتاحوها!

الصادق إسماعيل علي.. يكتب..نَكزة: الفاشر لم تسقط… سقط الذين اجتاحوها!
* عامٌ على الاجتياح… وجرحٌ لا يندمل
في ذكرى اجتياح الفاشر، لا نستعيد واقعةً عسكريةً عابرة، ولا نحصي أيام الحصار وأهوال الجوع والمرض والقتل فحسب؛ إنما نستعيد امتحاناً سقط فيه من سقط أخلاقياً وإنسانياً، وانكشفت فيه وجوهٌ طالما تسترت خلف شعارات الإنسانية والعدالة، وارتفع فيه إنسان الفاشر فوق جراحه، شاهداً على أن المدن قد تُجتاح، لكن كرامتها لا تُحتل بالضرورة، وأن الأجساد قد تُنهك، لكن الإرادة لا تُقاس بوزن الجسد ولا بامتلاء المعدة.
* بالأمس، أحيت اللجنة العليا للاستنفار والتعبئة الشعبية لولاية شمال دارفور الذكرى السنوية الأولى لاجتياح مليشيا الدعم السريع لمدينة الفاشر. عامٌ مضى، لكن الجرح لم يندمل، والغياب لم يصبح اعتيادياً، والبيوت التي هُدمت لا تزال شاهدةً على فداحة الفاجعة، وأهلها الذين شُرّدوا يحملون مدينتهم في صدورهم، كما يحمل الغريب مفتاح بيته، وإن طال به الترحال. ولعل أقسى ما في النزوح أن الإنسان لا يفقد مكانه وحده، بل يفقد تفاصيل حياته التي كان يظنها ثابتةً لا تتغير: باب البيت، ومجلس الأسرة، ووجوه الجيران، والطرقات التي يعرفها دون أن يسأل أحداً عن اتجاهها. ثم يجد نفسه بعيداً عن كل ذلك، يحمل ذاكرته معه، ويخشى عليها من أن تتحول بمرور الأيام إلى حكاية يرويها لمن لم يعرفوا الفاشر التي عرفها.
هذا هو جرح الفاشر… جرحٌ لا يندمل!
* الفاشر… وما أدراك ما الفاشر؟
الفاشر، فاشر السلطان عبد الرحمن الرشيد، وفاشر السلطان علي دينار أبي زكريا، «أداب العاصي»، فاشر شنب الأسد!
مدينةٌ بألق التاريخ، ومجدٍ وشرفٍ بازخين، وعطاءٍ امتد على مدى الزمان بلا حدود. مدينةٌ ذات موقع جيوسياسي جعلها نقطة ارتكاز حاكمة في آفاق دارفور وما حولها، ومركزاً تلتقي عنده طرق التاريخ والجغرافيا والإنسان.
مدينةٌ جمعت من كل السودان، ومن كل أفريقيا، ومن بلاد العرب، ومن أوروبا؛ من كل سبطٍ رفيعٍ كريماً، ومن كل بستانٍ زهرة، ومن كل حجرٍ كريم ياقوتةً حمراء.
جمعتهم في دوحها الوارف الظليل، فصهرتهم في بوتقتها، وصاغت منهم إنساناً متفرداً، يكاد لا يشبهه أحد في الجوار القريب أو البعيد. هناك، الكل سلطانٌ متوّج بالرفعة والسمو، والأدب والعلم؛ حتى كأنما جرى المثل على ألسنة أهلها يقول: «الماعندو ابن عاشر ما يشق الفاشر».
والفاشر ليست تاريخاً يُروى فحسب، ولا جغرافيا تُرسم على الخرائط؛ إنها المحمل الشريف وكسوة الكعبة، وذاكرةٌ عامرةٌ بالشرف والعطاء، وحكايةُ تلاقحٍ إنساني وثقافي يصعب اختزالها في سطور.
والقائمة تطول، ويضيق المقام عن حصرها.
* فأيُّ مدينةٍ هذه التي اجتمع فيها كل هذا التاريخ، وكل هذا التنوع، وكل هذا العطاء، ثم وجد أهلها أنفسهم محاصرين بالجوع والمرض والخوف، يستجدون حقهم الطبيعي في الحياة، فيما يتفرج العالم الذي طالما حدّثهم عن حقوق الإنسان وكرامة البشر؟
يوم اجتاحوها… مَن الذي سقط؟
يوم اجتاحتها المليشيا قبل عام، لم تسقط الفاشر في ميزان الكرامة والتاريخ؛ بل سقطت المليشيا نفسها في مستنقع الخزي والعار والعمالة والخيانة والارتزاق. وسقط معها، في ميزان المسؤولية السياسية والأخلاقية، حلفاؤها الذين اختاروا الوقوف إلى جانبها، وعلى رأسهم قوى الحرية والتغيير «قحت»، التي يرى كثيرون في موقفها من الحرب والفاشر وصمةً لن تمحوها بيانات التبرير ولا محاولات إعادة تسويق المواقف.
يومها، شهد العالم مشهداً يكاد يعجز العقل عن استيعابه: كيف يستطيع بشرٌ أن يبيعوا أمهاتهم وآباءهم وإخوتهم وأخواتهم وخالاتهم وعماتهم وبناتهن وبنات أعمامهم وعماتهم للشيطان بلا مقابل؟ وكيف يبلغ الإنسان من الانحدار مبلغاً يتخلى فيه عن كل ما يجعل منه إنساناً، ثم لا يرف له جفن؟
وليس السؤال: كم ربح هؤلاء؟ بل: أيُّ خسارةٍ في الضمير يمكن أن تعوّضها كل مكاسب الدنيا؟
إنها تجارةٌ لا تخسر فيها الإنسانية وحدها؛ بل يخسر فيها التاجر نفسه، حتى لو خرج من السوق محمّلاً بالغنائم.
* بعض دول الجوار ..أحسنّا إليهم… فردّوا الإحسان خيانة!
يومها، سقطت كذلك أخلاق كل من شارك في حصار الفاشر واجتياحها، أو أعان عليهما، أو هيّأ لهما الأسباب، أو اختار الصمت عن الجرائم مع قدرته على المساهمة في وقفها.
ومن بين أكثر ما يوجع في هذه المأساة أن الفاشر لم تكن مدينةً أغلقت أبوابها في وجه من استجار بها يوما . لقد آوت، وأطعمت، وسقت، وعلّمت، وأسعفت، وفتحت أبوابها لمن ضاقت بهم ديارهم، حتى ممن قدموا من خارج السودان.
أمّنتهم حين خافوا، وأطعمتهم حين جاعوا، ونجّدتهم حين فُزّعوا، وسقتهم حين عطشوا، وعلّمتهم حين جهلوا، وآوتهم حين طُردوا من ديارهم.
ثم جاءها من بين من أحسنت إليهم مَن شارك في حصارها واجتياحها، أو أعان من فعل ذلك!
عجباً! أهذه هي مكافأة الإحسان؟ أهذه هي أخلاق الجوار؟ أهذه هي شهامة الرجال؟
إنها الخسّة والنذالة والوضاعة؛ أن تعضّ اليد التي امتدت إليك بالخير، وأن تتغوّط في الإناء الذي أكلت منه، ثم تتوهم أنك بذلك قد انتصرت!
ولعل بعضهم يحتاج إلى إعادة تعريف النصر؛ فليس كل من دخل مدينةً فاتحاً، ولا كل من خرج منها حاملاً الغنائم منتصراً. فثمة انتصاراتٌ لا ترفع أصحابها إلا في أعين أنفسهم، وثمة هزائمُ أخلاقيةٌ تجعل المنتصر المزعوم أصغر من الهزيمة ذاتها.
* الفاشر لم تُسقطها المليشيا وحدها… سقط قناع الإنسانية!
يومها، لم تسقط الفاشر في ميزان الكرامة، لكن سقطت أقنعةٌ كثيرة، وانكشف وجهُ حضارةٍ بشريةٍ طالما تباهت بتقدمها، ورفعت شعارات حقوق الإنسان، والعدالة، والحرية، والمساواة، ثم وقفت عاجزةً أو متواطئةً أو صامتةً أمام المأساة.
حضارةٌ تدّعي الإنسانية، لكنها كثيراً ما تكيل بمكيالين؛ ترفع الصوت حين تكون مصالحها مهددة، وتخفضه حين يكون الضحايا من الذين لا وزن لهم في حسابات القوة والنفوذ.
لقد شاركت أطرافٌ خارجية، في توفير أشكال من الدعم اللوجستي الذي أسهم في إطالة الحصار وتمكين المليشيا من مواصلته. ثم جاء الصمت الدولي، أو قصور الاستجابة، ليضيف إلى معاناة الضحايا سؤالاً لا يقل إيلاماً عن الجريمة نفسها: أين كانت الإنسانية حين كان الأطفال والنساء والمسنون يواجهون الجوع والمرض والموت؟
وأين كانت تلك الشعارات حين تواترت التقارير عن جرائم القتل الجماعي والانتهاكات الجسيمة، وحين نُقلت مشاهد الاعتداء على المرضى والجرحى في ما تبقى من المرافق الصحية، وحين ظهرت مشاهد الاحتفاء بالعنف والإذلال، ومنها ما ارتبط بأبي لولو ونظرائه؟
أيُّ إنسانيةٍ هذه التي تتسع للاحتفالات بانتصار السلاح، ولا تتسع لصرخة طفلٍ جائع؟ وأيُّ ضميرٍ هذا الذي لا يستيقظ إلا حين يكون القتيل من أصحاب البشرة أو الجغرافيا أو المصالح التي تستحق، في نظره، أن تُحزن العالم؟
لقد عرّت الفاشر ازدواجية المعايير، وكشفت أن الشعارات، مهما حسُن رنينها، لا تساوي شيئاً حين تُختبر بالدماء.
فليس أسوأ من أن يرتكب الإنسان جريمةً في حق أخيه؛ إلا أن يرتكبها وهو يتوهم أنه صاحب قضية، أو أن يشهدها ثم يحدّث الناس عن الأخلاق والقيم والمثل الإنسانية!
* حين صمد الجائعون… ارتبك أصحاب القوة!
يومها، لم تسقط الفاشر في ميزان الكرامة؛ بل أدرك العالم، وأدرك أهل السودان، شيئاً من حقيقة إنسانها، وقوة إرادته، وصلابة صموده أمام الظلم والقهر والجبروت.
وقف أهلها، رجالاً ونساءً، صغاراً وكباراً، في خندق الصمود، ووقف كثيرون منهم خلف قواتهم المسلحة الباسلة، كلٌّ بما استطاع، في معركةٍ لم تكن معركة سلاحٍ فحسب، بل معركة بقاء وكرامة وهوية.
واجهوا بصدورٍ عارية، ومعدةٍ خاوية، وأجسادٍ أنهكها الجوع والعطش والمرض، حصاراً امتد أكثر من عامين، وهجماتٍ متكررةً تجاوزت أربعمائة هجوم، أو يزيد .
ولم يكن في أيدي كثيرين منهم ما يملكونه من أسباب القوة، لكنهم امتلكوا ما لم يستطع الحصار انتزاعه: إرادة المقاومة، ورفض الاستسلام، والتشبث بالحق في الحياة.
أذاقوا العدو بأساً أربكه، وأفقده صوابه، وكبّده خسائر في ما كان يظنه مضموناً من أهداف ومكاسب. وأربكوا حسابات من راهنوا على أن الجوع وحده كفيلٌ بإنهاء المعركة، وأن تجويع الناس طريقٌ مختصرٌ إلى كسر إرادتهم.
لكن الفاشر قالت، بلسان أهلها وصمودهم، إن الجسد قد يضعف، وإن المعدة قد تخلو، وإن المرض قد ينهش صاحبه، لكن الإنسان لا يتحول بالضرورة إلى عبدٍ لمن يملك الطعام والسلاح.
وفي المقابل، انكشفت شراهةُ قوىً خارجيةٍ للدم والموارد والنفوذ، وانفضحت ممارساتٌ تُقدَّم فيها الغاية على الوسيلة، ولو كان الثمن سحق البشر، ونهب المقدرات، وتدمير المجتمعات.
