آراء ومقالات

موسي داؤود يكتب: سلسلة المدنية المفقودة.. كان حلماً في الشارع… فضاع بين الكراسي

سلسلة المدنية المفقودة

كان حلماً في الشارع… فضاع بين الكراسي
من «قوت، نقود، وقود» إلى «حرية، سلام، وعدالة»… حكاية شعارٍ تبدّل حين تبدّل الطريق

بقلم الأستاذ موسى داؤد الكاتب الصحفي والمحلل السياسي

كان السودان يومها كرجلاً أضناه المسير، وأثقلته السنون، حتى صار يبحث عن أبسط حقوق الحياة فلا يجدها. لم يكن المواطن يطلب قصوراً ولا موائد من ذهب؛ كان يريد رغيفاً يطعم به أبناءه، ونقوداً يجدها حين يقف أمام المصرف، ووقوداً يحرك به سيارته التي أرهقها الانتظار.
ذهب إلى المخبز فلم يجد الخبز، وذهب إلى البنك فلم يجد ماله، واتجه إلى محطة الوقود فوجد الطوابير أطول من صبره. لم تكن تلك أزمات متفرقة، وإنما كانت وجوهاً متعددة لوجعٍ واحد؛ وجع مواطنٍ شعر أن الدولة قد ضاقت عليه حتى في أبسط حاجاته.
ومن رحم ذلك الوجع خرجت الكلمات الأولى: «قوت، نقود، وقود».
لم تكن شعاراً حزبياً، ولا فلسفة سياسية، بل كانت لغة الحاجة حين تعجز اللغة. كان لكل إنسان مطلبه، ولكل بيتٍ شكواه، ولكل أسرةٍ حسابها مع الغلاء والندرة والانتظار. ثم التقت الأوجاع في شارعٍ واحد، فاكتشف الناس أن الخبز ليس خبزاً فقط، وأن النقود ليست نقوداً فقط، وأن الوقود ليس وقوداً فقط؛ فقد صار وراء كل مطلب سؤالٌ أكبر عن الدولة، وعن قدرتها على حماية حياة مواطنيها وصون كرامتهم.
وهنا بدأت الحكاية تأخذ طريقاً آخر.
لم يعد الشارع يسأل: أين الخبز؟ وإنما بدأ يسأل: لماذا وصلنا إلى هذا الحال؟ ولم يعد الغضب موجهاً إلى سلعةٍ مفقودة، بل إلى نظامٍ سياسي رأى المحتجون أنه أصبح عاجزاً عن معالجة أزماتهم. ومن مطلبٍ معيشي ضيق، اتسعت الدائرة إلى مطلبٍ سياسي شامل، حتى أصبح التغيير نفسه غاية الشارع.
ثم جاء الشعار الذي بدا كأنه خلاصة حلمٍ سوداني طويل: «حرية، سلام، وعدالة».
ثلاث كلمات، لكنها حملت وطناً كاملاً. الحرية كانت خروجاً من الخوف، والسلام رجاءً في وطنٍ أنهكته الحروب، والعدالة أملاً في دولةٍ لا يكون فيها الحق تابعاً للقوة، ولا القانون خادماً لمن يملك السلطة.
كان الشعار في تلك اللحظة أشبه بعهدٍ أخلاقي بين الشارع والمستقبل. ولذلك استطاع أن يجمع حوله قطاعات واسعة من السودانيين؛ لأنه لم يخاطب حزباً ولا قبيلة ولا جهة، وإنما خاطب الإنسان في أبسط أحلامه: أن يعيش حراً، آمناً، مكرماً، متساوياً أمام القانون.
لكن الشعارات العظيمة لا تُختبر في الشوارع وحدها؛ إنما تُختبر حين تنتقل من الهتاف إلى السلطة، ومن الميدان إلى مؤسسات الدولة، ومن الحلم إلى تفاصيل الحكم.
وهنا بدأ الامتحان.
سقط النظام، لكن سقوطه لم يسقط معه تعقيدات السودان. وانتهت معركة إسقاط السلطة القديمة، لتبدأ معركة أخرى حول السلطة الجديدة: من يحكم؟ ومن يمثل الثورة؟ وكيف تنتقل البلاد من الحشد إلى الدولة؟ وما حدود العلاقة بين العسكريين والمدنيين؟ وكيف يمكن تحويل الطاقة الشعبية الهائلة إلى مؤسساتٍ وبرامج وسياسات؟
في تلك اللحظة بدأ الصف يتصدع، وبدأت الخلافات التي أخفاها حلم إسقاط النظام تظهر إلى السطح. تعددت الرؤى، وتنافست القوى على تمثيل الثورة، واختلفت النخب حول شكل الانتقال، بينما بقي المواطن ينتظر أن يرى أثر الثورة في حياته.
ثم تبدلت اللغة.
ظهرت هتافات أكثر حدة، من بينها «أي كوز ندوسو دوس» و**«الحل في البل»**، في سياقاتٍ سياسية شديدة التوتر. ولا يصح أن تُنسب هذه الشعارات إلى كل الثوار، ولا أن تُختزل ثورة واسعة في أكثر هتافاتها صخباً؛ غير أن ظهور مثل هذه اللغة كان مؤشراً يستحق التأمل، لأنه كشف انتقالاً من نقد السلطة إلى تصنيف الخصوم، ومن الاختلاف السياسي إلى خصومةٍ أخذت تقترب أحياناً من إلغاء الآخر.
وهنا كان ينبغي أن تتوقف المدنية لحظةً وتسأل نفسها: هل نحارب الاستبداد لكي نبني دولةً عادلة، أم لكي نستبدل استعلاءً باستعلاء؟
فالعدالة لا تعني أن نعاقب الإنسان لأنه ينتمي إلى جماعةٍ لا نحبها، وإنما أن نحاسب كل إنسانٍ على ما ارتكبه من فعل. والحرية لا تعني أن نمنحها لمن يوافقنا ونحجبها عمن يخالفنا. والسلام ليس فقط أن تصمت البنادق؛ بل أن يتعلم المجتمع كيف يختلف دون أن يتحول اختلافه إلى كراهية.
ولم تكن الشعارات وحدها سبباً في إضعاف المسار الانتقالي. فقد تداخلت عوامل كثيرة: صراع السلطة، والانقسام داخل القوى المدنية، وتعقيد العلاقة بين المدنيين والعسكريين، وضعف التوافق حول مشروع الانتقال، والأزمة الاقتصادية، والهشاشة الأمنية، إلى جانب أخطاء سياسية في إدارة المرحلة، وتنافس النخب على النفوذ أكثر مما تنافست على تقديم مشروعٍ واضح لبناء الدولة.
وهنا ضاعت المسافة بين الثورة والمدنية.
فالمدنية ليست أن يرفع الإنسان شعاراً مدنياً، ولا أن يجلس في مقعدٍ سياسي باسم الثورة؛ المدنية موقفٌ أخلاقي قبل أن تكون ترتيباً سياسياً. معناها أن يكون القانون فوق الجميع، وأن يكون الوطن أوسع من الحزب، وأن يكون الاختلاف حقاً لا جريمة، وأن تكون الدولة ملكاً للمواطن لا غنيمةً تتقاسمها النخب.
ولعل المأساة الكبرى أن الشعار الذي بدأ بوصفه وعداً بالحرية والسلام والعدالة، لم يجد دائماً من يحوله إلى ممارسة. فالكلمات بقيت جميلة، لكن الطريق إليها امتلأ بالخصومات، والتخوين، والاستقطاب، والتنافس على السلطة.
ومع ذلك، ليس من العدل أن نحكم على ديسمبر كلها من خلال أخطائها، كما ليس من الحكمة أن نقدسها بحيث نعجز عن نقد تجربتها. فالثورات، مثل الأمم، لا تكبر بالتصفيق لها، وإنما تكبر حين تمتلك شجاعة مراجعة نفسها.
كان ديسمبر صوت شعبٍ أراد أن يعيش أفضل. وكان ذلك الصوت صادقاً في بدايته، حين خرج من المخبز والبنك ومحطة الوقود، ثم ارتفع إلى حلم الحرية والسلام والعدالة. لكن الحلم حين وصل إلى أبواب السلطة دخل امتحاناً آخر؛ امتحان النخبة، وامتحان المؤسسات، وامتحان القدرة على تحويل الشعارات إلى دولة.
وهنا كانت المدنية المفقودة.
لم تفقد لأنها كانت حلماً كاذباً، بل لأنها لم تجد دائماً من يحرس معناها من الانقسام والخصومة والاستعلاء. فضاعت بعض ملامحها بين الشارع والكراسي، وبين الهتاف والممارسة، وبين ما أراده الناس وما أرادته النخب.
ومع ذلك يبقى الدرس.
فالحرية التي لا تتسع للمختلف ناقصة، والسلام الذي لا يحفظ كرامة الإنسان هش، والعدالة التي لا يحتكم أصحابها إلى القانون تتحول إلى خصومةٍ ترتدي ثوب الحق.
كان حلماً في الشارع… فضاع بين الكراسي.
لكن الحلم الذي ضاع مرةً يمكن أن يعود، إذا امتلك السودانيون شجاعة أن يعترفوا بأخطائهم، ونبل أن يراجعوا تجربتهم، وحكمة أن يفهموا أن الوطن لا يُبنى بانتصار جماعة على أخرى، وإنما بانتصار السودان على أزماته.
وعندها فقط، ربما تعود الكلمات الثلاث إلى معناها الأول: حريةٌ لا تُقصي، وسلامٌ لا يُساوم على الكرامة، وعدالةٌ لا تعرف إلا ميزان القانون.

#من_حلم_الشارع_إلى_متاهة_الكراسي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى