عرفة خواجة تكتب.. نقطة: بداية.. حين تصالحت الدماء.. درس علوان الذي يجب ألّا يُنسى
عرفة خواجة تكتب.. نقطة: بداية.. حين تصالحت الدماء.. درس علوان الذي يجب ألّا يُنسى

عرفة خواجة تكتب.. نقطة: بداية.. حين تصالحت الدماء.. درس علوان الذي يجب ألّا يُنسى
في هذا الزمن الذي تصدّعت فيه الأرض تحت أقدامنا، وتحوّلت فيه الكلمة إلى رصاصة، والخلاف إلى جثة، يأتي من علوان بشرق النيل صوتٌ آخر. صوتٌ لا يشبه الضجيج. صوتٌ هادئ، عميق، يشبه صوت الجد حين يجمع أحفاده حول النار ويقول: كفى.
في علوان، وقفت قبيلة البطاحين، فرع العركشاب، أمام وجدانها. لم تقف أمام عدو، ولا أمام خصم، بل أمام نفسها. ونظرت في المرآة، واختارت. اختارت العفو على الانتقام، والصفح على الخصام. وهذا، في سودان اليوم، ليس قراراً عادياً. إنه قرار يشبه المعجزة.
لا أحد يقول إن العفو سهل. من فقد أخاه، ومن دفن ابنه، ومن حمل جثمان فلذة كبده على كتفيه، يعرف أن العفو أصعب من الانتقام. الانتقام غريزة. العفو انتصار على الغريزة. وهذا الانتصار لا يصنعه إلا من بلغ من الكرامة مبلغاً يجعل الصفح شهامة، لا ضعفاً.
وأهل العركشاب فعلوها.
لكن ما جرى في علوان لم يكن مجرد صلح قبلي. كان أكبر من ذلك. كان درساً في المعنى. درساً في أن السودان لا يمكن أن يُبنى بالثأر، ولا أن يُعمَّر بالخصام. درساً في أن القبيلة، التي طالما حُمِّلت مسؤولية التفتيت، قادرة على أن تكون جسراً، لا حاجزاً.
وقف أمير العركشاب، عمر الأمين حران، يقول كلمات تشبه ماء النيل حين يمرّ على أرض عطشى: «قبيلة البطاحين تجمعها قيم الكرم والمروءة والتكافل». لم يتحدث عن حدود، ولا عن دم، ولا عن حق. تحدث عن قيم. والفرق كبير. من يتحدث عن الحق يطالب. من يتحدث عن القيم يبني.
ثم جاء المدير التنفيذي لمحلية شرق النيل، مرتضى يعقوب بانقا، ليكسر النمط. لم يكتفِ بالتصفيق للعفو، بل حوّله إلى خطة. مدارس، ومراكز صحية، وآبار مياه. فصلان دراسيان كبداية. وقالها بصراحة: «لا ينبغي أن ينتهي أثر العفو بانتهاء المناسبة». وهذه هي الكلمة التي يجب أن تُسمع. لأن الصلح الذي لا يبني مدرسة، ولا يحفر بئراً، ولا يعالج مريضاً، يبقى في دائرة الكلام. والكلام كثير هذه الأيام.
لكن الصوت الأقوى، والأكثر صدقاً، جاء من اللواء أبو عاقلة كيكل. رجل الحرب الذي قال كلمة يجب أن تُعلَّق على جدران السودان: «كلمة حق نقولها والله البعمله فيه البطاحين دربه براه». وقال: «صلح فوق صلح وبالبساطة دي والله إلا عندكم».
البساطة. هذه هي الكلمة. البساطة في العفو. البساطة في التسامح. البساطة في الاعتراف بأن الآخر أخوك، لا عدوك. ونحن نعيش في زمنٍ صعّبنا فيه كل شيء. صعّبنا العيش، وصعّبنا الحديث، وصعّبنا حتى الصفح. وجاء أهل علوان ليقولوا: لا. الأمر بسيط. العفو بسيط. التسامح بسيط. كل ما نحتاجه أن ننزع من قلوبنا حجر الكراهية، ونضع مكانه بذرة.
والبذرة، كما قال إسحاق ميرغني الشيخ حمد النيل، «رسالة شاملة».
لا يمكن أن ننكر أن السودان يعاني. والرجل قالها بوضوح: البلاد تواجه تحديات في أمنها وثرواتها ومواردها. لكن السؤال الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا، نحن السودانيين، هو: هل نحن قادرون على التجاوز؟ أم أننا سعداء بمرضنا؟
ما جرى في علوان يجيب: نحن قادرون.
وقف ناظر المسلمية، علي المرين، يقول: الصلح مدخل لتجاوز الخلافات. ووقف ممثل الحسانية يقول: نلتزم بوحدة الوطن. ووقف الصديق كرار يستشهد بالقرآن والدوبيت معاً، في مشهد يجمع المقدس بالتراثي، وكأنه يقول: هذا شعب يجيد أن يجمع، لا أن يفرّق. هذا شعب إذا أراد أن يتصالح، تصالح.
فلماذا لا نريد؟
لماذا يصرّ البعض على إبقاء الجرح مفتوحاً؟ لماذا يعتاش بعضنا على الألم؟ لماذا يُقدَّم خطاب العنصرية والجهوية على خطاب الوحدة؟ هل لأن الوحدة لا تمنح مغانم؟ أم لأن الفرقة مربحة لبعض من لا يريد لسوداننا أن يقوم؟
في علوان، كان الجواب واضحاً: مصلحة السودان فوق كل شيء. ووقف طرق صوفية، وإدارة أهلية، وقوات نظامية، وصحفيون، وأمراء، وشيوخ، وشباب، في صف واحد. وقالوا بصوت واحد: العفو. وهذه الصورة بحد ذاتها هي الرسالة التي يجب أن تصل إلى كل بيت في السودان. من اجتمع في علوان، تفرقت مصالحه، واختلفت مشاربه، لكنه توحّد حول كلمة واحدة: التسامح.
خروج أول
علوان لم تكن مناسبة. علوان كانت امتحاناً. ونجح أهلوها. والدرس ليس لهم وحدهم، بل لنا جميعاً. لمن يجلس في الخرطوم ويتحدث عن السلام، ولمن يجلس في بورتسودان ويتحدث عن الوحدة، ولمن يجلس في كل حي وقرية ،ويظن أن العفو ضعف، وأن التسامح هزيمة.
لا. العفو ليس ضعفاً. العفو قوة لا يملكها إلا الأقوياء. والتسامح ليس هزيمة. التسامح انتصار على النفس. ومن انتصر على نفسه، انتصر على الدنيا.
في علوان، لم يكن الصلح مجرد توقيع على ورقة. كان قراراً بالحياة. قراراً بأن ينتصر الوجدان على الجرح. وأن يكتب العركشاب درساً في العفو، يليق بمن عرفوا أن الكرامة الحقيقية ليست في الانتقام، بل في القدرة على الصفح حين يكون الصفح أصعب ما يمكن.
خروج أخير
وبعد علوان، لم يبقَ لنا عذر.
فإما أن نتعلم من العركشاب، ونبني، ونصفح، ونتصالح. أو نظل ننتظر صلحاً آخر، في علوان أخرى. والزمن لا يرحم.
والسودان يستحق أن نبدأ. الآن.
ولنا عوده..



