ابراهيم النور قبوجة يكتب.. قبوجيات.. القوات المسلحة السودانية.. مدرسة الصمود والفداء المقال السادس: من قلب الخرطوم إلى الجزيرة… عندما تبدلت موازين المعركة
ابراهيم النور قبوجة يكتب.. قبوجيات.. القوات المسلحة السودانية.. مدرسة الصمود والفداء المقال السادس: من قلب الخرطوم إلى الجزيرة... عندما تبدلت موازين المعركة

ابراهيم النور قبوجة يكتب.. قبوجيات..
القوات المسلحة السودانية.. مدرسة الصمود والفداء
المقال السادس: من قلب الخرطوم إلى الجزيرة… عندما تبدلت موازين المعركة
في ميادين القتال، لا يُقاس النصر بكثرة التصريحات، وإنما بما يفرضه الواقع على الأرض. فالمعارك تبدأ بالكلمات، لكنها تنتهي بالسيطرة على المواقع، ورفع العلم، وعودة الناس إلى ديارهم.
وبعد أشهر طويلة من القتال، بدأت ملامح التحول الكبير تظهر بوضوح.
فالمليشيا التي دخلت الحرب وهي تعلن أن الخرطوم أصبحت تحت سيطرتها، وأن القيادة العامة والقصر الجمهوري لن يصمدا إلا ساعات، وجدت نفسها مع مرور الوقت في موقف دفاعي، تحاول المحافظة على ما تبقى من مواقعها، بينما كانت القوات المسلحة تتقدم بخطى ثابتة، مستفيدة من خبرة التراكم العسكري، ووحدة القيادة، وإيمان الجنود بعدالة قضيتهم.
لم يكن ذلك التحول وليد الصدفة، بل كان ثمرة تخطيط دقيق، وصبر طويل، وتضحيات جسام قدمها ضباط وجنود القوات المسلحة، والقوات المساندة، والمستنفرون، وكل من حمل السلاح دفاعًا عن السودان.
ومع كل منطقة تستعيدها القوات المسلحة، كانت تعود معها الثقة إلى نفوس المواطنين. فالأحياء التي عانت طويلًا من الخوف، بدأت ترى بشائر الأمل، والقرى التي هجرها أهلها بدأت تستقبل أبناءها، وارتفع علم السودان فوق مواقع حاول المتمردون أن يجعلوها رمزًا لانتصارهم، فإذا بها تتحول إلى شاهد على هزيمتهم.
وكان تحرير أجزاء واسعة من ولاية الجزيرة محطة فارقة في مسار الحرب. فالجزيرة ليست مجرد ولاية، بل هي قلب السودان الزراعي، وإحدى ركائز اقتصاده ومجتمعه. ولذلك، كان لاستعادة مدنها وقراها أثر بالغ في رفع الروح المعنوية، وترسيخ القناعة بأن زمام المبادرة أصبح في يد القوات المسلحة.
أما الخرطوم، فقد كانت معركتها مختلفة.
فهذه المدينة لم تكن مجرد عاصمة، بل كانت مركز الدولة، وعنوان السيادة، ومسرحًا لأعنف المواجهات. ولهذا، جاء التقدم فيها متدرجًا، حيًا بعد حي، وشارعًا بعد شارع، لأن الهدف لم يكن تدمير المدينة، وإنما استعادتها.
وكان الجندي السوداني، وهو يتقدم بين المباني والأحياء، يعلم أنه لا يقاتل في أرض غريبة، بل في شوارع يسكنها أهله، وفي أحياء عاش فيها أصدقاؤه وجيرانه. لذلك، كانت المسؤولية مضاعفة، وكانت كل خطوة تُحسب بدقة.
وفي المقابل، أخذت المليشيا تتراجع من مواقع كانت تصفها بأنها حصون لا تُقهر، تاركة وراءها آثار الدمار، والمباني المحترقة، والمرافق التي طالها التخريب، والمنازل التي نُهبت، والذكريات المؤلمة التي ستظل محفورة في ذاكرة أهلها.
لكن وسط هذا المشهد، برزت حقيقة لا يمكن إنكارها…
أن إرادة السودانيين كانت أقوى من كل محاولات كسرها.
فكلما استعادت القوات المسلحة مدينة أو منطقة، خرج أهلها يستقبلون أبناء الجيش بالدعوات والزغاريد والدموع، لا فرحًا بانتهاء معركة فحسب، وإنما أملًا في عودة الحياة إلى طبيعتها بعد شهور من الخوف والمعاناة.
لقد أثبتت هذه المرحلة أن الجيوش الوطنية لا تقاتل من أجل احتلال أرض، فهي تقاتل لاستعادة أرضها، ولا تسعى للسيطرة على شعبها، بل تعمل على إعادة الأمن إليه، حتى يعود الطفل إلى مدرسته، والمزارع إلى حقله، والتاجر إلى متجره، وتعود عجلة الحياة إلى الدوران من جديد.
وكانت تلك الانتصارات رسالة واضحة لكل من راهن على سقوط السودان، بأن هذا الوطن قد يتعثر، لكنه لا يسقط، وأن قواته المسلحة، مهما اشتدت عليها المحن، قادرة على استعادة زمام المبادرة عندما تتوفر الإرادة، وتتكاتف السواعد، وتتوحد القلوب.
ولعل أجمل ما في تلك المرحلة، أنها أعادت إلى السودانيين إيمانهم بأن الليل، مهما طال، فلا بد أن يعقبه فجر، وأن الأوطان لا تُبنى باليأس، وإنما تبنى بالصبر والعمل والتضحية.
وللحديث بقية…
في المقال السابع: “شهداء الوطن… رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه”، نتوقف عند تضحيات الشهداء من القوات المسلحة والقوات النظامية والقوات المساندة، ونستذكر كيف كتبت دماؤهم صفحات العزة والكرامة في تاريخ السودان.


