آراء ومقالات

إثيوبيا على حافة حرب جديدة.. هل دخلت مرحلة ما بعد آبي أحمد؟ بقلم: علي محمد طاهر علام

إثيوبيا على حافة حرب جديدة.. هل دخلت مرحلة ما بعد آبي أحمد؟ بقلم: علي محمد طاهر علام

إثيوبيا على حافة حرب جديدة.. هل دخلت مرحلة ما بعد آبي أحمد؟

بقلم: علي محمد طاهر علام

لم تعد الأزمة الإثيوبية مجرد توتر جديد في إقليم تيجراي، ولا مجرد خلاف بين الحكومة المركزية وقوى إقليمية مسلحة. فالتطورات الأخيرة تشير إلى انتقال الصراع إلى مرحلة أكثر تعقيداً، تتداخل فيها المواجهات العسكرية مع التوترات السياسية والإثنية، بينما تتشكل تحالفات جديدة بين خصوم الأمس، ويقترب اتفاق السلام الموقع في بريتوريا من اختبار بالغ الصعوبة.

وفي الوقت ذاته، تتقاطع الأزمة الداخلية مع حسابات البحر الأحمر والقرن الأفريقي، بما يجعل تداعياتها المحتملة تتجاوز الحدود الإثيوبية.

في 20 سبتمبر 2026، أعلنت سبع جماعات سياسية ومسلحة، بينها الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي، وقوات فانو الأمهرية، وجيش تحرير أورومو، تشكيل تحالف جديد أطلق عليه “التحالف الإثيوبي لقوى البقاء”، معلناً أن من أهدافه إسقاط حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد وتشكيل حكومة انتقالية.

وتكتسب هذه الخطوة أهميتها من طبيعة القوى التي اجتمعت تحت مظلتها؛ فهي تمثل مناطق وقوميات رئيسية في الدولة الإثيوبية، وتملك بعضها خبرة عسكرية وقدرات ميدانية معتبرة.

وبعد أيام قليلة، انتقل التصعيد إلى الميدان، مع سيطرة قوات تيجراي على مطارات ميكيلي وأكسوم وشيري، وتعليق الخطوط الجوية الإثيوبية رحلاتها إلى تلك المطارات لأسباب أمنية، بالتزامن مع اتساع المواجهات إلى مناطق في عفار وأمهرا.

أنهى اتفاق بريتوريا، الموقع في نوفمبر 2022، الحرب المدمرة بين الحكومة الفيدرالية وقوات تيجراي، وفتح الطريق أمام وقف القتال ونزع السلاح واستعادة الخدمات وإطلاق مسار سياسي. لكن الاتفاق لم يغلق الملفات التي صنعت الصراع من جذوره. ظلت قضايا الأراضي المتنازع عليها، وعودة النازحين، وترتيبات الحكم، والعلاقة بين المركز والأقاليم، ملفات مفتوحة وقابلة لإعادة إنتاج التوتر.

وفي مايو 2026، أعادت الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي تشكيل مؤسسات الحكم التي سبقت الحرب، وأعادت ديبريتسيون غبرميكائيل إلى رئاسة الإقليم، في خطوة اعتبرتها الحكومة الفيدرالية تحدياً لترتيبات ما بعد بريتوريا. في المقابل، اتهمت قيادة تيجراي الحكومة المركزية بعدم تنفيذ التزاماتها كاملة.

الأكثر دلالة في التطورات الأخيرة ليس عودة تيجراي إلى القتال وحدها، وإنما اجتماع قوى كانت حتى وقت قريب تقاتل بعضها بعضاً. واليوم تلتقي هذه القوى تحت عنوان مشترك: مواجهة حكومة آبي أحمد. فهل يستطيع هذا التحالف تجاوز خلافات مكوناته حول الاراضي والحدود وتحويل الخصومة المشتركة مع الحكومة إلى مشروع سياسي وعسكري متماسك؟

بالطبع لا يمكن اختزال الأزمة الإثيوبية في سياسات آبي أحمد الخارجية؛ فجذورها الداخلية أعمق، وترتبط بطبيعة النظام الفيدرالي، والتنافس بين القوميات، والعلاقة بين المركز والأقاليم، والصراع على الأرض والموارد.
لكن السياسة الإقليمية أصبحت جزءاً من المعادلة. فقضية الوصول إلى البحر الأحمر تحولت إلى أولوية استراتيجية لأديس أبابا، في ظل كون إثيوبيا دولة حبيسة واعتمادها على موانئ دول الجوار. وقد أدى ذلك إلى توترات مع إريتريا والصومال، خصوصاً بعد الاتفاق الإثيوبي مع أرض الصومال بشأن الوصول إلى الساحل.
وبذلك تتحرك إثيوبيا داخل بيئة إقليمية شديدة الحساسية: إريتريا شمالاً، الصومال شرقاً، البحر الأحمر في الواجهة، والسودان غرباً، بينما تتفاعل داخل البلاد صراعات مسلحة وقومية متعددة.

وفي ذات الوقت لا توجد أدلة كافية للقول إن هذه الملفات كلها جزء من مخطط إقليمي واحد يستهدف آبي أحمد. فاتهامات أديس أبابا لإريتريا بدعم جماعات مسلحة داخل إثيوبيا تقابلها نفي أسمرة، ولا تزال القضية في إطار الاتهامات المتبادلة.

المفارقة أن هذه الأزمة تأتي بعد فوز حزب الازدهار الذي يقوده آبي أحمد بأغلبية كبيرة في الانتخابات البرلمانية في يونيو 2026، بحصوله على 438 مقعداً من المقاعد المعلنة.

هذه الأغلبية لا تعني بالضرورة أن الحكومة تملك السيطرة السياسية الكاملة على البلاد. فالانتخابات لم تُجرَ في تيجراي، وتعطلت في مناطق من أمهرا وأوروميا بسبب الوضع الأمني، فيما قاطعت أحزاب معارضة رئيسية العملية الانتخابية.

ومن المبكر إعلان أن نهاية حكم آبي أحمد قد بدأت فعلاً، فهو لا يزال يسيطر على مؤسسات الدولة المركزية، وحزبه يمتلك أغلبية برلمانية، والقوات الفيدرالية تحتفظ بقدرات عسكرية وأمنية كبيرة. لذلك عملية امتصاص الازمة الحالية يتمثل في قدرة الحكومة على منع توحيد الجبهات، وعدم قدرة خصومها على تجاوز خلافاتهم، فإذا نجحت أديس أبابا في تفكيك هذا التحالف وإعادة فتح قنوات التفاوض، فقد يبقى آبي أحمد قادراً على احتواء الأزمة، أما إذا تمكنت القوى المسلحة من تنسيق عملياتها وفرض واقع ميداني جديد، فإن كلفة استمرار الوضع الراهن سترتفع بصورة كبيرة.

إثيوبيا اليوم أمام مفترق طرق حقيقي. المسألة لم تعد مجرد جولة جديدة من القتال في تيجراي، بل اختبار لقدرة الدولة الإثيوبية على إدارة تناقضاتها قبل أن تتحول تلك التناقضات إلى حرب شاملة.
لا يمكن القول إن نهاية آبي أحمد قد بدأت بصورة مؤكدة، لكن يمكن القول إن مرحلة الحكم التي عرفها خلال السنوات الماضية دخلت منطقة الخطر. فالقوة العسكرية تستطيع كسب معركة، والأغلبية البرلمانية تستطيع تمرير القوانين، لكن أياً منهما لا يكفي وحده لحكم دولة تتسع فيها دوائر الرفض المسلح.

وفي المقابل، فإن خصوم آبي أحمد أمام اختبارهم الأصعب أيضاً، فإسقاط الحكومة شيء، والاتفاق على مستقبل إثيوبيا شيء آخر.

لذلك إذا فشل الطرفان في إنتاج تسوية سياسية جديدة، فقد لا تكون المعركة المقبلة معركة على رئيس الوزراء وحده، وإنما معركة على مستقبل إثيوبيا نفسها.

آبي أحمد لم يغادر السلطة بعد، لكن عهد الاستقرار الذي بدا ممكناً بعد بريتوريا أصبح موضع شك. وإثيوبيا، التي أنهكتها حرب تيجراي، تقف مرة أخرى أمام سؤال الحرب والسلام.. ولكن هذه المرة على نطاق أوسع، وبكلفة قد تطال الدولة كلها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى