نقطة بداية في ذكرى سقوط الفاشر: عامٌ على الجرح الذي لا يندمل بقلم: عرفه خواجه
نقطة بداية في ذكرى سقوط الفاشر: عامٌ على الجرح الذي لا يندمل بقلم: عرفه خواجه

نقطة بداية
في ذكرى سقوط الفاشر: عامٌ على الجرح الذي لا يندمل
بقلم: عرفه خواجه
تصادف اليوم (26 أكتوبر 2026) الذكرى السنوية الأولى لسقوط مدينة الفاشر بيد مليشيا الدعم السريع في 26 أكتوبر 2025، بعد حصار خانق دام أكثر من 500 يوم. عامٌ كامل مرّ على الجرح، لكنه لم يندمل، بل ظلّ نازفاً في ذاكرة كل سوداني، وفي وجدان كل من حمل همّ هذا الوطن.
في مثل هذا اليوم من العام الماضي، كانت الفاشر تسقط. لم تسقط مدينةٌ فحسب، بل سقطت معها أرواحٌ كانت تُقاتل لتبقى، وحُوصرت أحلامُ نصف مليون إنسان بين نيران الحصار وجحيم الغدر. خمس مئة يوم من الصمود الأسطوري، انتهت في 26 أكتوبر 2025 بمشهدٍ لا تزال عدسات الكاميرات تعجز عن احتوائه، ولا تزال القلوب ترفض تصديقه.
في ذكرى سقوط الفاشر واستباحتها، نذكّر بأن الدفاع عن وحدة السودان وسيادته وأمنه هو دفاع عن حياة السودانيين وعودتهم إلى بيوتهم. نحو نصف مليون مواطن حوصروا وجُوّعوا، لكن المقتلة الكبرى والتهجير والاختطاف وقعت حين انحسر ظل الدولة وسقطت الفاشر لمليشيات الغزو الإماراتي.
في الفاشر لم يكن القتل عشوائياً، بل كان منهجياً: قتل على أساس عرقي، وعنف جنسي، وتدمير مستشفيات، واختطاف أطباء، وقصف لمراكز الإيواء.
في ذلك اليوم المشؤوم، أعلنت القوات المسلحة والقوات المشتركة والقوات المساندة لها انسحابها من المدينة، التي بدت بعد شهور طويلة من الحصار والمعارك وكأنها تحولت إلى أطلال. وسرعان ما انتشرت مقاطع مصوّرة وثّقت مشاهد مروعة لعمليات قتل وإعدامات ميدانية نُسبت إلى عناصر من قوات الدعم السريع، وأثارت موجة واسعة من الغضب والاستنكار، فيما وثّقت تقارير وشهادات انتهاكات واسعة بحق المدنيين.
ومع انهيار الأوضاع الأمنية، فرّ مئات الآلاف من سكان الفاشر في رحلة نزوح قاسية، تفرّقت خلالها الأسر، وفقد كثيرون ذويهم، وسلك الناجون طرقاً محفوفة بالمخاطر نحو الطينة وكبكابية والمالحة وقرني، فيما عبر آخرون الحدود إلى تشاد، وتوزّع الباقون بين مناطق متفرقة ومعسكرات النزوح في شمال دارفور وشرقها. ووصلت أعداد كبيرة من الفارين إلى مدينة الدبة بالولاية الشمالية، بحثاً عن الأمان بعيداً عن أهوال الحرب.
وبعد مرور عام على تلك الأحداث، لا تزال آثار المأساة حاضرة في حياة الناجين، الذين يواجهون قسوة النزوح وفقدان الأحبة وشحّ الخدمات الأساسية، بينما تتواصل الدعوات إلى محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وحماية المدنيين، ووضع حدٍّ للحرب التي مزّقت حياة ملايين السودانيين.
فما زالت أسرٌ تنتظر عودة أبنائها، وأمهاتٌ يبحثن عن أخبار مفقودين، وأطفالٌ حُرموا من مدارسهم وبيوتهم، وناجون يحملون في ذاكرتهم مشاهد لن تمحوها المسافات.
تقول بعثة الأمم المتحدة المستقلة لتقصّي الحقائق إن ما جرى في الفاشر يحمل “سمات الإبادة الجماعية”. ويقول مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان إن ما لا يقل عن 4400 شخص قُتلوا داخل المدينة في الأيام الثلاثة الأولى للهجوم، وأكثر من 1600 على طرق الفرار، والعدد الحقيقي أعلى بكثير. بل إن تقريراً آخر يتحدث عن 6000 قتيل في ثلاثة أيام فقط، و500 قتيل داخل سكن طلاب جامعة الفاشر وحدهم كانوا يحتمون من القصف.
عامٌ من المعاناة، عامٌ من الاضطهاد، عامٌ من غدر المليشيا، وعامٌ حزين على رحيل الدكتورة هنادي النور داود جمعة، الملقبة بـ”بت الفاشر”، الطبيبة والمناضلة السودانية التي أصبحت رمزاً للصمود والتضحية في دارفور… تلك الطبيبة التي قُتلت وهي تدافع عن أهلها في مخيم زمزم.
آلاف الشهداء، آلاف أمهات الشهداء، آلاف الأرامل خلّفتهم مليشيا الدعم السريع بعد دخول الفاشر، بعد صمودٍ أسطوري سجّله التاريخ بأحرفٍ من نور.
الفاشر سقطت، لكن سؤالها ما زال معلقاً فوق رؤوسنا جميعاً: كيف تركنا مدينة تُحاصر 500 يوم وتموت وحدها؟
في ذكرى سقوط الفاشر:
الرحمة والمغفرة للشهداء،
وعاجل الشفاء للمصابين،
وفكّ الله أسر المحتجزين.
ولن ننسى… ولن نغفر.
ولنا عودة.
–