لقد شوهت هذه الحرب الصورة التي رسمها أصحاب تلك المشاريع لأنفسهم، وكشفت أن وراء كثيرٍ من الشعارات البراقة مصالحَ لا تعرف الرحمة، وحساباتٍ لا تقيم وزناً لحياة الإنسان إلا بمقدار ما تخدمه من أهداف.
وهنا، لا بد أن نتوقف عند أهل الفاشر أنفسهم؛ عند الذين ناموا على الخوف، واستيقظوا على الجوع، ودفنوا أحباءهم في ظروفٍ لا تليق بالإنسان، وعند الذين حملوا مرضاهم ولم يجدوا دواءً، وبحثوا لأطفالهم عن لقمةٍ فلم يجدوا إلا القلق والعجز.
هؤلاء ليسوا أرقاماً في تقرير، ولا صوراً عابرةً في نشرة أخبار؛ إنهم بشرٌ لهم أسماءٌ وبيوتٌ وذكرياتٌ وأحلام، ولهم حقٌّ في الحياة لا تمنحه لهم المنظمات، ولا تسحبه منهم المليشيات، ولا تملكه الدول لتساوم به.
ومن هنا، فإن أي حديثٍ عن الفاشر لا يكتمل بالاحتفاء بالصمود وحده؛ بل لا بد أن يظل مقروناً بالوفاء للضحايا، وبالعمل على إنصافهم، وإعادة إعمار مدينتهم، وردّ حقوقهم، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم.
* الفاشر أعادت تعريف الجيش والوطن!
يومها، لم تسقط الفاشر في ميزان الكرامة، بل أدرك أهل السودان أن لهم جيشاً يستطيع، بعون الله وقدرته، أن يدافع عن العباد والبلاد، وأن يقف في وجه الخيانة والعمالة والارتزاق والمشروعات التي تستهدف سيادة الوطن ووحدته.
وحتى الآن، لم تنتهِ الحرب، ولم تُطوَ صفحتها الأخيرة. وما زالت أمام السودان معارك صعبة في الميدان، وفي السياسة، وفي الاقتصاد، وفي إعادة بناء ما دمرته الحرب.
لكن درس الفاشر سيظل حاضراً؛ درساً في الصمود، وفي معنى أن تكون للدولة قوةٌ تحميها، وللوطن جيشٌ يدافع عنه، وللشعب إرادةٌ لا تُختزل في حسابات السلاح والمال.
وعندما ينجلي غبار الحرب، ينبغي أن يدرك الجميع، وفي مقدمتهم كل من يفكر في استباحة السودان أو فرض الإرادة عليه بالقوة، أن هذا البلد ليس أرضاً سائبةً، وأن شعبه ليس جماعةً يمكن إخضاعها بالتجويع أو إخافتها بالقتل أو شراء صمتها بالمال.
وسيكون على كل من يفكر في تكرار التجربة أن يحسب حساباً طويلاً قبل أن يقدم عليها، وأن يدرك أن جيشاً صقلته المعارك، وشعباً خبر قسوة الحرب، لن يكونا كما كانا قبلها.
ولعل ما ينبغي أن يتعلمه الجميع من هذه الحرب هو أن الشجاعة وحدها لا تكفي، كما أن السلاح وحده لا يكفي؛ بل لا بد من الاحتراف، والانضباط، وحسن التخطيط، ووحدة الهدف، والقدرة على الصبر والمناورة، ورباطة الجأش وفنون القتال. وهذا ما تتمتع به قواتنا المسلحة .
وما نرجوه أن تتحول هذه التضحيات إلى قوةٍ تحمي السودان، لا إلى مجرد حكاياتٍ تُروى بعد انتهاء المعارك؛ وأن تكون دروس الفاشر بدايةً لبناء دولةٍ لا يُترك فيها المواطن فريسةً للجوع والحصار، ولا تُختزل فيها حماية الوطن في شجاعة الأفراد وحدها، بل تسندها مؤسساتٌ قويةٌ وعادلةٌ وقادرة.
* الجرح الذي لن يندمل حتى يعود أهله
هذا جرحٌ سيظل نازفاً في وجدان كل سودانيٍّ وطنيٍّ غيورٍ على دينه ووطنه وعرضه ودمه وماله.
لن يندمل الجرح ما دام أهل الفاشر مشردين عن ديارهم، وما دامت البيوت مهدمةً، والمزارع محروقةً، والأرض التي كانت تنبض بالحياة تنتظر من يعيد إليها خضرتها، وما دام الأطفال الذين حُرموا من الأمان ينتظرون يوماً يعودون فيه إلى مدارسهم، وينامون فيه دون أن توقظهم أصوات الرصاص أو كوابيس الفقد.
ولن يندمل ما دامت الأمهات يحملن وجع الغياب، وما دامت الأسر لا تعرف مصير مفقوديها، وما دام الجرحى والمرضى ينتظرون العلاج، وما دامت الحقوق معلقةً بين أروقة السياسة وبيانات الإدانة.
ولن يندمل كذلك ما لم يلقَ كل من أجرم في حق الفاشر وأهلها جزاءه العادلة ، فلا يُترك المجرم بلا حساب، ولا يُظلم بريءٌ باسم الانتقام.
فالعدالة ليست ثأراً أعمى، وإنما هي استردادٌ للحق، وإنصافٌ للضحايا، وإعلانٌ واضحٌ بأن دم الإنسان ليس مباحاً، وأن الجريمة لا تسقط بالتقادم السياسي، ولا تمحوها تبدلات التحالفات، ولا تغسلها حملات العلاقات العامة.
الفاشر لا تريد شفقة العالم؛ تريد حقها. لا تستجدي اعترافاً بوجعها؛ تريد إنصافاً يليق بضحاياها. ولا يكفيها أن يتذكرها الناس في ذكرى الاجتياح؛ بل تريد أن تعود مدينةً للحياة، وأن يعود أهلها إلى بيوتهم، وأن تُرمم جراحها، وأن يُحاسَب من جعلوا من أرضها مسرحاً للقتل والتجويع والتشريد.
* المعركة مستمرة… والوفاء واجب!
الآن، تزحف القوات المسلحة الباسلة، ومن معها، بثباتٍ نحو أرض الكرامة، أملاً في استعادة الأرض وإنهاء معاناة أهلها.
وهذا شرفٌ لا يدانيه شرفٌ إلا شرف الشهادة في سبيل الله والوطن.
العز كل العز، والشرف كل الشرف، لمن رافق القوات المسلحة يقاتل إلى جوارها، مدافعاً عن الأرض والعرض، ومن أبطأت به قدماه لعذرٍ شرعي، فلا يبطئ به ماله، دعماً للمجهود الحربي، واستخلافاً لمجاهدٍ في عياله.
ومن عزّ عليه المال فقراً وعجزاً، فالدعاء؛ فهو بابٌ مفتوحٌ لا يحول بين العبد وربه حائل، والله سبحانه ناصر المظلومين، وقاهر الجبابرة، وبيده الأمر كله.
فربُّ أشعثَ أغبرَ لو أقسم على الله لأبرّه، وربُّ دعوةٍ خرجت من قلبٍ منكسرٍ في جوف الليل كانت أبلغ من ضجيج الجيوش، وأمضى من سلاحٍ في يد مقاتل.
وربُّ امرأةٍ مكلومةٍ، قد قتل الأوباش زوجها وولدها، وانتهكوا حرمات بيتها، ونالوا من شرفها وشرف ابنتها، ثم لم تجد إلا رب العزة والجبروت ملاذاً، فرفعت يديها وقالت: اللهم إني مظلومةٌ فانتصر!
أيُّ سلاحٍ يستطيع أن يقف أمام دعوة المظلوم؟ وأيُّ قوةٍ تستطيع أن تمنح الظالم أمناً من عدالة الله؟ وأيُّ انتصارٍ يساوي أن تعود تلك المرأة إلى بيتها، آمنةً مطمئنةً، وقد رُدّ إليها حقها، وجُبر كسرها، وأُعيد إليها بعض ما سلبتها الحرب؟
إنها ليست دعوةً للانتقام، وإنما دعوةٌ إلى نصرة المظلوم، واسترداد الحق، ومحاسبة المعتدي، وإعادة الأمن إلى أرضٍ أُريد لها أن تغرق في الخوف والدمار.
* إلى النقعة… موعدنا مع العودة والعدالة!
بإذن الله، حين تحين الذكرى السنوية القادمة، نريد للجنة العليا للاستنفار والتعبئة الشعبية أن تحيي ذكراها مجدداً في ميدان النقعة بالفاشر؛ لا بين النازحين في معسكرات اللجوء، ولا تحت وطأة الحنين إلى البيوت، بل وسط أهل المدينة وقد عادوا إلى ديارهم، واستردوا أمنهم، وبدأوا إعادة بناء ما دمرته الحرب.
نريد أن تعود البيوت إلى أصحابها، والمزارع إلى زارعيها، والأسواق إلى تجارها، والمدارس إلى طلابها، والمساجد إلى روادها، وأن تعود الحياة إلى شوارع الفاشر التي لا تزال تحمل في ذاكرتها وجوه الغائبين وأصوات الذين لن يعودوا.
ونريد أن يكون كل مجرمٍ قد نال جزاءه المستحق، وأن يكون كل من استباح دماء الأبرياء قد واجه العدالة، وأن يكون كل مستعمرٍ أو وكيل استعمارٍ أو مرتزقٍ أو خائنٍ أو عميلٍ قد أدرك أن للسودان شعباً لا ينسى، ووطناً لا يُباع، وكرامةً لا تُشترى.
وعندها، لن تكون الذكرى مجرد احتفالٍ بانتصارٍ عسكري، بل إعلاناً عن انتصارٍ أكبر: انتصار الحياة على الموت، والحق على الباطل، والعدالة على الإفلات من العقاب، والوفاء على الخيانة.
أما الذين راهنوا على أن الفاشر ستُمحى من الذاكرة، وأن أهلها سيطويهم النسيان، وأن السودان سينسى ما جرى، فليعلموا أن للمدن ذاكرةً لا تموت، وللدماء حرمةً لا تسقط، وللحقوق أصحاباً قد يطول انتظارهم، لكنهم لا يفقدون حقهم في المطالبة بها.
وكما قال فارس السودان الحارث بن إدريس في القول الذي يُستشهد به في مقام التهديد بالهوان والخذلان: «بشعس نعل كليب»؛ فإن التاريخ لا يرفع كل من امتلك القوة، ولا يخلّد كل من جمع الغنائم، بل يترك لكل امرئٍ ما يستحقه من ذكرٍ، وفق ما صنعه بيده.
* كلمة أخيرة… الفاشر في القلب
يا أهل الفاشر، يا من حملتم مدينتكم في قلوبكم يوم ضاقت بكم الأرض، ويا من فرقكم النزوح ولم تفرقكم المحبة، ويا من فقدتم الأحبة والديار والأمان، ليس في الكلمات ما يكفي لمواساتكم، ولا في المقالات ما يعوّض طفلاً عن أبيه، أو أماً عن ولدها، أو زوجة عن زوجها ،أو أسرةً عن بيتٍ ضاع منها.
لكن من حقكم علينا ألا ننساكم، وألا نجعل مأساتكم خبراً عابراً في ذاكرةٍ مثقلةٍ بالأحداث، وألا نكتفي بالبكاء على ما حدث، بينما لا يزال أمامنا واجبٌ في الإغاثة والإعمار والعودة والإنصاف.
الفاشر ليست مدينةً سقطت وانتهى الأمر؛ إنها قضية وطن، وامتحان ضمير، وجرحٌ في جسد السودان كله.
وستظل ذكراها حاضرةً حتى يعود أهلها، وتُعمر ديارها، وتُزرع أرضها، وتُرد الحقوق إلى أصحابها، ويُحاسَب المجرمون، ويأمن الناس في بيوتهم من الخوف والجوع والمرض والقتل.
ذلك هو النصر الذي نريده للفاشر: لا أن تعود الأرض وحدها، بل أن يعود إليها الإنسان، وأن يعود معها الأمن والعدل والحياة.
* تقبّل الله الشهداء، وشفى المرضى، وفكّ المأسورين، وردّ الغائبين، وأمّنّا في أوطاننا وديارنا، وآمن روعاتنا، وانصرنا عليهم نصراً عزيزاً مؤزراً.
دمتم… سالمين… آمنين… تآمين… لآمين…



