المهندس إبراهيم عيسى البيقاوي يكتب: نحو تراتبية مثلى للانتماءات والولاءات في المجتمعات متعددة الأعراق

نحو تراتبية مثلى للانتماءات والولاءات في المجتمعات متعددة الأعراق
رؤية لتعزيز الوحدة الوطنية وإدارة التنوع
بقلم المهندس / إبراهيم عيسى البيقاوي
ibrahim.eisa1958@gmail.com
مقدمة:
تواجه المجتمعات متعددة الأعراق والثقافات والأديان والأقاليم تحدياً دائماً يتمثل في كيفية التوفيق بين الانتماءات المتعددة للأفراد والجماعات، وبين مقتضيات الوحدة الوطنية والاستقرار السياسي والاجتماعي.
فالفرد لا يولد منتمياً إلى الوطن مباشرة، بل يبدأ انتماؤه من الأسرة، ثم يمتد إلى العائلة والقبيلة أو الجماعة الثقافية، ثم إلى الإقليم أو الولاية، ثم إلى الوطن، فالأمة، وأخيراً إلى الأسرة الإنسانية الكبرى. ولا تكمن المشكلة في تعدد الانتماءات بحد ذاته، وإنما في اختلال ترتيبها أو تضاربها؛ حين يطغى الانتماء الأصغر على الانتماء الأكبر، أو حين تتحول الروابط الطبيعية إلى أدوات للإقصاء والتنافس والصراع.
هرم الانتماءات:
إن تراتبية الولاءات لا تعني إلغاء الولاءات الصغرى، بل تنظيمها؛ فالمواطن الصالح هو من يكون باراً بأسرته، مخلصاً لقبيلته، محباً لإقليمه، وفياً لوطنه في آن واحد. وتظهر الأزمة فقط عندما تتصادم هذه الولاءات أو يُقدَّم الخاص على العام بصورة تضر بالمصلحة الوطنية.
ويمكن النظر إلى الانتماءات الإنسانية باعتبارها دوائر متكاملة ومتدرجة؛ تبدأ بـ الأسرة باعتبارها المدرسة الأولى لغرس القيم والوازع الأخلاقي وروح التكافل، ثم القبيلة أو الجماعة الثقافية التي توفر الإحساس بالهوية والانتماء الاجتماعي، ثم الإقليم الجغرافي الذي يجمع السكان في مصالح ومشروعات مشتركة، ثم الوطن الذي يمثل المظلة الجامعة لجميع المكونات، ثم الأمة التي تشترك في الدين أو الحضارة أو التاريخ، وأخيراً الإنسانية التي تجمع البشر جميعاً في المصير المشترك.
ولا ينبغي أن تلغي أي دائرةٍ دائرةً أخرى، بل المطلوب أن تتكامل هذه الدوائر ضمن منظومة متوازنة تحفظ الخصوصية وتدعم الوحدة. وهنا يتضح أن المصالح المشتركة بين الناس تتحقق عندما يرفع الجميع من شأن الانتماء العام للوطن، ويتنازل الجميع عن انتماءاتهم الخاصة تحقيقاً للمصلحة العامة.
وقد ثبت أن القبيلة في تاريخ السودان كانت وما زالت شبكة تكافل اجتماعي ومؤسسة إدارية وسيطة (الإدارة الأهلية) أسهمت في حفظ الأمن المجتمعي، وتحولها إلى أداة صراع هو نتاج مباشر لتسييس هذه الكيانات واستقطابها من قِبل الأنظمة السياسية المتعاقبة.
تراتبية الولاءات:
إذا كانت الانتماءات تمثل دوائر الهوية، فإن الولاءات تمثل دوائر المسؤولية والإخلاص. والقاعدة العامة هي أن الولاء للدوائر الصغرى مشروع ومطلوب ما دام لا يتعارض مع المصلحة العامة للوطن ولا ينتقص من حقوق الآخرين.
فالولاء للأسرة والقبيلة والإقليم يصبح إيجابياً عندما يتحول إلى خدمة وتنمية وتكافل، ويصبح سلبياً عندما يتحول إلى تعصب أو احتكار للسلطة أو الثروة أو الفرص على حساب بقية المواطنين. وفي الدولة الحديثة، ينبغي أن يحتل الولاء للدستور والقانون والوطن موقعاً متقدماً يضمن المساواة بين المواطنين بصرف النظر عن أصولهم وأعراقهم ومناطقهم.
دور المؤسسات العابرة للانتماءات الضيقة:
تؤدي الأحزاب السياسية، والأندية الرياضية، والجمعيات التعاونية، والنقابات المهنية، ومنظمات المجتمع المدني دوراً مهماً في بناء جسور التواصل بين المكونات المختلفة. فهذه المؤسسات تجمع أفراداً من أعراق وقبائل ومناطق متعددة حول أهداف ومصالح مشتركة، مما يرسخ ثقافة الشراكة والتعاون ويضعف النزعات الانعزالية.
الجمعيات التعاونية كنموذج للتنمية العابرة للقبيلة:
يمتلك السودان تاريخاً عريقاً في الحركة التعاونية، خاصة في مناطق الإنتاج الزراعي في الجزيرة، والنيل الأبيض، والشمالية، ومناطق الصمغ العربي. إن الجمعيات التعاونية تجمع المزارعين والرعاة من مختلف الإثنيات حول “مصلحة اقتصادية موحدة”، وحين يربح الجميع معاً، تذوب الفوارق العرقية وتتراجع لغة المكونات الفرعية لصالح الإنتاج المشترك.
أزمة الأحزاب السياسية والولاءات الفرعية:
إذا كانت الأحزاب في أصلها مؤسسات عابرة للانتماءات الضيقة، فإن ممارسة النقد الذاتي للمشهد السوداني تتطلب الإشارة إلى أن بعض الأحزاب السودانية قد وقعت -للأسف- في فخ “الجهوية” أو “الطائفية” أو “العشائرية” لتأمين قواعدها الانتخابية. إن العقد الاجتماعي الجديد يتطلب بالضرورة أحزاباً برامجية، وليست أحزاباً قائمة على الهويات الإثنية أو الجغرافية؛ لأن الأحزاب القائمة على الهوية تعمق الانقسام بدلاً من صهره. وكلما توسعت المؤسسات الوطنية العابرة للانتماءات الضيقة، ازدادت فرص بناء مجتمع متماسك قادر على إدارة تنوعه بصورة إيجابية.
التنوع مصدر قوة لا سبب للصراع:
لقد أثبتت تجارب الأمم أن التنوع العرقي والثقافي ليس عبئاً على الدولة، بل يمكن أن يكون مصدراً للثراء والقوة والإبداع إذا أُدير بعدالة وحكمة. أما حين تُستغل الهويات الجزئية لتحقيق مكاسب سياسية أو اقتصادية ضيقة، فإنها تتحول فوراً إلى مصدر للتوتر والانقسام.
ومن هنا، لا بد من تعميق مفهوم “المواطنة” وتفعيل حواجز الكفاءة للتوظيف في الخدمة العامة. وقد كانت الخدمة المدنية السودانية تُضرب بها الأمثال في القارة الإفريقية في الانضباط والقومية قبل أن يصيبها داء “التمكين” والمحسوبية السياسية والقبلية. إن استعادة قومية ونزاهة الخدمة المدنية والقوات النظامية هي الخطوة الأولى والأساسية لإعادة بناء الثقة المهتزة بين المواطن والدولة.
ولهذا، فإن نجاح الدول متعددة الأعراق لا يعتمد على إلغاء الهويات الفرعية، وإنما على بناء هوية وطنية جامعة تستوعب الجميع، وتحقق العدالة الناجزة في توزيع السلطة والثروة والفرص.
الخاتمة:
إن تراتبية الانتماءات والولاءات ليست دعوة للتخلي عن الأسرة أو القبيلة أو الإقليم، وإنما هي دعوة لوضع كل انتماء في موضعه الصحيح داخل منظومة متكاملة تتوجها المواطنة والوطنية الصادقة. فكلما نجحت المجتمعات في تحقيق هذا التوازن، استطاعت تحويل تنوعها إلى مصدر قوة، وترسيخ وحدتها، وبناء مستقبل أكثر استقراراً وعدلاً وازدهاراً للأجيال القادمة.
وهنا تتجلى لنا الأهمية القصوى للربط بين النظرية الفكرية وبين واقع التطبيق الحرج؛ فالهياكل الفكرية لا قيمة لها إن لم تجد تطبيقاً ينقذ الوطن في لحظته الراهنة. إن دعم الجيش الوطني والمشروع الفكري الجامع يمثل صمام الأمان اليوم في مواجهة مهددات وجود الدولة السودانية ومخططات التفتيت.
ولتحويل هذه الرؤية إلى واقع ملموس في الحالة السودانية، لا بد من التركيز على حزمة من التطبيقات الوجودية:
إيقاف الحرب واستعادة السلم والأمن الاجتماعي.
الحسم الصارم لمنع نشأة وتمرد جميع المليشيات، وحصر السلاح في يد مؤسسات الدولة الرسمية.
تأسيس المشروع الوطني الجديد القائم على المواطنة بلا تمييز.
تحقيق العدالة الكاملة في اقتسام السلطة والثروة بين كافة الأقاليم والمكونات.
الدعم المطلق لمؤسسات الدولة السيادية والخدمية لضمان هيبتها واستمراريتها.
إن التوازن بين الولاء الفرعي الطبيعي والولاء الوطني الأسمى هو الجسر الوحيد الذي سيرد كيد التفتيت، ليعود السودان دولة موحدة، قوية، ومتصالحة مع تنوعها.



