من رفض التأشيرة الي مائدة العلمين.. شرعنة امريكية من تحت الطاولة لمجلس السيادة *بقلم: علي محمد طاهر علام
من رفض التأشيرة الي مائدة العلمين.. شرعنة امريكية من تحت الطاولة لمجلس السيادة *بقلم: علي محمد طاهر علام

من رفض التأشيرة الي مائدة العلمين.. شرعنة امريكية من تحت الطاولة لمجلس السيادة
بقلم: علي محمد طاهر علام
في عالم السياسة، ليست كل التغريدات مجرد كلمات عابرة تُكتب على عجل. بعضها يحمل في طياته إشارات أكبر مما يظهر على السطح. هذا ما يمكن قوله عن تغريدة مسعد بولس، المستشار الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، التي تحدث فيها عن الفريق أول عبد الفتاح البرهان بصفته “رئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان”، وتطرق فيها إلى وحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه. تغريدة جاءت في توقيت بالغ الدقة، لتثير موجة من التساؤلات حول ما إذا كانت واشنطن قد بدأت بالفعل إعادة ترتيب أوراقها في الملف السوداني.
لفهم دلالة هذه التغريدة، لا بد من قراءتها في ضوء ما سبقها بأيام قليلة. في سبتمبر الماضي، كانت العلاقات الأمريكية-السودانية تمر بواحدة من أكثر لحظاتها توتراً، عندما رفضت واشنطن منح الفريق البرهان تأشيرة دخول لحضور الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك . تقارير صحفية كشفت حينها أن قرار التأشيرة كان مرتبطاً برفض البرهان التوقيع على مقترح أمريكي لهدنة إنسانية لمدة 90 يوماً، وهو المقترح الذي قدمه بولس نفسه .
بعد ذلك بأيام، أعلنت الولايات المتحدة فرض حزمة ثانية من العقوبات على السودان، بذريعة استخدام الجيش السوداني لأسلحة كيميائية، وهي تهمة نفتها الخرطوم جملة وتفصيلاً، واصفة العقوبات بأنها “أحادية وغير قانونية” .
في ظل هذا السياق المشحون، تبدو تغريدة بولس الأخيرة وكأنها قطيعة مع اللغة التصادمية السابقة. فبدلاً من الحديث عن “طرف في حرب” أو تجاوز مسألة الاعتراف، نجد لغة جديدة تتحدث عن “الدولة السودانية” و”وحدتها” و”سيادتها” و”استعادة الأمن والاستقرار” و”إعادة الإعمار والتنمية” و”حوار وطني يملكه ويقوده السودانيون”.
السؤال الجوهري ليس هل تغير الموقف الأمريكي بشكل كامل؟ لأن الإجابة على هذا السؤال تتطلب إعلاناً رسمياً لا يبدو أنه صدر بعد. السؤال الأهم هو: لماذا تغيّرت اللغة الآن، وفي هذا السياق تحديداً؟
هناك ثلاث قراءات محتملة، يمكن طرحها بعيداً عن التهويل أو التقليل:
القراءة الأولى: تغيير تكتيكي وليس تحول استراتيجي
قد لا تكون تغريدة بولس سوى مناورة تكتيكية تهدف إلى إعادة فتح قنوات التواصل مع الخرطوم بعد شهور من الجمود. فالعقوبات ورفض التأشيرة لم يحققا النتائج المرجوة على الأرض، خاصة مع التطورات الميدانية التي شهدت تراجعاً لقوات الدعم السريع في مناطق عدة، واستسلام وانضمام بعض عناصرها إلى الجيش السوداني. في مثل هذه الظروف، قد ترى واشنطن أن استمرار اللغة التصادمية مع الخرطوم لم يعد مجدياً، وأن إعادة التعامل بصفة “رئيس مجلس السيادة” قد تكون خطوة ضرورية لإعادة بناء قدرة التأثير على مسار الحرب.
القراءة الثانية: رسائل موجهة لأطراف أخرى
لا يمكن قراءة تغريدة بولس بمعزل عن السياق الإقليمي الأوسع. السودان يقع في منطقة تتقاطع فيها مصالح قوى كبرى، من البحر الأحمر إلى الساحل الأفريقي، ومن موانئ وذهب وحدود وممرات بحرية. تغيير اللغة الأمريكية قد يكون رسالة إلى دول إقليمية فاعلة في الملف السوداني، بأن واشنطن تتحرك بمنطق جديد يقوم على التعامل مع “الدولة السودانية” ككيان، لا مع أطراف متصارعة على قدم المساواة. هذا التمايز، الذي سبق أن طرحه موقف باكستان في مجلس الأمن حين دعا إلى التمييز بين “جيش دولة ذات سيادة” و”قوة متمردة” ، قد يكون واشنطن بدأت تتبناه بشكل ضمني.
القراءة الثالثة: تغيير اللغة كأداة لصناعة الشرعية
اللغة في السياسة ليست محايدة. عندما يصف مسؤول أمريكي رفيع البرهان بأنه “رئيس مجلس السيادة الانتقالي”، ويجلس معه في إطار دبلوماسي، فهو بذلك يمنحه قدراً من الشرعية الرمزية، حتى لو لم تصدر واشنطن إعلاناً رسمياً بالاعتراف. هذا الأمر له دلالة خاصة في ضوء أن الولايات المتحدة كانت قد سحبت اعترافها الفعلي بمجلس السيادة بعد انقلاب أكتوبر 2021 . إذن، تغيير اللغة هنا قد يكون أداة لبناء شرعية تدريجية، تمهد لتعاملات أوسع في المستقبل، دون الحاجة إلى خطاب رسمي قد يحرج واشنطن أمام حلفائها أو أمام القوى المدنية السودانية المعارضة للجيش.
دلالة تغيير اللغة: ماذا يعني فعلاً؟
في السياسة، اللغة غالباً ما تسبق الفعل. عندما يبدأ خطاب مسؤول أمريكي رفيع في الحديث عن “وحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه” و”إعادة الإعمار والتنمية” و”حوار وطني يملكه السودانيون”، فهو ينتقل من موقع الضغط إلى موقع الاعتراف الضمني بوجود كيان سياسي يمكن التعامل معه.
هذا لا يعني أن واشنطن أصبحت حليفاً للبرهان. الفجوة بين الجانبين ما زالت قائمة، والعقوبات لم تُرفع، ومسألة التأشيرة لم تُحل بعد. لكن ما يعنيه تغيير اللغة هو أن واشنطن ربما بدأت ترى أن استراتيجية “الضغط الكامل” على الخرطوم لم تعد تحقق أهدافها، وأن التعامل مع “الدولة السودانية” بمفردات جديدة قد يكون أكثر فاعلية في إدارة الملف.
وإذا كانت هذه القراءة صحيحة، فإن السيناريو المحتمل هو أن نشهد في الأشهر المقبلة:
▪️تحركاً دبلوماسياً أمريكياً أكثر مرونة تجاه الخرطوم، ربما عبر وسطاء إقليميين.
▪️إعادة تعريف العلاقة بعيداً عن ثنائية “الاعتراف/عدم الاعتراف”، والانتقال إلى تعامل براغماتي قائم على المصالح.
▪️ضغوطاً على الأطراف الأخرى، خاصة الدعم السريع، للانخراط في مسار سياسي تقوده “الدولة السودانية” بمشاركة دولية.
في إطار السياسة الدولية، عندما يتغير الخطاب، فهو غالباً ما يكون مقدمة لقرار لم يُعلن بعد. هذا ما يجعلنا ان نقرأ تغريدة مسعد بولس علي انها إشارة إلى أن واشنطن ربما بدأت تعيد ترتيب أولوياتها في السودان. وربما نكون مطالبين بعدم رفع سقف التوقعات، وفي نفس الوقت عدم التقليل من قيمة الإشارة. لكن الأكيد أن اللغة في السياسة كثيراً ما تسبق القرار، ومن يقرأ اللغة بعناية يستطيع أن يرى ملامح ما هو قادم قبل أن يحدث.
والسؤال الذي يبقى مطروحاً: هل هذه اللغة الجديدة ستترجم إلى سياسة فعلية تعترف بوحدة السودان وسيادته ومؤسساته، أم أنها مجرد مناورة تكتيكية ستتبدد مع أول تغير في موازين القوى على الأرض؟



