موسي داؤود يكتب: جبريل إبراهيم.. حين كان بقاء الإقتصاد بقاءً للدولة

بقلم: الأستاذ موسى داؤد الكاتب الصحفي والمحلل السياسي
منذ اندلاع الحرب في الخامس عشر من أبريل 2023، لم يكن السودان يواجه معركةً عسكرية فحسب، وإنما كان يخوض معركةً أخرى صامتةً في عمق الدولة: معركة بقاء الاقتصاد، واستمرار المؤسسات، وحماية ما يمكن حمايته من دورة الحياة العامة في بلدٍ عصفت الحرب بموارده ومؤسساته وأسواقه وقطاعاته الإنتاجية.
وفي قلب هذه العاصفة، وجد الدكتور جبريل إبراهيم نفسه أمام مسؤولية لم تعد تشبه مهام وزير مالية في الظروف الطبيعية؛ فلم تكن القضية مجرد إعداد موازنة أو إدارة إيرادات ونفقات، وإنما كيف يمكن أن تستمر الدولة وهي تفقد جانباً كبيراً من مواردها، وتتراجع قدرتها الإنتاجية، وتتضرر بنيتها المؤسسية والمالية؟
وهنا يصبح من الضروري أن نقرأ التجربة كلها، لا أن نحاكمها من آخر مشهد. فالطبيب لا يحكم على مريض من آخر أعراضه؛ بل يسأل عن تاريخ مرضه، ويفحص جسده، ويقرأ تحاليله، ثم يضع حكمه. وكذلك الاقتصاد السوداني؛ لا يمكن أن تُقرأ نتائجه اليوم بمعزل عن الخامس عشر من أبريل 2023، وما سبقه وما تلاه من انهيار اقتصادي وحرب استنزفت الموارد وأثقلت كاهل الدولة.
لقد انكمش الاقتصاد السوداني بصورة حادة خلال سنوات الحرب، وتراجعت الإيرادات والقدرة الإنتاجية، ومع ذلك استمرت الدولة في أداء جانب من وظائفها الأساسية، بما في ذلك صرف الرواتب والمعاشات، والتحويلات للولايات، وتمويل عدد من الخدمات والاحتياجات العامة، وفق ما أوردته التقارير الرسمية. وهنا يبرز السؤال الذي يستحق التأمل: إذا كانت الحرب قد ضربت الاقتصاد السوداني بهذه القسوة، فلماذا لم يسقط سقوطاً كاملاً؟
قد لا تكون الإجابة في رقمٍ واحد أو قرارٍ منفرد، لكنها تكمن في مفهوم أوسع: إدارة البقاء الاقتصادي. ففي أيام الرخاء يكون الإنجاز أن تبني، أما في أيام العاصفة فقد يكون الإنجاز الأكبر أن تحفظ ما بقي قائماً حتى يأتي زمن البناء.
ولذلك، فإن مهمة وزير المالية خلال الحرب لم تكن إدارة اقتصادٍ طبيعي، بل إدارة اقتصادٍ تحت النار؛ اقتصادٍ يبحث عن الموارد، ويحاول إبقاء المؤسسات حية، وحماية المال العام، واستمرار الالتزامات الأساسية للدولة، في الوقت الذي كانت فيه الحرب تضغط على كل مفاصل الحياة.
ولم تتوقف المسألة عند إدارة الأزمة؛ فقد اتجهت وزارة المالية إلى إعداد رؤى وبرامج لإعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي، بما يعكس محاولة الانتقال من سؤال: كيف نبقى؟ إلى سؤال: كيف نعيد البناء؟ وهذه النقلة، في حد ذاتها، تؤكد أن إدارة الحرب الاقتصادية لم تكن غايةً نهائية، وإنما جسراً نحو استعادة الدولة لعافيتها.
ومن هنا، فإن تجربة الدكتور جبريل إبراهيم تستحق أن تُقرأ بميزان الإنصاف والتاريخ. وقد يختلف السودانيون في تقييم السياسات والنتائج، وهذا حق مشروع، لكن الإنصاف يقتضي ألا تُمحى سنوات الحرب من الذاكرة عند قراءة الحاضر، وألا يُنظر إلى الرجل خارج السياق الاستثنائي الذي حمل فيه هذه المسؤولية الثقيلة.
وفي ميزان الأوطان، لا تُختبر الرجال في مواسم الرخاء، حين تكون الموارد وافرةً والطرق ممهدة، وإنما تُختبر حين تضيق الأرض بما رحبت، وتتساقط من حولهم أعمدة الدولة، ويصبح الحفاظ على ما بقي قائماً أشقَّ من تشييد ما تهدّم. هناك، حيث لا تمنح الحرب أحداً رفاهية الاختيار، تظهر معادن الرجال، ويصبح الصمود في ذاته موقفاً من مواقف الوطنية.
ومن هذا الباب، فإنني أرى في تجربة الدكتور جبريل إبراهيم صورةً لرجلٍ حمل عبء الاقتصاد السوداني في واحدة من أكثر مراحل البلاد قسوةً واضطراباً؛ فلم تكن أمامه خزينةٌ مستقرة يدير فائضها، بل دولةٌ تنزف مواردها ومؤسساتها، واقتصادٌ تحاصره الحرب من كل جانب. وفي مثل هذه الظروف، تصبح المحافظة على انتظام الدولة واستمرار مؤسساتها وحماية ما يمكن حمايته من المال العام معركةً من نوع آخر؛ معركة لا تُسمع لها أصوات المدافع، لكنها لا تقل خطراً عن معارك الميدان.
وقد يختلف الناس في السياسات والنتائج، لكن ذلك لا يلغي أن الوطنية في مثل هذه اللحظات لا تُقاس بكثرة الحديث عن الوطن، وإنما بمقدار ما يبذله المرء في سبيل أن يبقى الوطن واقفاً.
ولذلك، حين يهدأ غبار الحرب، وتُفتح دفاتر التاريخ، قد لا يكون السؤال الأهم: من حقق أكبر إنجاز في زمن الرخاء؟ وإنما: من بقي واقفاً عندما كانت الدولة نفسها تكافح كي لا تسقط؟ وحينها، ستظل تجربة جبريل إبراهيم شاهدةً على مرحلةٍ كان فيها حفظ نبض الاقتصاد السوداني صورةً من صور الدفاع عن نبض الدولة، وكان حمل الأمانة في زمن الانهيار وجهاً من وجوه البطولة الوطنية التي لا تحتاج إلى ضجيج كي يكتبها التاريخ.



