الناظر مادبو.. هذا لا يكفي د. ياسر محجوب الحسين
الناظر مادبو.. هذا لا يكفي د. ياسر محجوب الحسين

.
الناظر مادبو.. هذا لا يكفي
د. ياسر محجوب الحسين
من الجميل أن نسمع، بعد طول انتظار، صوت ناظر الرزيقات محمود موسى مادبو يدعو أبناء القبيلة إلى التخلي عن الحرب والعودة إلى حضن الوطن. مقطع قصير لا يتجاوز السبعين ثانية، يقف فيه الرجل ليقول ما كان ينبغي أن يُقال منذ زمن: اتركوا السلاح، ارجعوا. وفي زمن أنهكته آلة القتل والإجرام، يبدو مثل هذا الكلام كغيث على أرض ظمأى. علينا أن نأخذه بجدية، وأن نفترض حسن النية، وأن نفتح له بابا من الأمل. لكن الأمل وحده لا يكفي، والكلام العام لا يمحو ما نقشته الكلمات السابقة في الوجدان.
فالحرب لم تعمل سلاحها فحسب، بل عملت لسانها أيضا. آلة الكلام، حين تصدر عن القيادات، لا تقل فتكا عن الرصاص؛ فهي تخرب الدواخل، وتزعزع السلام النفسي، وتأجج المشاعر حتى تصبح الكراهية جزءا من الهواء الذي يتنفسه الناس. والناظر مادبو، بما صدر عنه في السابق، كان من بين من أسهموا في هذا التجريف النفسي والعنصري. لذلك، ليس كافيا أن يخرج اليوم بدعوة عامة يمكن أن تُقرأ في إطار السياسة وألاعيبها. المطلوب اعتذار شجاع، واضح، محدد، يقر فيه بما قاله وبما فعله، حتى يكون قدوة لمن تورطوا مثله، وخطوة حقيقية نحو ترميم ما أفسدته الحرب في النفوس والمجتمع.
تذكروا تصريحه الشهير في أكتوبر 2022: «حميدتي خط أحمر.. وأي تحد لمحمد حمدان معناه تحد لقبيلة الرزيقات». وصف فيه الرجل بأنه «ابن القبيلة»، ورفض أي مساس به، قبل اندلاع الحرب بأشهر. وتذكروا تلك العبارة التي ترددت في المقاطع وانتشرت كالنار في الهشيم: «والله وأقسم بالله لو لا شعبنا في الخرطوم وأهلنا في الخرطوم، الخرطوم دي نطويها في خمس دقائق». كلام فُهم على نطاق واسع كتحد مباشر لنخبة الوسط والشمال، وتقليل من شأن العاصمة وأهلها. هذه التصريحات لم تكن زلة لسان عابرة؛ كانت موقفا، وكانت جزءا من خطاب غذى الانقسام وأسهم في تأجيج ما نحن فيه اليوم.
وها هي الأيام تكشف ما كان مخبوءا. في الأيام القليلة الماضية، أعلن أربعة وعشرون عمدة من فخذ النوايبة – أحد أكبر البطون الرئيسية الثلاثة في الرزيقات إلى جانب المحاميد والماهرية – شق عصا الطاعة على الناظر. لم يكن الأمر صدفة، ولا وليد لحظة غضب عابرة. هو امتداد طبيعي لتراكمات تاريخية، ولما حدث داخل القبيلة الكبيرة التي تماشى ناظرها ووكيله مع مشروع استحواذي كان يرمي إلى إحداث شرخ عميق في البلاد. النوايبة ركيزة أساسية في الرزيقات، يتوزعون في دارفور شرقا وغربا ووسطا وشمالا وجنوبا، وفي مناطق كانت يوما قواعد عسكرية للمليشيا. وعندما يخرج عمدهم بهذا العدد، فإن ذلك دليل على الضغط الذي شعر به الناظر، وعلى أن البيت الداخلي لم يعد يحتمل.
الأسباب معروفة لمن يتابع: استعداء مستمر لمجموعات سودانية في العاصمة ونهر النيل والشمالية، تصريحات زادت الغبن وأسهمت في خطاب الكراهية، ودفع أبناء النوايبة إلى معارك قاسية في قلب الصحراء أسفرت عن قتلى وجرحى ومفقودين، ثم تجاهل لمصير سبعين أسيرا لم يتجاوب الناظر مع استفسارات عمدهم بشأنهم. كل ذلك حدث بمعرفته وإشرافه، في سياق تماه مع المليشيا التي خسرت ميدانيا، ولجأت إلى الطيران المسير لحصد المدنيين، وهي اليوم إلى زوال بحسب المعطيات العسكرية والسياسية.
الآن، وقد دعا مادبو إلى العودة، فإن الخطوة الناقصة هي الاعتذار الصريح. اعتذار لا يلتف حول الماضي، بل يواجهه: يقر بأن «حميدتي خط أحمر» كان خطأ، وأن «نطوي الخرطوم» كان تحريضا، وأن دفع الأبناء إلى معارك الآخرين كان خيانة للدم الذي سال. فقط عندئذ يصبح كلامه الجديد جسرا لا قناعا، ويصبح اعتذاره مثالا لمن أسهموا في التجريف، ويبدأ ترميم ما أفسدته الحرب في الضمائر قبل أن تُرمم البيوت.
السودان لا يحتاج إلى دعوات عامة فقط؛ يحتاج إلى رجال يعترفون، ويعتذرون، ثم يسيرون في طريق الإصلاح بلا التفات إلى الوراء.
———————
_أمواج ناعمة – 22/09/2026



