حسين تبري يكتب: أحمد إبراهيم دريج: الرجل الذي حمل دارفور معه..

أحمد إبراهيم دريج: الرجل الذي حمل دارفور معه.
بقلم: حسين تبري.
ثمة رجال لا تقف سيرتهم بعدد المناصب التي جلسوا عليها بل بحجم السؤال الذي ظلوا يحملونه من عتبة إلى أخرى دون أن يضعوه أرضًا وكما يحلو للأهل مناداته بسيد أحمد إبراهيم دريج واحد من هؤلاء القلائل الذين لا تكتبهم الوظيفة بقدر ما تكتبهم القضية فعندما تتأمل خط حياته من قرية تحفها الجبال من كلا جانبين ومفتوحة على وادي أزوم في ريف زالنجي لا تعطيك انطباعًا أن تلك الجغرافيا تنبت مثل هذا الفذ الذي تدرج إلى كرسي الحكم في الفاشر ثم إلى منافٍ متعددة القارات ثم إلى عودة متأخرة وجنازة شعبية كأنها اتفاق حد أدنى لأهل دارفور على اجتماعهم حول رجل ظل في نظر كثيرين ابن دارفور والمجتمع الدارفوري.
وعندها تدرك أن الرجل لم يكن يبحث عن سلطة يستقر فيها ، بل كان يبحث طوال أكثر من نصف قرن عن إجابة لسؤال واحد ظل يطارده أينما ذهب وهو كيف تصبح دارفور جزءًا حقيقيًا من وطن اسمه السودان لا هامشًا منسيًا على حوافه؟
في مثل هذا اليوم من عام 2020 توقف قلب هذا الرجل في بتسوانا بعيدًا عن الأرض التي أفنى عمره في الدفاع عن حقها في أن تُري كما حلم وناضل ولكن جثمانه حضر إليها كما لو أن القدر أراد أن يكتب النهاية بنفسه فعاد إلى كارقولا ليُدفن حيث بدأت الحكاية.
ولد أحمد إبراهيم دريج عام 1932 في قرية كارقولا بريف زالنجي بولاية وسط دارفور حاليًا وتزامن مولده مع وصول مفتش مركز الفاشر المستر دريج في جولة ريفية إلى المنطقة فسمي تيمنًا به ونشأ في بيت ذي مكانة في الإدارة الأهلية إذ كان والده شرتاي المنطقة وهو ما أتاح له منذ وقت مبكر بيئة اجتماعية وتعليمية مختلفة عن كثير من أبناء جيله.
تلقى تعليمه في الفاشر ثم الدويم وبخت الرضا فحنتوب قبل أن يلتحق بكلية غوردون التذكارية التي أصبحت لاحقًا جامعة الخرطوم حيث تخصص في الإحصاء وتخرج عام 1957 ثم أكمل دراسته العليا في بريطانيا. بدأ حياته العملية في مجال الإحصاء وتدرج فيه حتى تولى إدارة مصلحته قبل أن ينتقل إلى العمل السياسي نائبًا ثم وزيرًا وحمل معه إلى المجال العام طريقة في النظر تتجاوز الخطابة السياسية إلى لغة الأرقام والتنمية والبيانات القابلة للقياس وهذه الخلفية مكنته من تناول قضية دارفور وبناء حججه حول التنمية والتفاوت الإقليمي وهي سمة ميزت تجربته السياسية عن الخطاب الذي اكتفى بالشعارات دون الاستناد إلى الأرقام والوقائع.
ومن هذا التكوين انبثق عام 1964 أول مشروع سياسي جماعي يحمل بصمته وهي جبهة نهضة دارفور التي ترأسها في سياق كانت فيه دارفور تبحث عن صوت منظم يطالب بحصتها من التنمية والتمثيل داخل الدولة السودانية. وعندما حاول أن يشرح جذور هذا التهميش أمام جمهور أوسع لخّص دريج المشكلة بجملة كاشفة قال فيها إن دارفور لم يكن لها مثقفون حاضرون عند استقلال السودان وتشكيل حكوماته الوطنية الأولى فترتب على ذلك سيطرة مناطق الوسط على مراكز صنع القرار التي غاب عنها أبناء دارفور هذه الجملة تختصر الأطروحة التي بناها دريج طوال حياته وهي أن التهميش ليس مؤامرة مستجدة بل نتيجة تراكمية لغياب تمثيل حقيقي منذ لحظة تأسيس الدولة نفسها ومن رحم هذا الفهم انتُخب عضوًا في الجمعية التأسيسية عن دائرة قارسلا عام 1965 وتولى وزارة العمل عن حزب الأمة بعد انضمامه إليه ثم أصبح زعيمًا للمعارضة البرلمانية عام 1968 متنقلًا بمرونة لافتة بين موقع الحاكم وموقع المعارض وهو نمط تكرر طويلًا في مسيرته ويصبح لاحقًا مفتاحًا لفهم كثير من اختياراته الكبرى.
هذه المرونة نفسها قادته في مطلع الثمانينيات إلى أعلى موقع تنفيذي بلغه في حياته حاكمًا لإقليم دارفور، لكنه لم يصل إلى المنصب في ظروف عادية.
فقد أثار تعيين اللواء الطيب المرضي حاكمًا على دارفور وهو من خارج الإقليم غضبًا واسعًا في الفاشر وتحولت المدينة إلى مسرح لاحتجاجات شعبية رافعة مطلبًا واضحًا بأن يتولى الإقليم أحد أبنائه وكانت الهتافات التي ملأت الشوارع تختصر موقف المحتجين بعبارات مباشرة مثل «حكامنا مننا قرار الخرطوم ما بهِمنا» و«المرضي يرجع دارفور ما بتركع»، في تعبير واضح عن رفض أن يأتي الحاكم بقرار من المركز دون قبول أهل الإقليم ومع اتساع الاحتجاجات اضطرت حكومة جعفر نميري إلى التراجع عن قرارها وانتهت الأزمة بتعيين أحمد إبراهيم دريج حاكمًا لدارفور.
ولم يتعامل دريج مع المنصب بوصفه موقعًا إداريًا فقط بل اشترط مساحة واسعة في اختيار وزرائه وإدارة شؤون الإقليم بعيدًا عن الوصاية المباشرة من الخرطوم وخلال سنوات حكمه ارتبط اسمه بعدد من المشاريع التنموية من شق طريق نيالا كاس زالنجي إلى البدء في طريق الفاشر نيالا وإطلاق مشروع جبل مرة الزراعي ومشروع الغزل والنسيج في نيالا لكن الاختبار الأشد جاء مع الجفاف والمجاعة التي ضربت الإقليم في أوائل الثمانينيات فقد حذّر حكومة نميري من خطورة الوضع وطالب بالتعامل معه بوصفه أزمة إنسانية عاجلة ثم ذهب إلى الخرطوم في ديسمبر 1983 ليعرض الأمر مباشرة على الرئيس ومع تصاعد الخلاف غادر السودان إلى السعودية وانتهت بذلك تجربته في الحكم لتبدأ مرحلة جديدة من المنفى السياسي.
وفي المنفى لم يكتف دريج بمعارضة نميري شخصيًا بل أعاد صياغة قضيته على مستوى بنيوي أوسع بكثير من حدود دارفور وحدها ففي مطلع التسعينيات أسس بالاشتراك مع الأكاديمي شريف حرير حركة معارضة عُرفت باسم التحالف الفيدرالي الديمقراطي السوداني طارحًا الفيدرالية بوصفها حلًا جذريًا لأزمة العلاقة بين المركز والأطراف لا مجرد ترضية إدارية وقتية.
وعندما اندلعت حرب دارفور عام 2003 وأصبحت قضية دارفور عنوانًا دوليًا لم يتراجع دريج عن هذه القناعة بل أعاد صياغتها بلغة أكثر شمولًا للسودان كله فقد رأى أن حل مشكلة الإقليم وكل مناطق السودان يكمن في تطبيق الفيدرالية وحسم مسألة الهوية عبر قبول السودانيين بعضهم بعضًا بغض النظر عن العرق أو الدين مؤكدًا أن السودانيين خليط من العرب والأفارقة ومسلمين وغير مسلمين وأن الدولة هي أم وأب الجميع تعاملهم على قدم المساواة وتحكم بينهم بالعدل وهذا التحول الفكري من الدفاع عن إنصاف دارفور إلى الدعوة لإعادة تعريف شكل الدولة السودانية بأكملها على أساس المساواة لا الهوية الواحدة المفروضة هو ما يمنح دريج موقعًا بين المفكرين السياسيين لا بين الساسة التقليديين فقط.
ومع ذلك فإن الإنصاف يقتضي ألا تُقدّم سيرة دريج بوصفها محل إجماع. ففي عام 2005 شارك في لقاءات مع الحكومة ضمن مسار نيفاشا من بينها اجتماعه بعلي عثمان محمد طه ودعا قادة الحركات إلى توحيد مطالبهم قبل مفاوضات أبوجا وأثارت هذه المواقف انتقادات من بعض قادة الحركات المسلحة الذين أطلقوا عليه لقب «كرزاي دارفور» ورأوا في مواقفه تقاربًا مع تسوية سياسية لم تكن تحظى بقبولهم. ويكشف هذا الجدل أن دريج رغم مكانته وتاريخه ظل شخصية سياسية خاضعة للاختلاف والتقييم خصوصًا لدى جيل جديد من القوى الدارفورية التي رأت أن أدوات المرحلة السابقة لم تعد كافية للتعامل مع واقع سياسي متغير.
ولعل أبلغ ما يكشف عمق ارتباط دريج بوطنه عودته إلى السودان في أواخر 2014 بعد غياب اختياري تجاوز ثلاثة عقود وقد عبّر عن سعادته بالوجود بين أهله لتؤكد تلك اللحظة أن صلته بدارفور والسودان تجاوزت حسابات السياسة وظلت ممتدة رغم سنوات المنفى الطويل.
وعندما توفي أحمد إبراهيم دريج في بتسوانا في21 سبتمبر 2020م بدأت رحلته الأخيرة والأكثر رمزية ونُقل جثمانه إلى دارفور وشُيع في زالنجي ودُفن في كارقولا القرية ذاتها التي بدأ منها كل شيء ووُصف عند رحيله بأنه من الرعيل الذهبي الأول في تاريخ دارفور السياسي رجل جمع بين خفة الظل وحضور الخطيب المفوّه وبين موقع الأرستقراطية المحلية وتواضع شخصي لاحظه كثيرون ممن عرفوه عن قرب.
وهكذا فإن سيرة دريج ليست حكاية استثناء فردي بل هي جزء مبكر من تاريخ السؤال الدارفوري نفسه كيف تُدار الأقاليم؟ من يمثّلها؟ وهل يكفي أن يحكمها أبناؤها لتُحل أزمتها البنيوية مع المركز؟ فمن جبهة نهضة دارفور عام 1964 إلى التحالف الفيدرالي في التسعينيات ومن كرسي الحكم إلى المعارضة ظل دريج يطرح نسخًا متعاقبة من السؤال ذاته ويقدّم إجابات لم تكن دائمًا محل إجماع لكنها ظلت متسقة مع قناعة واحدة لم يتخل عنها يومًا وهي أن قضية دارفور جزء من أزمة الدولة السودانية لا استثناء منفصل عنها وأن لا حل حقيقيًا لأي منهما دون أن تصبح الدولة كما قال هو نفسه أمًا وأبًا لجميع أبنائها بلا استثناء.
رحم الله أحمد إبراهيم دريج وألهم أهله وذويه الصبر والسلوان.



