آراء ومقالات

في اليوم العالمي للسلام.. متي نطفيء الحرب ونبدأ مشروع الوطن؟ بقلم: علي محمد طاهر علام

في اليوم العالمي للسلام.. متي نطفيء الحرب ونبدأ مشروع الوطن؟ بقلم: علي محمد طاهر علام

في اليوم العالمي للسلام.. متي نطفيء الحرب ونبدأ مشروع الوطن؟

بقلم: علي محمد طاهر علام

يأتي اليوم العالمي للسلام في 21 سبتمبر من كل عام ليذكّر العالم بأن السلام ليس مجرد غياب مؤقت لإطلاق النار، وإنما هو حق للإنسان في الأمن والكرامة والعدالة والعيش الكريم.
وقد اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا اليوم عام 1981، ثم خصصته في عام 2001 يوماً عالمياً لوقف إطلاق النار ونبذ العنف. أما شعار هذا العام 2026 فهو: «الاستثمار في السلام.. للجميع، في كل مكان، كل يوم»، في تأكيد واضح أن السلام لا يُصنع في قاعات التفاوض وحدها، بل يبدأ من المجتمعات ومن الحياة اليومية للناس.

لكن من اكثر المفارقات قسوة أن يحلّ يوم السلام، بينما السودان ما يزال يعيش حرباً أكلت من أعمار أبنائه، وفرّقت الأسر، وشرّدت الملايين، وأثقلت كاهل الاقتصاد، وألحقت أضراراً هائلة بالخدمات والبنية التحتية؟
لقد تحولت الحرب منذ اندلاعها في أبريل 2023 إلى واحدة من أشد الأزمات الإنسانية قسوة في العالم. أدت إلى النزوح الواسع، وفقدان الناس لمنازلهم وأعمالهم، وتفاقم الاحتياجات الإنسانية والخدمية.

اليوم العالمي للسلام يأتي بينما تتعثر محاولات وقف الحرب، وتتسع فاتورة الخسائر، ويواصل السودانيون دفع الثمن من دمائهم وأمنهم ومستقبل أبنائهم.
وهنا ينبغي أن نطرح السؤال الأكثر صدقاً وإلحاحاً:
ماذا سنستفيد نحن كسودانيين من استمرار الحرب؟
ماذا سيبقى من الوطن إذا استنزفت الحرب الإنسان، ودمرت مؤسسات الدولة، وأرهقت الاقتصاد، ومزقت النسيج الاجتماعي، وورثت الأجيال القادمة ذاكرة جديدة من الخوف والانتقام؟
السلام الذي ننشده ينبغي الا يكون هدنة بين بندقيتين، فالسودان لا يحتاج إلى سلام مؤقت يعيد ترتيب مواقع القوى، ثم يترك أسباب الأزمة كما هي. ولا يحتاج إلى اتفاق جديد يقوم على المحاصصة، أو تسوية بين النخب، أو توزيع للمواقع والمصالح، ثم انتظار جولة جديدة من الصراع.
نحتاج سلاماً يعالج جذور الحرب، لا أعراضها فقط. سلاماً يعترف بآلام الضحايا، ويحاسب من ارتكب الجرائم وفق القانون، ويجبر الضرر، ويرد الحقوق، ويعيد بناء الثقة بين السودانيين.
نحتاج سلاماً لا يطالب الناس أن ينسوا جراحهم، بل أن يجدوا طريقاً آمناً وعادلاً لمعالجتها. فالسلام الحقيقي لا يقوم على دفن المظالم تحت ركام الصمت، وإنما على مواجهتها بشجاعة ومسؤولية.

ربما آن الأوان لأن نجلس كسودانيين حول مائدة وطنية واسعة، مائدة يشارك فيها السياسيون، والمجتمع المدني، والشباب، والنساء، والإدارات الأهلية، والمثقفون، والمهنيون، والنازحون واللاجئون، وأصحاب المصلحة من مختلف مناطق السودان.
نجلس لنسأل أنفسنا بصدق:
كيف وصلنا إلى هنا؟
لماذا تتكرر الحروب؟
كيف تحولت الخلافات السياسية والاجتماعية إلى صراعات مسلحة؟
كيف تعاملنا مع التهميش والظلم والغبائن التاريخية؟
وأين أخفقنا في بناء دولة يشعر فيها السوداني بأنه مواطن كامل الحقوق.
هذه الأسئلة جزء من الطريق إلى السلام، فإذا أوقفنا الحرب دون أن نحاكم تاريخ الحروب وأسبابها بموضوعية وتجرد، فسنكون قد أوقفنا جولة واحدة فقط، وتركنا الباب مفتوحاً للجولة التالية.

السلام الذي يحتاجه السودانيون يجب أن يخرج من رحم المجتمع، ويستند إلى إرادة السودانيين أنفسهم، ويعيد بناء العلاقات بين الناس قبل إعادة ترتيب المؤسسات.
سلاماً يعيد للناس القدرة على الاختلاف دون كراهية، وعلى الحوار دون تخوين، وعلى التعايش دون خوف، وعلى ممارسة السياسة دون أن تتحول السياسة إلى بوابة للعنف.
وهذا يتسق مع الرسالة التي يطرحها اليوم العالمي للسلام هذا العام: أن بناء السلام مسؤولية يومية، وأن المجتمعات المحلية والشباب والمبادرات المدنية يمكن أن تكون جزءاً أساسياً من صناعة السلام من القاعدة إلى القمة.

في هذا اليوم، ربما لا نحتاج إلى مزيد من الخطب عن السلام بقدر ما نحتاج إلى قرار أخلاقي سوداني:
أن نرفض الحرب كوسيلة لإدارة خلافاتنا.
أن نرفض خطاب الكراهية والتحريض.
أن نرفض تحويل القبيلة والجهة والدين واللون إلى أدوات للصراع.
أن نعيد الاعتبار للإنسان السوداني قبل أي انتماء آخر.
وأن نفتح الطريق أمام حوار وطني شامل، جاد ومسؤول، يبحث عن السلام الذي يستمر بعد انتهاء التفاوض، وليس السلام الذي ينتهي بانتهاء مراسم التوقيع.
لقد آن للسودانيين أن يسألوا أنفسهم:
إلى متى نظل أسرى لماضي الحروب؟
وكم جيلاً آخر ينبغي أن يدفع ثمن أخطاء لم يرتكبها؟

في اليوم العالمي للسلام، فلنجعل رسالتنا واضحة:
نريد سلاماً يوقف الحرب، ويعالج جذورها، ويجبر خاطر المكلوم، ويحاسب المعتدي، ويبني الثقة، ويحمي التعايش، ويؤسس لدولة العدالة والمساواة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى