الصافي سالم يكتب: جبريل إبراهيم حين تصبح وزارة المالية جبهةً للصمود وتلتقي الدولة بالمجتمع

جبريل إبراهيم حين تصبح وزارة المالية جبهةً للصمود وتلتقي الدولة بالمجتمع
كلام سياسة الصافي سالم
في زمن الحرب، لا تُقاس مسؤولية وزير المالية بالأرقام والجداول والموازنات وحدها؛ فالاقتصاد نفسه يصبح واحداً من أكبر ميادين التحدي، وتصبح المحافظة على مؤسسات الدولة واستمرار الخدمات والإنتاج وإدارة الموارد تحت ضغط الحرب مسؤولية ثقيلة ومعقدة.
ومن هذه الزاوية ينبغي قراءة تجربة الدكتور جبريل إبراهيم، وزير المالية والتخطيط الاقتصادي ورئيس حركة العدل والمساواة السودانية، بعيداً عن الأحكام المبسطة التي تحمّل شخصاً واحداً مسؤولية أزمة صنعتها حرب واسعة طالت موارد البلاد وبنيتها التحتية وإنتاجها وحركة تجارتها وحياة ملايين المواطنين.
لقد تولى جبريل إدارة الخزانة العامة في واحدة من أصعب المراحل الاقتصادية التي مر بها السودان. والحرب التي اندلعت في أبريل 2023 لم تكن حدثاً عسكرياً معزولاً عن الاقتصاد؛ فقد عطلت الإنتاج والتجارة، وألحقت أضراراً بالبنية التحتية ومصادر الإيرادات، وفرضت على الدولة التزامات استثنائية ومتزامنة. وفي الوقت نفسه ظلت وزارة المالية مطالبة بإدارة الموارد وتمويل الخدمات والوفاء بالأولويات العامة في بيئة شديدة التعقيد.
ولا يعني ذلك أن المواطن لا يعاني. فالغلاء وتراجع قيمة العملة وضيق المعيشة حقائق لا ينبغي تجميلها، وقد أقر جبريل نفسه مؤخراً بأن تراجع سعر الصرف انعكس مباشرة على معيشة المواطنين، خصوصاً أصحاب الدخول المحدودة، رابطاً ضغوط العملة بزيادة الطلب على النقد الأجنبي واتساع الواردات مقارنة بالصادرات.لكن الإنصاف يقتضي أيضاً النظر إلى ما يجري داخل مؤسسات إدارة الاقتصاد. فقد ترأس وزير المالية خلال العام الماضي والحالي اجتماعات لمعالجة اختلالات الصادر والوارد، وزيادة الإنتاج والصادرات، وتنظيم تجارة الحدود، وربط استقرار سعر الصرف بإصلاح الاقتصاد الكلي والتنسيق بين السياسات المالية والنقدية.أما لقاؤه الحاشد يوم أمس الجمعة بقيادات الكواهلة في الصالحة بأم درمان، بدعوة من الأمير عوض الجيد النعيمة، فإنه يحمل في تقديري دلالة تتجاوز المناسبة الاجتماعية نفسها. فحضور قيادات الإدارة الأهلية والنظار والعمد والأمراء والأعيان يفتح نافذة مهمة للحوار بين مؤسسات الدولة والمجتمع، خاصة في مرحلة تحتاج فيها البلاد إلى ترميم النسيج الاجتماعي وتعزيز المصالحات ومعالجة آثار الحرب داخل المجتمعات المحلية.وقد دعا جبريل خلال اللقاء الإدارات الأهلية والنظار والأمراء والعلماء إلى الإسهام في إصلاح ذات البين ورتق النسيج الاجتماعي، وهي رسالة تضع أمام الإدارة الأهلية دوراً يتجاوز المجاملات واللقاءات البروتوكولية إلى المساهمة في الاستقرار الاجتماعي وتهيئة المجتمعات لمرحلة ما بعد الحرب.كما أن الأمير عوض الجيد النعيمة طرح نقطة جديرة بالنقاش حين أكد أن إدارة الاقتصاد الكلي مسؤولية مؤسسات متعددة، ودعا إلى تعزيز التنسيق بين السياسة المالية والنقدية وعدم اختزال الأزمة الاقتصادية في مؤسسة واحدة.وهنا تكمن المسألة الأساسية: من حق الناس أن يسألوا وزير المالية عن الأسعار وسعر الصرف والضرائب والإنفاق، ومن واجب الوزير أن يجيب بشفافية، لكن العدالة في التقييم تقتضي كذلك وضع هذه الملفات داخل سياقها المؤسسي والاقتصادي الكامل.
جبريل إبراهيم أمام اختبار كبير، وربما الأصعب في مسيرته التنفيذية؛ اختبار المحافظة على قدرة الدولة المالية في زمن الحرب، ثم الانتقال من اقتصاد الطوارئ إلى اقتصاد التعافي والإنتاج وإعادة الإعمار.وما يحتاجه السودان اليوم ليس إخفاء الأزمة الاقتصادية ولا تضخيمها سياسياً، وإنما مواجهة الحقائق: زيادة الإنتاج، حماية موارد الدولة، ضبط الإنفاق، تقوية الصادرات، محاربة التهريب والمضاربات، تنسيق السياسات المالية والنقدية، وفتح الطريق أمام الاستثمار وإعادة الإعمار.وفي تقديري، فإن لقاء الكواهلة بأم درمان أعاد التأكيد على حقيقة مهمة: معركة استقرار السودان ليست اقتصادية أو أمنية أو اجتماعية كلٌ على حدة، وإنما هي ملفات مترابطة. ومتى ما التقت مؤسسات الدولة مع المجتمع والإدارة الأهلية والقطاع المنتج حول مشروع وطني واضح، تصبح فرص تجاوز آثار الحرب أكبر.
فالاقتصاد يحتاج إلى السلام والاستقرار، والاستقرار يحتاج إلى مجتمع متماسك، وإعادة بناء السودان تحتاج إلى دولة ومجتمع يعملان معاً.



