آراء ومقالات

المهندس نهيض محمد نهيض يكتب: السودان أمام لحظة الحسم من محاصرة المشروع الدولي إلى إسقاط مشروع تفكيك الدولة

السودان أمام لحظة الحسم
من محاصرة المشروع الدولي إلى إسقاط مشروع تفكيك الدولة

بقلم: المهندس نهيض محمد نهيض صالح

لم تعد الحرب على السودان مجرد مواجهة عسكرية داخلية، ولم يعد ممكناً قراءة المشهد بمنظار الحرب ال دقلو الإرهابية فقط. بل ما يجري اليوم هو العدوان على الدولة السودانية، وسيادتها، ووحدتها، وقرارها الوطني، ومواردها وموقعها الاستراتيجي.
ولهذا فإن السودان يقف أمام لحظة تاريخية وحاسمة: إما أن ينجح في تفكيك منظومة العدوان وتجفيف مصادرها وإنهاء أدواتها، وإما أن تستمر الحرب في التحول إلى مشروع استنزاف طويل يهدف إلى إنهاك الدولة وتمزيق المجتمع وإعادة تشكيل السودان وفق مصالح القوى الخارجية.
مجلس الأمن كشف عمق المعركة
إن ما جرى في مجلس الأمن يجب ألا يُقرأ باعتباره مجرد معركة إجرائية حول قرار أو مشروع قرار.
فمحاولات فرض ترتيبات دولية على السودان، أو التعامل مع الملف السوداني من خلال قرارات تمس قدرته على حماية نفسه، تكشف أن هناك صراعاً دولياً حول من يملك حق تحديد مستقبل السودان.
وقد تعثرت ورفسلت في مجلس الأمن محاولة أمريكية لتوسيع حظر السلاح ليشمل كامل السودان، وهو تطور مهم، لكنه لا يعني أن المشروع الخارجي انتهى.
بل على العكس.
عندما تفشل أداة، يبحث أصحاب المشروع عن أداة أخرى.
ولهذا فإن السودان يجب ألا ينتظر المعركة القادمة، بل عليه أن ينتقل من الدفاع السياسي إلى الهجوم الدبلوماسي والاستراتيجي والقانوني، وأن يضع المجتمع الدولي أمام حقيقة واضحة: لا سلام في السودان مع استمرار تدفق السلاح والمال والمرتزقة عبر الحدود.
بعد تعثر الضغط الدولي… تتغير أدوات العدوان
إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتراجع الضغوط الدولية المباشرة، بينما يجري في الوقت نفسه تصعيد ميداني واقتصادي عبر الوكلاء.
فإذا تعذر فرض رؤية سياسية من خلال المؤسسات الدولية، يمكن أن تنتقل الاستراتيجية إلى استنزاف السودان من أطرافه، وضرب بنيته التحتية، و الاقتصادية واستهداف المدن والمنشآت الحيوية، وإطالة أمد الحرب، وفتح جبهات حدودية جديدة.
وهنا يصبح السؤال الحقيقي:
من المستفيد من استمرار الحرب؟ ومن يمولها؟ ومن يوفر السلاح؟ ومن يفتح الممرات؟ ومن يوفر الأرض والمنشآت للتدريب والإمداد؟
هذه هي الأسئلة التي يجب أن يجيب عنها السودان بالأدلة والوثائق، وأن يضعها أمام العالم.
دمازين و الأبيض و ام روابة و مناطق اخري… جريمة لا يجوز أن تمر
إن ما تعرضت له الدمازين و الأبيض و ام روابة و مناطق أخرى من استهداف للمدنيين والمنشآت الحيوية والخدمية يمثل إنذاراً خطيراً لا يجوز التعامل معه باعتباره حادثاً عابراً.
فالمدن السودانية ليست ساحات مباحة، والمدنيون ليسوا أهدافاً، والمنشآت التي تقدم خدمات للمواطنين ليست أهدافاً عسكرية مشروعة.
إن استهداف الكهرباء والمياه والمرافق الصحية والمنشآت المدنية ووسائل الحياة اليومية و الاقتصاد يعني محاولة نقل الحرب من مواجهة عسكرية إلى حرب على المجتمع نفسه.
ولهذا يجب توثيق كل هذه الجرائم، وتحديد المسؤولين عنها، وتقديم الأدلة إلى المؤسسات الوطنية والإقليمية والدولية المختصة و حسمها عسكريا أولوية مطلقة .
إثيوبيا… المتغير الاستراتيجي الجديد
لقد أصبحت الجبهة الشرقية واحدة من أخطر المتغيرات في الحسابات الاستراتيجية للحرب السودانية.
ولا يمكن للسودان أن يتعامل مع أي نشاط عسكري أو لوجستي على الحدود الإثيوبية باعتباره شأناً ثانوياً، خصوصاً في ظل فتح الإثيوبية الأراضيها لتدريب و التجيش و دعم مليشيا آل دقلو الإرهابية للهجوم السودانية.
لكن علينا أن نكون واضحين:
السودان ليس في مواجهة مع الشعب الإثيوبي لكن يجب التعامل بالحسم مع هذا العدوان .
فالإثيوبية تعمل على إضرار بأمن السودان و دعم العمليات العسكرية ضده بالتعاون مع دويلة الشر الإماراتية الصهيونية .
وهنا يجب أن يكون الرد سودانياً قوياً، ولكن محسوباً:
الدبلوماسية، الضغط السياسي، حماية الحدود، الردع، التحرك القانوني، والتحالفات الإقليمية والدولية.
لا بد من تغيير قواعد اللعبة
إن استمرار السودان في التعامل مع الحرب باعتبارها معركة عسكرية فقط يعني ترك نصف المعركة للخصم.
المعركة الحقيقية لها خمسة أبعاد:
البعد العسكري: حماية الدولة والحدود والمدن والمنشآت الحيوية وإنهاء قدرة مليشيا آل دقلو الإرهابية على تهديد المواطنين و الدولة .
البعد الاستخباري: كشف شبكات الإمداد والتمويل والتهريب والتجنيد والمرتزقة و القضاء عليها .
البعد الدبلوماسي: تحويل التدخلات الخارجية إلى ملفات موثقة أمام مجلس الأمن والاتحاد الأفريقي والمجتمع الدولي.
البعد الاقتصادي: تجفيف اقتصاد الحرب، وملاحقة شبكات المضاربة و الذهب والتهريب والتمويل التي تغذي المليشيا الإرهابية .
البعد السياسي: بناء جبهة وطنية واسعة للحوار السوداني–السوداني، بعيداً عن الوصاية والإملاءات الخارجية، وصولاً إلى دولة موحدة ذات مؤسسات شرعية.
المطلوب ليس حرباً مع الجوار… بل إغلاق ممرات و رد العدوان
إن الدعوة إلى مواجهة التهديدات الخارجية لا تعني فتح حروب بلا نهاية مع دول الجوار.
السودان يحتاج إلى سياسة ردع ذكية.
فالردع الحقيقي هو أن يعرف أي طرف يفكر في استخدام أراضيه أو حدوده ضد السودان أن الدولة السودانية قادرة على حماية أمنها وسيادتها، سياسياً ودبلوماسياً وأمنياً وعسكرياً، وبما يتوافق مع القانون الدولي.
وفي الوقت نفسه يجب أن تعمل الخرطوم على بناء علاقات قوية مع الدول التي تحترم سيادة السودان، وتوسيع دوائر التعاون الإقليمي والدولي، وتحويل موقع السودان الجغرافي إلى مصدر قوة لا إلى نقطة ضعف.
إسقاط المليشيا وحده لا يكفي
حتى إذا انتهت القدرة العسكرية للمليشيا، فإن المهمة لن تنتهي.
لأن مشروع تفكيك السودان لا يعتمد على السلاح وحده.
هناك مشروع اقتصادي، وإعلامي، وسياسي، واجتماعي، ودبلوماسي.
ولهذا فإن الانتصار الحقيقي هو إعادة بناء الدولة السودانية:
جيش وطني موحد.
مؤسسات أمنية قوية ومهنية.
حدود محمية.
اقتصاد منتج.
موارد وطنية محمية.
مؤسسات عدلية مستقلة.
عودة النازحين واللاجئين.
إعادة إعمار المدن.
إعادة تشغيل المصانع والمرافق.
وإطلاق عملية سياسية سودانية لا تسمح بعودة المليشيات ولا تسمح كذلك بعودة الوصاية الأجنبية.
السودان يجب أن ينتقل من رد الفعل إلى الفعل
لقد دفع الشعب السوداني ثمناً باهظاً.
مدن دمرت.
أسر شُردت.
ملايين نزحوا.
اقتصاد استنزف.
ومنشآت حيوية دمرت.
لكن السودان، رغم كل ذلك، ما زال قائماً.
وهنا يجب أن تكون الرسالة واضحة:
لن يكون السودان جائزة للحرب، ولن يكون ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.
ومن يريد السلام في السودان فعليه أن يعمل على وقف مصادر الحرب.
ومن يريد حماية المدنيين فعليه أن يطالب بوقف تسليح الجماعات التي تستهدفهم.
ومن يريد استقرار الإقليم فعليه أن يحترم سيادة السودان ووحدة أراضيه.
المعركة القادمة هي معركة الدولة
إن أخطر خطأ يمكن أن يرتكبه السودان هو أن يخرج من الحرب منتصراً عسكرياً ثم يعود إلى الانقسام السياسي الذي سبقها.
المطلوب اليوم هو بناء عقيدة وطنية جديدة تقوم على أن الدولة السودانية فوق الجميع، وأن السلاح لا يكون إلا في يد المؤسسات الوطنية، وأن القرار السوداني لا يصنع في العواصم الأجنبية.
لقد آن الأوان لأن يدرك الجميع أن السودان ليس دولة هامشية.
السودان دولة ذات موقع استراتيجي بالغ الأهمية، وثروات هائلة، وموارد زراعية ومعدنية ومائية، وموقع جغرافي يربط العالم العربي بأفريقيا.
ولهذا فإن الصراع عليه لن يتوقف بمجرد انتهاء المعركة العسكرية.
لا وصاية… لا تفكيك… لا استسلام
السودان أمام لحظة تاريخية.
لقد كشفت الحرب كثيراً من الحقائق، وكشفت معها شبكات المصالح والتدخلات والتمويل.
والمرحلة القادمة يجب أن تكون مرحلة الحسم الاستراتيجي:
حسم عسكري ضد مليشيا آل دقلو الإرهابية وكل قوة مسلحة ترفض الدولة والقانون.
حسم دبلوماسي ضد كل تدخل خارجي.
حسم قانوني ضد مرتكبي الجرائم.
حسم اقتصادي ضد شبكات المضاربة و تمويل الحرب .
وحسم سياسي عبر حوار سوداني–سوداني يؤسس لدولة مستقرة وموحدة.
إن السودان لا يريد الحرب مع أحد، لكنه لن يقبل أن تكون أراضيه مسرحاً لمشاريع الآخرين.
ولا يريد السودان العداء مع شعوب المنطقة، لكنه لن يقبل استخدام أراضي دول الجوار منصة لتهديد أمنه.
ولا يرفض السودان السلام، بل يريد سلاماً يحفظ الدولة ولا يكافئ من حمل السلاح ضدها.
إن معركة السودان اليوم ليست معركة مدينة أو ولاية أو حدود.
إنها معركة بقاء الدولة السودانية.
ولهذا فإن الرسالة التي يجب أن تصل إلى الداخل والخارج هي:
السودان لن يُفكك.
السودان لن يُستعمر بالوكالة.
السودان لن يكون ساحة لتصفية الحسابات.
والقرار السوداني سيبقى سودانياً.
فليكن هدفنا النهائي: إنهاء الحرب، إسقاط مشروع التفكيك، استعادة السيادة، وإعادة بناء السودان دولةً قويةً موحدةً مستقلة القرار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى