أفريقياتقارير وحوارات

نحن لا نطلب صدقة بل عدالة”.. كيف فضح سجال “موتلي – برافرمان” السردية الاستعمارية في الكاريبي وأفريقيا؟

متابعات وتحليل إخباري

لا يزال الماضي الاستعماري يلقي بظلاله الثقيلة على العلاقات الدولية الحديثة، متحولاً من مجرد صفحات في كتب التاريخ إلى ساحة معارك سياسية وقانونية مشتعلة. ومؤخراً، أعاد السجال الحاد بين رئيسة وزراء بربادوس، ميا موتلي، ووزيرة الداخلية البريطانية السابقة، سويلا برافرمان، فتح جرح غائر يمتد من جزر الكاريبي وصولاً إلى قلب القارة الأفريقية، وهو جرح “العدالة التعويضية”.
​بدأت الأزمة حين أطلقت برافرمان تصريحات أثارت عاصفة من الاستنكار، جادلت فيها بأن المستعمرات السابقة يجب أن تُعوض بريطانيا عن “الاستثمارات” التي ضختها في تلك الدول إبان الحقبة الاستعمارية، بدلاً من مطالبة لندن بدفع تعويضات عن العبودية. هذا الطرح استدعى رداً حازماً ومباشراً من موتلي، التي وصفت الفكرة بالسخيفة، مؤكدة أنه من العبث توقع أن يدفع أحفاد الأفارقة المستعبدين ثمن النظام ذاته الذي سحق أجدادهم. ولخصت موتلي القضية في عبارة مكثفة أصبحت شعاراً للمرحلة، قائلة إن منطقة الكاريبي لا تدين لبريطانيا عن العبودية أو الاستنزاف الاستعماري، وإنهم لا يطلبون صدقة بل يطالبون بالعدالة.
​والمفارقة الصارخة في هذا السجال هي أن سويلا برافرمان، التي تتبنى هذا الخطاب المدافع عن الإمبراطورية، تنحدر هي نفسها من أصول هندية، وتعود جذور عائلتها إلى مناطق عانت من وطأة الاستعمار البريطاني الذي تدعوه اليوم لعدم دفع التعويضات. ولا يمكن قراءة تصريحات برافرمان كزلة لسان فردية، بل هي انعكاس لتيار سياسي متصاعد في أوروبا، وخاصة داخل أروقة اليمين المحافظ، يحاول إعادة كتابة التاريخ وتبييض صفحته عبر تصوير الاستعمار كمشروع تنموي وحضاري أدخل البنية التحتية إلى العالم النامي. لكن هذا الطرح يتجاهل عمداً حقيقة أن تلك البنية التحتية لم تُبنَ لرفاهية الشعوب، بل شُيدت خصيصاً لتسهيل استنزاف الموارد ونقل الثروات المنهوبة، فضلاً عن كونها بُنيت بدماء وسواعد العمالة القسرية.
​وهذا السجال الكاريبي البريطاني ليس معزولاً عن الحراك الأوسع في القارة السمراء، فالمطالبة بالعدالة التعويضية أصبحت قاسماً مشتركاً يوحد دول الكاريبي وأفريقيا. ويتجلى هذا الامتداد في مسارات متصلة تشمل ضغوط دول غرب أفريقيا المستمرة لاستعادة القطع الأثرية الثمينة المنهوبة، والتحركات الرسمية التي دفعت دولاً مثل ألمانيا للاعتراف بمسؤوليتها عن جرائم الإبادة، وصولاً إلى الإجماع الأفريقي والكاريبي على أن انعدام المساواة الاقتصادية العالمية اليوم هو نتيجة مباشرة لتراكم الثروات في أوروبا على حساب نهب الموارد البشرية والمادية من الجنوب العالمي.
​ورغم الإصرار المتكرر من الحكومات البريطانية المتعاقبة والقوى الأوروبية الأخرى على رفض فكرة دفع تعويضات مالية مباشرة خشية التبعات القانونية والاقتصادية الضخمة، فإن الضغط الأخلاقي والسياسي آخذ في التصاعد. ويؤكد هذا السجال الأخير أن دول الكاريبي وأفريقيا لم تعد تقبل بصيغة التسوية الصامتة، وأن المعركة اليوم هي لتحرير الذاكرة التاريخية وإجبار العواصم الغربية على تحمل المسؤولية الأخلاقية عن ثرواتها التي بُنيت على أنقاض شعوب بأكملها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى